أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/947.jpg&w=220&q=100&f=webp

فواز الشريف

إذا صفّر «أبو الرو» جدة كلها «تهجد»

حين يطلق «أبو الرو»، أحد أشهر حكام حواري جدة وما حولها من قرى، صافرته ليعلن عن قرار، ترتطم النبرات بجدران الصمت وتختنق الحناجر غصة، هناك على خط «الجير»، منطقة «التماس» الفاصلة بين الجمهور والملعب، وتتوقف أطياف البهجة ومذاقات العصير كأنما ابتلعها الذهول.


في تلك اللحظة من عمر المباراة، لا تكتفي المدرجات بالسكوت، كأنما جدة مدينة الضوضاء والصخب والسهرات على كورنيشها كلها «تهجد».


أبو الرو حكم «يخض» الملعب والأرض تهتز من تحته، فبالرغم من أن الجميع يركض وتتداخل أجسادهم وتتسارع أنفاسهم، إلا أنه يراهم «بالحركة البطيئة»، كأن للمباراة زمنا وله زمنه الخاص. طوله طول لاعب سلة، وعرضه عرض لاعب كرة يد، وشخصيته عسكرية، وفي حديثه نبرة معلم يعرف أن الفصل سيصمت قبل أن يكمل جملته.


وهو ذاته إذا أراد أن يمنحك بطاقة حمراء، أخذك إلى خارج حدود الملعب من أقرب جهة، كأن للتراب الذي نركض فوقه حرمة، وللعب نبلا يأبى أن يقطعه بمشهد الطرد. هناك يشهر البطاقة، ثم يقترب منك ويسأل «في رأسك شيء؟». أي هل القرار لا يعجبك؟ فتضيق في رأسك مساحة الكلام، ولا تملك إلا أن تقول «لا يا أستاذ» وتغادر.


وإذا شعر بأن الفريق يكثر الامتعاض، حتى بذلك الصمت الذي له وجه اعتراض، استدعى الكابتن إلى خارج الملعب، ومنحه إنذارا أصفر، ثم قال «أدب عيالك». فيعود الكابتن إلى زملائه، يحمل بطاقة باسمه ووصية تخصهم جميعا.


نشر «أوسكار وايلد» مجموعته القصصية «بيت الرمان»، فاعترض أحد النقاد البريطانيين على لغتها وصعوبتها، متسائلا عن ملاءمتها للأطفال، فرد وايلد مدافعا عن حريته في الكتابة وعن رؤيته للجمال، قائلا «لعل حكاياتي تجد قراءها بين أولئك الذين لم تطفئ بلادة العصر طفولتهم». ربما يقصد النفوس التي احتفظت بقدرتها على الدهشة والفرح، وما زالت تجد في البساطة غرابة خفية، أيا كانت أعمارها. قال «كتبتها لا للأطفال وحدهم، بل لأولئك الذين يحتفظون بروح الطفولة، من سن الثامنة حتى الثمانين».


ولعل شيئا من تلك الطفولة جمعنا حول «بنات بحرة في ملعب حارتنا»؛ فقد أعاد لي تفاعلكم أصواتا ظننت أن السنين ابتلعتها، وأصبحت كلما كتبت فتحت بابا إلى رواية أخرى مثل تلك التي تروى.


لا أذكر أحدا قال إن «أبو الرو» ظلمه، ولم يخرج فريق من معركته مظلوما، إلا إذا اتسعت الملاعب من حي الجامعة إلى حارة المظلوم، فكل لاعب حينها سيكتب بدمه وعرقه وجهده على خط «التماس» بين الفوز والخسارة كلمة «مظلوم».


في كأس العالم 2026 رأينا ما يعيد إلى كرة القدم شيئا من صلابتها، فيسقط اللاعب بخفة وينتظر أن تشاركه الصفارة أداء لاستكمال المشهد، والصافرة تأمر باستمرار اللعب. تبتعد الكرة، ويبقى اللاعب على الأرض يتفقده جمهوره، ثم يدرك في قرارة نفسه أن الاحتكاك من طينة اللعبة، والمهارة تبلغ جمالها حين تعبر من مقاومة حقيقية، بمعنى كتف بكتف، وقدم تنتزع الكرة، ومهاجم يتجاوز خصمه دون أن يطلب من الحكم إزاحته بحركة تمثيلية، ثم يحرس صاحب القرار الحد الفاصل بين هذه الصلابة والأذى، حتى لا تصبح الحماية مكافأة على السقوط.


أصيب «كولينا» الحكم الإيطالي الأشهر بمرض أفقده شعره في الرابعة والعشرين، وحين طالت السخرية ملامحه رفض أن يتركها تمر دون أن يدافع عن احترامه ويستغلها ليبني شخصيته، وحمل إلى الملعب شخصية تعرف قيمة الاستعداد ومسؤولية القرار، فكان دوما يطالب الحكام بمراجعة أخطائهم ونقد أنفسهم وتحمل مسؤولية ما يقررونه في لحظات الضغط.


دائما يؤكد أن الموثوقية هي أن يطمئن الآخرون إلى معرفتك واتساقك وصدقك، وأن تبقى جديرا بثقتهم حتى حينما تخطئ.


المتتبع للحكم المحلي في مسابقاتنا يجد أنه يعاني من شخصية قد تحفظ القانون وتعرف مواده، ثم تغيب شجاعتها لحظة تطبيقه، كأن المشهد يتحرك بطريقة «سريالية» متداخلة وكأن الأرض تهتز تحت أقدامهم، وتشعر أن الدنيا توقفت والعالم أظلم من حولهم. ترى المخالفة، وتعرف قرارها، لكنها تسمع صرخة المدرج قبل أن تطلق صافرتها، وتحسب حساب الوجوه الغاضبة قبل أن تحسب لصاحب الحق حقه. وفي تلك المسافة القصيرة بين ما تعرفه وما تجرؤ عليه، يقع في الأخطاء ثم يواصل كأنه يركض إلى الأمام بدلا من التوقف وتطويع الحدث لصالحه، خاصة وأن زمن «VAR» كان فرصة للإبداع والتميز وتشكيل فارق كبير.


في مونديال 2026 إذا سقط اللاعب على الأرض يجب أن يغادر خارج الملعب من دقيقة إلى دقيقتين، ولذلك أكثر اللاعبين لا يسقطون، لكن حكامنا المحليين، والذين بطبيعة الحال شاهدوا معنا كأس العالم، يعانون من تطبيق هذه الحالة المهمة، فاللاعب يسقط والكرة تتحرك والحكم يتحرك مع الكرة لتصبح المسافة بينه وبين اللاعب الواقع بعيدة جدا، فيحزم حقائبه وصافرته ويستجمع لياقته حتى يصل إلى اللاعب الواقع الذي تسبب في إيقاف المباراة، ثم يسأله «أتريد أن تغادر؟» فيقول له «لا»، ثم يقوم يركض على قدميه، إنها أسهل وأبسط طريقة لقتل اللعب.


أنا على يقين بأن البعض منهم يشتته تداخل الأصوات في أذنه، فليس كل أحد منا «يتكلم ويسمع ويفكر ويقرر» في نفس الوقت، لأن هذه ملكات وموهبة قد نتعلمها ونطورها لكنها في البعض جزء منه ومولودة معه، في أبو الرو مثلا.


في المقابل تجد الساحة الرياضية مقسومة على النصر المؤيد للحكم المحلي والهلال المؤيد للحكم الأجنبي، والقصة ليست كذلك، إنما القصة كبيرة جدا وليست لها علاقة بقوانين اللعبة ولا الرياضة، ومنها معرفة اللاعبين بالمزاج العام للجمهور ودعمهم المطلق وقراءتهم لشخصية الحكم في أول ربع ساعة، وتعاونهم الذكي في تخفيض رتم المباريات وتكرر التوقفات.


رغم إيماننا بأن الأخطاء جزء من اللعبة، نتأثر أكثر حينما نجد حكم جهاز الفيديو أيضا يقع فيها مع انتفاء الداعي والمقتضى لهذه الأخطاء وفق موقعه وهدوئه.


كرة القدم ليست قانونا خالصا، بل هي لعبة تتلبسك كالزار في السامري أو الخبيتي، دفاعاتها مزمار وهجومها ينبعاوي. وكان «أبو الرو» يعرف إيقاعها، متى يترك للمزمار أن يلعب زوماله وتشتعل ناره، ومتى يتدخل ليعيد للملعب اتزانه، لا يحتاج إلى شاشة من أجل المشهد ولا إلى مدرج يمنحه الشجاعة، يكفي أن يرفع صافرته إلى فمه حتى يغير الخبيتي العاج، وجدة كلها «تهجد».

منذ 5 ساعات

الانتصار الذي لا يعرف الهزيمة

لا شيء يوازي سحبة مايكل جاكسون الشهيرة في «بيلي جين» حين بدا وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميه سوى سحبة ماجد عبد الله بحارس مرمى منتخب الصين لو جيان رن. مشهدان يفصل بينهما عالمان مختلفان الموسيقى وكرة القدم، لكنهما يلتقيان في نقطة واحدة وهي القدرة على إنتاج الدهشة.


وقد تكون هذه الدهشة هي أكثر ما يستحق الاحتفاظ به في الذاكرة. فبعض اللحظات لا تقاس بالأرقام ولا تحاكم بالمقارنات ولا تختزل في الإحصاءات. إنها لحظات ترتبط بزمنها وبأصحابها وبالمشاعر التي صاحبتها، ولذلك تبقى عصية على التفسير مهما تغيرت المعايير وتعاقبت الأجيال.


كنا في تلك السنوات نستقبل الحياة بعينين مفتوحتين على العالم. وكان كل شيء يبدو أكبر من حجمه الحقيقي وأكثر قدرة على إثارة الإعجاب؛ ففي عام 1982 شهد العالم واحدة من أكثر المباريات رسوخاً في ذاكرة كرة القدم، عندما أطاح المنتخب الإيطالي بالحلم البرازيلي في ملعب ساريا الإسباني عبر ثلاثية مجرم «توتو نيرو» الراحل باولو روسي الذي قال: «كنت على يقين بأنني ألعب أمام منتخب لم يكن من الأرض».


لم تكن البرازيل آنذاك مجرد منتخب يبحث عن الفوز، بل مشروع جمالي يقوده تيلي سانتانا الذي منح كرة القدم بعداً مختلفاً قائماً على المتعة والحرية والخيال عبر فلسفة «الجوجو بونيتو» وهي الجدة الكبرى لـ«التيكي تاكا» ابنة جوارديولا، حيث مثلت انعكاساً لطريقة لعب نشأت في شوارع البرازيل في الأزقة الضيقة، حيث يركض الأطفال خلف الكرة كما لو أنهم يرقصون معها، كما لو أنهم معصوبو العيون، كما لو أنهم جميعهم رونالدينو.


في تلك الفترة أيضاً ظهر ما هو مدهش بالنسبة لنا، تمثل في انتشار جهاز الفيديو بوصفه نافذة جديدة على العالم. لم يعد الحدث يمر وينتهي، بل أصبح من الممكن استعادته متى شئنا. كانت إعادة مشاهدة المباريات والأهداف تجربة استثنائية لجيل كامل، تماماً كما يفعل الذكاء الاصطناعي اليوم في إعادة تشكيل علاقتنا بالتقنية والمعرفة.


وبفضل ذلك الجهاز أصبحت بعض اللحظات أكبر عمراً من الزمن نفسه، إذ تحولت من أحداث عابرة إلى ذاكرة دائمة.


أتذكر أن حدود العالم في مخيلة ذلك الجيل كانت تمتد غرباً إلى مسرح «باسادينا في كاليفورنيا»، حيث كان مايكل جاكسون يختبر حدود الجاذبية، وشرقاً إلى الملعب الوطني القديم في «كالانغ بسنغافورة»، حيث كان بيليه الصحراء يختبر ما بعد الممكن في كرة القدم وفي الحالتين كان المشهد واحداً وهو الأرض تنزلق تحت الأقدام وربما لهذا السبب ظلت تلك اللحظات حاضرة في الذاكرة، مثل ذلك المشهد الشهير في رواية «مئة عام من العزلة» حين اكتشف أوريليانو بوينديا الجليد للمرة الأولى لم يكن الجليد هو الحدث الحقيقي، بل الإحساس بالدهشة وهي التي قادته على حافة الموت ليتذكرها حين التقى كتيبة الإعدام وجهاً لوجه، فالإنسان في نهاية المطاف يتذكر أكثر اللحظات التي أدهشته لا أكثر اللحظات التي مرت عليه.


هذه الفكرة ذاتها تنطبق على كرة القدم. فهناك لاعبون يصعب الفصل بينهم وبين ما قدموه داخل الملعب كما تساءل الشاعر الإيرلندي وليم بتلر ييتس: «كيف نميز الراقص من الرقصة؟»، ويمكن التساؤل أيضاً كيف نفصل ماجد عبد الله عن سحبته الشهيرة؟ أو مايكل جاكسون عن خطواته الراقصة؟ لأن في لحظات الإبداع الاستثنائية يصبح المبدع والعمل وجهين لحقيقة واحدة.


وعندما أستعيد سحبة ماجد عام 1984 لا أتذكر الهدف وحده، بل أتذكر جيلاً كاملاً حاول تقليدها والممرات الضيقة والأرضيات الملساء والمحاولات المتكررة لاكتشاف سر تلك الحركة.


كنا نعتقد أن الأمر متعلق بالحذاء أو بطريقة الوقوف أو بزاوية الميلان، ثم نكتشف في كل مرة أن العبقرية لا يمكن استنساخها بسهولة.


نحن أبناء جيل ارتبط بماجد عبدالله بطريقة يصعب تفسيرها بالألقاب والبطولات وحدها وليس للانتماء الرياضي علاقة في ذلك بل كانت الموهبة نفسها فماجد حالة نادرة جمعت حولها مختلف الاتجاهات والانتماءات، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لجيل كامل.


ولأننا تعلمنا احترام الذاكرة، فقد احترمنا أيضاً ما كان يرويه من سبقونا عن أسطورة سعيد غراب واستمعنا إلى حكاياتهم عنه دون أن نطالبهم بإثباتات أو تسجيلات أو أرقام لأننا ندرك أن بعض الشخصيات الرياضية تتجاوز حدود الإحصاء لتعيش في وجدان الناس، وأن قيمتها الحقيقية تكمن في ما تركته من أثر لا في ما سجلته من أرقام. فالبطولات التي تلتقي فيها ثمانية أندية ليست كالتي تبلغ ثمانية عشر، والبطولات المتعددة بمختلف المسميات في العام كانت أيامنا لا تأتي كل عام.


وكما احترمنا أساطير الأجيال السابقة، فإن من حق كل جيل أن يحتفظ بأساطيره الخاصة وذكرياته الخاصة. فالأمر لا يتعلق بإثبات من كان الأفضل، بل بفهم أن لكل زمن رموزه التي شكلت وجدانه وأعطت لحظاته معناها.


لهذا لا تبدو العودة إلى تلك الذكريات نوعاً من الحنين، بل نوعاً من الامتنان. فالذكريات الجميلة ليست أطلالاً نتوقف عندها، بل مصابيح نهتدي بها كلما ازدادت الطرقات ظلمة.


ومع مرور السنوات ورحيل كثير من الأشخاص وتغير الأمكنة والملامح، يبقى ذلك الشعور الأول حاضراً فشعور الدهشة الذي صنعته لقطة رياضية أو حركة راقصة أو مباراة لا تنسى ولهذا كلما شاهدت سحبة ماجد عبدالله لا أتذكر لاعباً عظيماً فحسب ولا أسطورة حقيقية قائمة، بل أتذكر جيلاً كاملاً وأصدقاء مضوا، وأحلاماً صغيرة كبرت معنا، وأياماً كانت أبسط وأصدق.


وأدرك في كل مرة أن الأبطال قد يرحلون والمباريات قد تنتهي والأضواء قد تنطفئ، لكن ما يتركه الجمال في الذاكرة يبقى أطول عمراً من كل شيء.


وذلك ربما هو الانتصار الوحيد الذي لا يعرف الهزيمة.

21:20 | 27-10-2026

بنات بحرة في ملعب حارتنا!

هل تذكرون «حوش علوش»، المقالة التي وجدت أصداء واسعة الأسبوع الماضي؟ إليكم اليوم حكاية «بنات بحرة في ملعب حارتنا». فقد مررت بالأمس بجوار ملعب حارتنا القديم في بحرة، وقد شيد عليه مجمع مدارس للبنات، فوقفت أتأمل طويلا المنطقة المحيطة بصف «أولى ج» متوسط، تلك المنطقة التي كنت أفضلها من الملعب. أذكر أنني سجلت هدفا برأسي أمام فصل ثالث ثانوي بمحاذاة الطريق المؤدي إلى المختبر، وحين التفت إلى الوراء وجدت أكثر من ثلاثين عاما قد مرت من هنا. نعم، أصبت بالدهشة: كيف تحول ملعبنا إلى مجمع مدارس للبنات، تحيط بهن ذكرياتنا من كل مكان، ثم يلتففن حول مديرة المدرسة ويرددن: «هذا المبنى مسكون بالبهجة وبالأهداف والفرح»، فترد عليهن: «أوليه، أوليه، أوليه»، على طريقة أنشودة كأس العالم. إنه مشهد كلما استعدته أرى المكان في زمنين: فصل دراسي يقوم في منطقة الجزاء، وطريق إلى المختبر تمر فيه كرة القدم. فعلا، للبنات مدرستهن، ولنا طفولتنا، والأرض تتسع لحياة جديدة دون مقدرتها على إخلائنا من حياتها القديمة.


فيقودني هذا المشهد الدرامي العجائبي إلى رسالة أوسفالدو سوريانو إلى إدواردو غاليانو، يحكي فيها كيف دخل مع خوسيه سانفيليبو متجر «كارفور» المقام على أرض ملعب سان لورنثو القديم. وحين اقتربا من الكاشير، فتح بطل طفولته ذراعيه ليشير إلى الموضع الذي سجل فيه هدفه، ومرت أمامه سيدة سمينة تجر عربة مشترياتها، وهما محاطان بالجبن والسجق. كان اللاعب يعيد رسم الملعب بين الرفوف، ويسترد بحركة من جسده مرمى اختفى منذ سنوات. تخيل أن تقف أمام سيدة تختار مشترياتها، وتقول لها: أنتِ تعبرين الآن منطقة الجزاء. ذلك ما يستطيع الأدب أن يفعله؛ يعيد إلينا ملعبا تحت متجر، ويترك هدفا معلقا بين فصل ثالث ثانوي والطريق المؤدي إلى المختبر. يلتقط ما تعجز نتيجة المباراة عن الاحتفاظ به، ويمنح الذين مروا بالمكان فرصة أخرى للحضور.


كنت أظن أن غربة الملاعب تبدأ حين تهدم، ثم صرت أخشى غربة تحدث والملعب في مكانه، حين يبقى العشب وتضيع الحكاية. أتخيل سانفيليبو اليوم يفتح ذراعيه أمام الكاشير، فيلتقط أحدهم حركته ويضع عليها تعليقا ساخرا، ثم يمضي المقطع بين الهواتف، ويضحك الناس ولا يعرفون لماذا وقف الرجل هناك. هذه المقدمة الطرية النقية تقودني اليوم إلى قسوة محتملة في سؤال يؤرقني: فمن أفقد الإعلام الرياضي أساطيره وعباقرته ومدارسه؟ ومن نمطه بهذا الأسلوب الكرتوني والنقد البلاستيكي؟ ومن أصبح يلتقط الحكايات الكبيرة ليصنع منها أفيهات على شاشة بمقاس 9:16 تناسب تيك توك وسناب شات؟ ترى، من يملك الحق في إهدار هذا الإرث وترك فتافيت السكر لمشاريع بحجم النمل، فيما الحقول كلها تنتظر من يعرف كيف يحصدها؟


لست في خصومة مع التلفزيون الرياضي، ولا تستهويني برامج التوك شو التي أرى في كثير منها ضجيجا بلا عجين، وحتى الضجيج يحتاج إلى صنعة. أنتظر بناء يقود الحلقة، وسؤالا يفتح بابا، وشهادة تضيف إلى معرفتي، ثم ينتهي المساء عند كلمة أفلتت من ضيف، أو محاولة استظراف من مذيع. يبدأ القص واللصق، وتولد معركة صغيرة تعيش حتى تأتي المعركة التالية، وحين تتبع أرقام المشاهدات تجدها في إطار الـ100 ألف مشاهدة، وهو الرقم الذي يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأعلى مشاهدة في وطن لا يقل عشاق كرة القدم فيه عن 20 مليون عاشق ومحب ومعجب. وفي تقديري أن استثمار هذا الثراء ما زال أقل كثيرا مما تسمح به الإمكانات؛ فالتلفزيون الرياضي تكفيني منه المباريات وكتم الصوت بين الشوطين، بينما يجلس فوق عقود من الأرشيف: أصوات ووجوه ومباريات ومدن تغيرت، وأجيال رحلت وتركت حياتها على الأشرطة. وأخشى أن يحسبوا قيمة ما يملكون بالدقائق المسجلة، بينما تكمن ثروتهم في السنوات التي عاشها الناس داخل تلك الدقائق.


لا أخفيكم أنني حاولت أن أبحث للقائمين على التلفزيون الرياضي عن طريقة يستفيدون بها من وجود مراكز تلفزيون ومكاتب في كل منطقة، وأن بإمكانهم فتح عمل مباشر خاص بهم لتغطية رياضة كل منطقة؛ لأنهم يملكون ما لا يملكه غيرهم من موظفين على بند الخدمة، ومن عربات وإمكانات. كما حاولت إقناعهم بالاستفادة من كنز الأرشيف عبر تطوير قناة مدفوعة داخل تطبيق، يقدمون من خلالها مادة تدفع المشاهد إلى البحث عنها وتحميل التطبيق والاشتراك في محتواها المدفوع. هكذا يكون الاستثمار الحقيقي: أن تقدم للمشاهد شيئا يبحث عنه ويعود إليه ويدفع مقابله. إتاحة الأرشيف للناس خدمة تستحق التقدير، وإعادة بثه بداية لما يمكن أن نصنعه به. والسؤال: أين البحث الذي يحوله إلى وثائقي، والكتابة التي تبني منه سلسلة، والإنتاج الذي يجمع الشاهد بالصورة، ثم يذهب بالعمل إلى سوق العرض والترخيص وفق ما يملكه من حقوق؟ يستطيع المشاهد أن يجد الهدف مجانا، ويدفع لمشاهدة فيلم يكشف الحياة التي أحاطت به؛ لأن المال هنا مقابل المعرفة والصنعة وتجربة المشاهدة. هناك فرق بين أن تعيد عرض مباراة قديمة، وأن تعيد إلى جيل كامل مساء من عمره.


وما تفعله نتفليكس وأمازون وأبل تي في يقدم لمحة عما يمكن أن نصنعه بهذا الثراء. من دراما «اللعبة الإنجليزية» إلى وثائقيات «كل شيء أو لا شيء» و«الحرب على كرة القدم»، تتحول الرياضة إلى حكايات عن الناس والطبقات والمال والسلطة، ويصبح للموسم عمر آخر بعد نهايته، وللمباراة جمهور يتجاوز الذين شاهدوها مباشرة. هنا تجد الكتابة والصحافة والسينما مكانها في اقتصاد الرياضة، وهنا يصبح الأرشيف مادة لإنتاج جديد يستحق المشاهدة والدفع مقابله. هكذا تجاور الرواية الرياضية الصحافة والسينما، ويجد الأدب طريقه إلى الشاشة. الكاتب يبني الشخصية، والصحفي يتحقق من شهادتها، والمخرج يبحث عن الصورة التي تكشفها. ولكل شكل مسؤوليته؛ الوثائقي مطالب بالأدلة ومواجهة الروايات، والدراما تملك حرية التخييل مع وضوح طبيعتها للمشاهد. وقيمة العمل في عمق البحث، واستقلال السؤال، وقدرته على اكتشاف ما وراء الصورة المرغوبة.


أما عندنا، فالحكايات تنتظر عند الأبواب: لاعب عاد من إصابة ظن أنها ستنهيه، وناد صغير يقاوم الاختفاء، ومشجع ورث مكانه في المدرج عن أبيه، وصحفي احتفظ في أدراجه بوثائق مرحلة كاملة، ومعلق صار صوته جزءا من طفولة بلد. من يذهب إليهم قبل أن يغادروا؟ ومن يجمع رسائلهم وصورهم وشهاداتهم؟ ومن يحول هذا الأرشيف إلى أعمال نستطيع أن نتركها لمن يأتي بعدنا؟ لقد دخل الدوري السعودي بالفعل مكتبة نتفليكس عبر «الدوري السعودي: ضربة البداية»، الذي تناول موسم 2023–2024، وهذه خطوة تجعل السؤال عن استكمال الطريق أكثر إلحاحا؛ فأمامنا تاريخ وذاكرة تتسع لأندية ومدن وأجيال ومدارس إعلامية تستحق أن تروى.


ويمتلك التلفزيون الرياضي حقوق نقل المباريات، وأمامه فرصة لبناء إنتاج حول ما يحيط بها من احتفالات وأحداث، ومع ذلك أراه يعود إلى الاستوديو سريعا، وكأن ما يحدث بعد الصافرة استراحة بين فقرتين، بينما قد تبدأ الحكاية الأجمل في غرفة الملابس، أو في رحلة الحافلة، أو بين أغاني الأندية ومدرجاتها وأجواء يوم المباراة. ويستطيع التلفزيون الرياضي أن يصنع حول المباراة موعدا اجتماعيا، كما فعل مع المنطقة التاريخية في جدة. غادر التلفزيون الرياضي، وبقيت جدة كما هي عامرة بالناس وبالحكايات وبالمشاهد التي كان يمكن أن تتحول إلى مادة تلفزيونية. وهذا ينطبق على كل مناطق المملكة وأحيائها؛ فكل مدينة تملك ملامحها، وكل ناد يملك جمهوره، وكل مباراة يمكن أن تبدأ قبل صافرة الحكم بوقت طويل، وأن تستمر بعد نهايتها.


أنتظر من التلفزيون الرياضي وسائر المنتجين أن يمنحوا هذه المساحة ما تستحق من كتابة وبحث وإنتاج، وأن يجعلوا المورد المالي هو «التارجت» الذي يقاس به النجاح. حقوق نقل المباراة تتيح عرض الحدث، أما رواية العالم المحيط به فتحتاج إلى خيال يعرف أين يبحث، وعمل يحقق عائدا يمول الحكاية التالية. وإن أعوزتهم القدرة، فليستعينوا بمن يعرف كيف يحول المادة المشاهدة إلى قيمة اقتصادية، وكيف يبني استثمارا يعيد عوائده إلى تطوير المنتج حتى يبلغ مرحلة الأرباح. الخبرة التي تنقص المؤسسة يمكن أن تدخل من بابها متى وجدت إدارة تعرف حاجتها، وتفسح لأصحاب الأفكار مكانا للعمل.


لقد أنهكت العقليات التقليدية التلفزيون الرياضي حتى صار يدور حول نفسه، يعيد الصيغ ذاتها وينتظر نتائج مختلفة. والأشد إنهاكا أن تشعر، حين تنتقد هذا الجمود، أنك أصبحت خصما لأصحابه، وأن دعوتك إلى التطوير تمس مكانتهم الشخصية. كيف سيجد الجديد طريقه إلى الشاشة إذا كان السؤال عند بابها يؤخذ على أنه إساءة، وكان صاحب الفكرة مطالبا بإثبات حسن نيته قبل أن تتاح له فرصة شرحها؟ قد تحمل دقيقة واحدة صحافة رفيعة، وقد تمضي ساعتان دون فكرة. يقلقني أن نختار من الحكاية ما يصلح للاشتعال فقط، وأن يصبح المقطع غاية العمل كله، بينما يبقى الإنسان الذي منحنا مادته خارج الصورة.


أنا هنا أعبر عن رأي نقدي في استثمار المنتج الرياضي، وعن قلق على إرث إعلامي يستحق حياة أطول من دورة التداول. أريد أن أرى أموال الرياضة تفتح أبوابا للكتاب والباحثين والمخرجين، وأن يصبح لدينا من الأعمال ما يجعل أبناءنا يعرفون كيف عشنا اللعبة وكيف عاشت فينا. غدا تدخل البنات فصولهن في بحرة، وتكتب للأرض حياة أخرى. لكن من يكتب الحياة التي سبقت المدرسة؟ ومن يعيد إلى سانفيليبو ملعبه، ولو لساعة على الشاشة؟ هنا أنتظر الإعلام الرياضي، عند الحكاية التي يستطيع أن ينقذها من النسيان، ويمنحها كاتبا وصورة وصوتا، حتى إذا قال أحدهم: «هذا المبنى مسكون بالبهجة وبالأهداف والفرح»، عرف المشاهد من مروا به، ولماذا ما زلنا نسمعهم: «أوليه، أوليه، أوليه».

18:48 | 17-10-2026

إنفانتينو.. ظالم أم مظلوم؟

في زيورخ، حيث اعتادت كرة القدم أن توزع الحلوى والفرح والبهجة والقرارات على العالم، تستعد المدينة السويسرية الخميس 15 أكتوبر لاستقبال موقعة لا تشبه مباريات اللعبة، فلا مدرجات تصرخ، ولا صافرة حكم تعلن البداية، ولا كرة تتدحرج بين الأقدام. هناك، خلف الأبواب المغلقة، ستتدحرج مليارات الدولارات فوق طاولة مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، ويجلس جياني إنفانتينو في مواجهة أسئلة ربما لم يتوقع أن تأتيه من رفاق الأمس.


إنها موقعة المال والسلطة، أو محاكمة سياسية بلا قاض، ومحاسبة مؤسسية لم تتحدد نتائجها، ومحاصرة لرئيس اعتاد أن يكون في مقدمة الصورة، فإذا بالصورة تضيق حوله. وبين الاتهام والدفاع يطل السؤال: هل إنفانتينو ظالم أم مظلوم؟


بدأت الحكاية في 28 يوليو الماضي، حين خرج مشروع فيفا فوروارد إنتربرايز (FFE) من مكاتب الاتحاد الدولي، حاملا فكرة الاستعانة بمستثمرين مقابل حصص في المصالح التجارية لبعض بطولات فيفا. قيل إن المشروع يفتح خزائن جديدة لتنمية كرة القدم، لكن الذين اعترضوا رأوا في تلك الخزائن أبوابا قد تفضي إلى بيع شيء من مستقبل اللعبة.


لم يعش المشروع طويلا. أربعة أيام كانت كافية لطي أوراقه، لكنها لم تكن كافية لإطفاء الحريق. فالخلاف لم يعد حول مشروع سحب من التداول، وإنما حول اليد التي كتبته، والعقول التي أجازته، والمجلس الذي يفترض أن يعلم قبل أن يعلم الآخرون.


في 18 سبتمبر، بعث ألكسندر تشيفيرين، رئيس الاتحاد الأوروبي، وفيكتور مونتالياني، رئيس الكونكاكاف، رسالة تطالب بمراجعة مستقلة لاحتياطيات فيفا، وتوزيع عشرة ملايين دولار إضافية على كل اتحاد من الاتحادات الوطنية البالغ عددها 211 اتحادا، أي ما مجموعه ملياران ومئة وعشرة ملايين دولار.


إنها أموال هائلة، لكنها في حسابات المطالبين ليست سوى جزء من احتياطيات يتوقعون أن تبلغ نحو ستة مليارات دولار بنهاية العام. وهم يقولون إن كرة القدم تستطيع أن تنفق على أبنائها دون أن تبيع شيئا من حقوقها للمستثمرين.


أما إنفانتينو، فلا يغلق باب التمويل، لكنه يطالب بحسابات مدققة وضمانات مالية وموافقات مؤسسية قبل الالتزام بالتوزيع. وهنا تصبح المسألة أعقد من خلاف بين رجل يريد الإنفاق وآخر يريد الادخار؛ إنها معركة بين رؤيتين لإدارة ثروة صنعتها اللعبة وجماهيرها.


وقبل موقعة الخميس، جاءت رسالة أخرى من تشيفيرين ومونتالياني، كشفت عنها الصحافة المتخصصة في 12 أكتوبر، لتعيد الحسابات إلى الطاولة وتطالب بإجابات حول مشروع (FFE). وكأن سحب المشروع لم يعد كافيا، فالمطلوب هذه المرة معرفة كيف ولد، ومن وقف خلفه، ولماذا وصل إلى تلك المرحلة قبل أن يختفي.


ثم دخلت النرويج على الخط، لا برسالة احتجاج عابرة، بل بطلبات فحص أمام لجنتي الأخلاقيات والحوكمة والتدقيق والامتثال في فيفا. وشملت الملفات المشروع الاستثماري ومسائل أخرى أثارت الجدل.


وهنا ينبغي ألا نخلط بين الشكوى والإدانة. فالاتهام ليس حكما، والاشتباه ليس جريمة مثبتة، ومجلس فيفا ليس محكمة جنائية. لكن مجرد انتقال الخلاف من المراسلات إلى الأجهزة الرقابية يكشف حجم الشرخ الذي أصاب جدران المؤسسة.


وفي المشهد الآسيوي، يحضر الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي، ضمن النقاشات المتعلقة بالتمويل والاحتياطيات. وهو حضور يمنح القضية امتدادا يتجاوز أوروبا والكونكاكاف، دون أن يعني بالضرورة قيام تحالف انتخابي موحد ضد إنفانتينو.


أما في برلين، فقد تجاوز الحديث حدود الأموال إلى أفكار لإعادة توزيع الصلاحيات داخل فيفا، والفصل بين القيادة السياسية والإدارة التنفيذية، وتعزيز استقلال الرقابة والأخلاقيات. وكأن المعترضين لا يريدون مراجعة دفتر الحسابات وحده، بل إعادة كتابة قواعد إدارة البيت كله.


ولأن كرة القدم لا تنسى صناديق الاقتراع، فإن انتخابات 2027 تقف في خلفية المشهد، حتى وإن أعلن تشيفيرين ومونتالياني اهتمامهما بمواصلة قيادة اتحاديهما. فالخلاف على الحوكمة شيء، والمنافسة على الرئاسة شيء آخر، وإن التقت المصالح أحيانا عند مفترق الطريق.


ويبقى السؤال: ماذا ينتظر إنفانتينو يوم الخميس؟


قد يناقش المجلس زيادة التمويل، وقد يطلب مراجعة مستقلة، وقد يحيل ملفات إلى جهاتها المختصة. لكن شيئا من ذلك لم يصبح قرارا بعد، ولن تكون العبرة بما يقال خلف الأبواب، بل بما يخرج منها إلى الاتحادات التي تنتظر الحقيقة قبل الأموال.


لقد توسعت مسابقات فيفا في عهد إنفانتينو، وتعاظمت إيراداتها وطموحاتها، وهذه حقائق لا يصح محوها بسبب خلاف سياسي أو إداري. لكن النجاح الاقتصادي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، مثلما لا تمنح المعارضة أصحابها صك البراءة من الحسابات والأغراض والمصالح.


في النهاية، ليست المليارات ملكا لإنفانتينو ولا لتشيفيرين ولا لمونتالياني. إنها أموال كرة القدم، تلك اللعبة التي بدأت بأقدام حافية وانتهت إلى خزائن لا يعرف أصحاب الأحلام الصغيرة كيف اتسعت لكل هذه الأصفار.


ولعل المفارقة أن مشروعا أراد جلب أموال جديدة انتهى بفتح معركة على الأموال الموجودة، ثم تحول إلى سؤال أكبر من الجميع: من يملك القرار؟


أما إنفانتينو، أهو ظالم أم مظلوم؟ فلا تكفي الرسائل للإجابة، ولا تكفي الابتسامات أمام الكاميرات لنفي الشبهات.


في زيورخ قد لا يصدر حكم، لكن الخميس سيكشف من يطالب بالحساب، ومن يملك الإجابة، ومن يستطيع أن ينظر إلى كرة القدم دون أن يرى في خزائنها صورته وحده، وكيف تقفز المنظمة الدولية فوق كل خلافاتها.

00:11 | 14-10-2026

«حوش علوش»

كان ملعبنا الترابي الكبير الواسع في حضنه يزهو بنا كل نهار، والطين كالحناء تزهو به أقدامنا. نركض حتى مغيب الشمس، يتناثر الغبار من خلفنا بما يشبه أعاصير مدارية فيتوارى خلف جبال «الملص» كأن شيئا لم يكن، ونعود من ملعبنا وفي دواخلنا ما لم ينته بانتهاء النهار.


حوش علوش تعني أرضا صغيرة مسورة ببعض الطوب الذي لا يتجاوز ارتفاعه مترا واحدا، وهي أرض لرجل يدعى علوش، وقد مررت بها مؤخرا فوجدتها تشبه ملعب كرة الصالات من حيث المساحة، فقلت يا إلهي كيف كانت تتسع لكل أبناء الحي. والملص سلسلة جبلية جنوب «وادي فاطمة»، أعرف أن جغرافيا المكان ليست لديكم بذات الأهمية، لكنني أوردتها على طريقة «معجزة كاستل دي سانغرو» للكاتب الأمريكي جو ماكغينيس الذي وصفه توم بوغرت في افتتاحية مراجعة الكتاب:


«نادٍ إيطالي مغمور لم تسمع به قط من منطقة مغمورة لم تسمع بها قط بلاعبين مغمورين لم تسمع بهم قط».


ربما الكرة كانت تمنح طفولتنا مساحة أكبر من الحوش وتأخذنا من بحرة قريتي الصغيرة إلى عالم لم نكن نعرف أسماء مدنه، لكننا نعرف كيف نلعب معه، وقد قيل: «وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى عالم أكبر».


بعد سنوات وجدت شيئا من طفولتنا في إهداء إدواردو غاليانو كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» إلى أطفال التقاهم في «كالييا دي لا كوستا»، كانوا عائدين من اللعب يغنون بما معناه:


«فزنا أو خسرنا استمتعنا على أي حال».


لم يكونوا أطفال قريته ولم نكن نعرفهم، لكنني شعرت أن الطريق الذي عادوا منه يمر من قريتنا ومن «حوش علوش».


بين طين بحرة وغناء أولئك الفتية الساكنين في قلب غاليانو بدأت أفهم كيف أصبحت كرة القدم تمثل إرثا إنسانيا بحتا يمنح كل مكان حكايته، وكيف استطاعت جمع تلك الحكايات في ذاكرة واحدة تنبض بالحياة يستطيع الفرد من خلالها أن يجد شيئا منها.


ولهذا تجدني في كل مرة أعتبر «كرة القدم» واحدة من أجمل وأرقى وأهم الفنون والآداب الإنسانية، فهي التي ولدت على الورق في القرن التاسع عشر ثم أعاد الناس إنجابها في الحارات والساحات حتى صارت فنا شعبيا يكتب بالجسد ويروى بالصوت ويحفظ في القلوب.


وحين أدافع عنها اليوم أعود إلى ذلك الطين الذي لم نكن نخجل منه وإلى غناء الأطفال الذين لم يجعلوا الخسارة سببا لإلغاء الفرح، ثم أنظر إلى إنفانتينو وتشيفرين وإلى المؤسسات التي تتوسع في بطولاتها وإلى الشاشات التي تتكاثر حول كل حركة وأسأل: من منح هؤلاء حق التصرف في المعنى الذي صنعناه نحن في نبض لعبتنا؟


ما يخيفني أن تكبر صناعة كرة القدم حتى تضيق بالإنسان الذي أحبها، وأن يأتي يوم يحتاج فيه أطفال «حوش علوش» وأطفال غاليانو إلى إذن مسبق من «وول ستريت» وانتظار مؤشر أسهمه كي يواصلوا الغناء.. يا رباه، المباراة تستطيع أن تنتج فرحين حتى ولو أنتجت فائزا واحدا.


هنا لا أريد اختراع ماض نقي لهذه اللعبة، فقد حملت العنصرية والعنف والاستبعاد والاستعباد وعرفت المال والنفوذ قبل «إنفانتينو» أو «تشيفرين» بزمن طويل، لكن قدرتها على إفساح مكان للناس هي ما منحها عظمتها وما يجعل إخضاعها المتزايد لحسابات الإنتاج خسارة تتجاوز الرياضة.


إن اللعب يسبق الثقافة ويسهم في تكوينها كما يرى يوهان هويزينغا في كتابه «اللاعب الإنسان» الذي وصف فضاءات اللعب بأنها «عوالم مؤقتة داخل العالم المعتاد». ومن هذه النافذة أرى أن ما ندافع عنه في كرة القدم أوسع من تسعين دقيقة، فنحن ندافع عن مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يفعل شيئا لأنه يحبه، ندافع عن الروح، عن البهجة، عن أشياء ليست مادية يمكن إثباتها في المعمل لكنها موجودة.


والمتتبع لكتاباتي يجدني دوما أفكر في كرة القدم بوصفها أحد الفنون الشعبية الكبرى التي كتبها الإنسان بجسده، ففي المراوغة اقتراح جمالي، وفي التمريرة جملة تنتظر من يكملها، وفي المدرج احتفال جماعي يجمع الغرباء حول أغنية واحدة وذاكرة تختزل صورة جماعية بالألوان، أما الهدف فهو حدث يستطيع أن يستوطن لسنوات في قلب إنسان ويصبح جزءا من عمره بغض النظر عن لوحة النتائج.


أفكر في اللعبة من خلال قدرتها على ابتكار المعنى داخل حدود مشتركة، مثلما يعرف قارئ القصيدة لغتها ثم يفاجئه ما يفعله الشاعر بها، ولعل هذا يفسر لماذا يحتفظ الناس بمراوغة لم تنته بهدف، ولماذا يختلف تاريخ اللعبة الذي نحمله في وجداننا عن سجل البطولات الذي تحفظه المؤسسات.


إن بساطتها إحدى أدوات عدالتها حين تستطيع أن تعيد صنعها بوسائل قليلة وأن تنقلها إلى شارع آخر وبلد آخر وطفولة أخرى، وهذه قابلية نادرة في الفنون الجماعية: أن يشاهد الطفل أعظم اللاعبين ثم يخرج ليحاول فعل الشيء نفسه.


ولأن هذا الفن يعيش داخل قواعد تمنحه مساحته، فإن الدفاع عن لحظاته الجميلة يقودنا إلى الدفاع عن القوانين التي تتيح حدوثها. ما يفعله الطفل بالكرة وما يفعله نجمه أمام العالم ينتميان إلى لعبة واحدة، وأي تغيير في قواعدها يمس تلك الصلة بينهما.


والمجلس الدولي لكرة القدم يعترف بهذه القيمة في فلسفة قوانينه حين يؤكد أهمية وحدة القانون بين كأس العالم ومباراة أطفال في قرية نائية، ويجعل قدرة الصغار على تقليد ما يشاهدونه سببا لحماية عالمية اللعبة.


وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش حول التقنية من هذا الوعد بالذات، فأنا مع إنصاف هدف صحيح ومع حماية لاعب من ظلم يستطيع التصوير كشفه، لكن بين تصحيح الخطأ وإعادة تعريف التجربة مسافة تستحق التوقف عندها. لقد صار المشجع أحيانا يحتفل ثم يراجع حقه في الاحتفال وكأن الفرح دفعة مؤقتة يجوز استردادها.


وإذا كانت التقنية تغير علاقتنا بلحظة الفرح، فإن الروزنامة تغير علاقتنا بانتظارها. حين ارتفع عدد منتخبات كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبا وعدد مبارياتها إلى 104، بعد 32 منتخبا و64 مباراة في النسخة السابقة، وحين أقيمت كأس العالم للأندية 2025 بمشاركة 32 فريقا وبجوائز بلغت، بحسب فيفا، مليار دولار، أصبحت هذه الأرقام جزءا من حياة لاعب يركض أكثر ومشجع يتابع أكثر ومدينة تستقبل مباريات أكثر ووقت يتوزع على جدول يزداد ازدحاما.


ولإنفانتينو حجة ينبغي مناقشتها بإنصاف، فالتوسع قد يفتح المسرح العالمي أمام فرق وجماهير ظلت طويلا خارج الدائرة الأوروبية الضيقة، وقد يتيح موارد وفرصا جديدة. كما استند إلى إتاحة مشاهدة بطولة الأندية مجانا حول العالم، وفي ذلك مكاسب لا يجوز محوها لمجرد الاختلاف معه.


لكن السؤال: أي توسع نريد ومن يضع حدوده ومن يضمن ألا تتحول زيادة المشاركة إلى زيادة في الاستهلاك وحده؟ هل تتسع المنافسة فعلا أم تتسع واجهة العرض؟ وهل يصل العائد إلى بناء ملاعب وفرص مستقرة خارج النخبة أم تصبح المشاركة العالمية موعدا لزيارة مركز اقتصادي يزداد قوة؟


وفي أوروبا يقود ألكسندر تشيفرين مؤسسة قدمت توسيع دوري الأبطال باعتباره طريقا إلى مزيد من الفرص والتنافس. منذ موسم 2024–2025 أصبح دور الدوري يضم 36 فريقا ويلعب كل فريق ثماني مباريات بدلا من ست في دور المجموعات السابق، مع ملحق إقصائي لبعض الفرق قبل ثمن النهائي. وكل مباراة تضاف إلى هذا الجدول تحتاج مكانا في جسد اللاعب ووقتا في حياة المشجع.


نحن نعرف أن مصالح فيفا ويويفا تختلف وتتزاحم بطولاتهما، لكن اللاعب الذي يركض في المسابقتين يحمل جسدا واحدا والمشجع الذي يشاهدهما يعيش يوما واحدا من أربع وعشرين ساعة. وحين توسع كل مؤسسة بطولاتها كما لو أن الوقت والجسد قابلان للتمدد بلا نهاية تظهر الفاتورة في مكان آخر، في لاعب لا يجد وقتا كافيا للتعافي وفي مشجع تتزاحم أمامه المباريات حتى تفقد المناسبة الكبرى ندرتها.


وفي المقابل نكتشف مفارقة مؤلمة، نطور أدوات أدق لرؤية جسد اللاعب أثناء المباراة ثم نترك راحته بين المباريات خاضعة للتنازع على الوقت. تؤكد ذلك اعتراضات نقابات اللاعبين، وقد اتخذ بعضها إجراءات قانونية ضد قرارات فيفا المتعلقة بالروزنامة، لكن الاعتراض الذي لا ينتج حدودا ملزمة يبقى أضعف من ماكينة تستطيع إصدار موعد جديد ثم تدعو الجميع إلى التكيف معه.


لقد قلت لهم في أكثر من لقاء إن الإفراط في العرض يأكل الرغبة التي يعيش عليها المشجع العاشق، فالانتظار جزء من قيمة المباراة وندرة اللقاء تمنح اللقاء وزنه، وحين تمتلئ الأيام بالمناسبات الكبرى تصبح كلمة «الكبرى» نفسها بحاجة إلى تفسير. قد تنمو الإيرادات فترة بينما يتآكل الاستعداد العاطفي الذي أنتجها، وتتحول اللعبة من موعد ننتظره إلى محتوى متاح بلا توقف، وعندها يصبح السؤال عن مقدار الرغبة التي تبقى لنا في مشاهدتها.


إننا كإعلاميين ربما سنكون شركاء بالصمت المطبق الذي يحاصرنا. والصحافة الرياضية التي يساعدنا «جياني ميرلو» من موقعه فيها على رواية اللعبة للناس، عليها أن تسأل أيضا عما تصنعه هذه التحولات بحياة من يلعبون ومن يشاهدون. ما قيمة أن نحسن رواية اللعبة إذا فقدنا القدرة على مساءلة من يقررون مستقبلها؟


كرة القدم بحاجة إلى حدود يشارك في وضعها من يحملون كلفتها، وإلى ضمانات ترافق نموها، من حق ملزم للاعب في الراحة وتمثيل مؤثر للجمهور وتقييم معلن لأثر التغييرات التقنية على تجربة اللعب وحساب للتضامن يقيس ما بني فعلا خارج النخبة قبل الاحتفال بما وزع من أموال.


وأي توسع كبير وكل تغيير جوهري في القانون يجب أن نتعامل معه كقرار يمس إرثا ثقافيا حيا، فيسأل أصحابه: ماذا يضيف إلى اللعبة وماذا يأخذ منها ومن دفع الثمن ومن شارك في الموافقة؟ فالقدرة على تنظيم بطولة لا تكفي وحدها لمنح سلطة تغيير المعنى الذي يراه الناس فيها.


إن كرة القدم ميراث صنعه أناس كثيرون لم يتركوا أسماءهم على أوراق تأسيسها، وأصحاب المناصب مؤتمنون عليها خلال مدة خدمتهم، وحين تنتهي ولاياتهم سيبقى الطفل محتاجا إلى مساحة يلعب فيها والجمهور محتاجا إلى سبب يذهب من أجله إلى الملعب.


ربما لم يعرف أطفال غاليانو في «كالييا دي لا كوستا» ولا رفقاء دربي في «حوش علوش» شيئا عن نمو الإيرادات ولا تقنية المعلومات، لكنهم عرفوا كيف يعود الجميع من المباراة بشيء يستحق الغناء.


فأنا هنا أضع أمام إنفانتينو وتشيفرين وفريقيهما وأمام حراس القانون والإعلاميين، ومن بينهم «جياني ميرلو»، سؤالا صعبا أرهقتني إجابته: ماذا سيبقى لأطفال الغد بعد أن ننتهي من بيع كل ما نستطيع بيعه؟


أخبركم أحبتي، يصف الناس باريس ببرج إيفل ولندن بساعة بيغ بن وروما بالكولوسيوم ويستدلون على المدن بمعالمها، أما نحن أهل كرة القدم فلنا جغرافيا أخرى. نعرف العالم بأمسية باولو روسي وليلة بيليه ويد مارادونا، نؤرخ المدن بما حدث فيها ونحفظ أسماءها لأن كرة مرت منها وتركت فينا ما بقي أطول من المباراة.


ولها معالم لا يستطيع سائح أن يقف أمامها ليلتقط صورة لكنها قائمة في ذاكرة الملايين، هدف لم يصدقه أحد ومراوغة أخرجت مدرجا كاملا من مقاعده وحارس انحنى يجمع الكرة من شباكه، فيما انحنت مدينة بأكملها معه. حتى «يد مارادونا» بما تحمله من مخالفة وجدل بقيت معلما في هذه الذاكرة، فاللعبة تحفظ جمال الإنسان وتناقضاته معا.


هذا بعض ما أعنيه حين أقول إن كرة القدم إرث إنساني. لقد أضافت إلى المدن ذاكرة وإلى الناس صلة وصنعت معالم من لحظات عابرة ثم عهدت بحراستها إلى القلوب، وحين يتقرر مستقبلها في غرف الاستثمار ينبغي أن يكون لهذه الذاكرة مقعد أيضا.


أعود إلى «حوش علوش» فأجد أن ما بقي منه في داخلي أوسع من الأرض التي مررت بها مؤخرا، وأن غناء أطفال غاليانو ما زال يتسع لفائز وخاسر يعودان معا. فمن يملك ولاية ذكرياتنا ومعايشة حياتنا وقرار مستقبلنا إلا كرة القدم؟

01:25 | 10-10-2026

بناء الإنسان في رياضة اليمن

حين زرت اليمن مشاركاً في كأس الخليج يوماً ما كنت على متن رحلة جمعتني بالفنان القدير عبدالرب إدريس، وقتها قالت لي المضيفة «نفسي أسمع أغنية ليلة لو باقي ليلة»، كنا على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم في الطريق إلى عدن قادمين من جدة.


ثلاثون ألف قدم في أي رحلة أظن أنها منطقة تستدعي مشاعر الإنسان وأحاسيسه غير تلك التي يعرفها على الأرض.. فيها تستقر الطائرة وتكون الأجواء والأذهان أكثر صفاء ونقاء، فقلت لها أي للمضيفة «هو الملحن لكن أنا الذي يغني».


فقالت: غن


قلت:


«يا كادي يا للي تحل أم شوك


لا هب ريح أم شمال دن


بابور من قبل أم شروق مشوك


صوخ ورسى بنا لندن»


وقد قلت قبلها موالاً تهامياً حزيناً «أدلي بحجة ومتداني من يوم حليت في لندن».


كان هذا الحوار في تلك المنطقة الآمنة وهي الثلاثون ألف قدم.


وقتها لم أكن أعبر إلى بطولة كروية فحسب بل إلى بلد كان يفتح نوافذه للفرح ويستقبل أشقاءه بقلب يعرف كيف يحتفي بالحياة حتى حين تثقل الحياة خطاه.


التقيت يومها بالرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح وكان الحديث عن أكبر احتفال رياضي خليجي تستضيفه اليمن ضمن مشروع كبير أراد للرياضة أن تكون أكثر من مباراة، وللبطولة أن تصبح جسراً يعبر عليه اليمن نحو محيطه الخليجي وتطل منه جماهيره على أيام أكثر بهجة.


لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن حديث السياسة ولا ضجيج الملاعب وحده. بقي الإنسان اليمني الذي وجدته شغوفاً بالفن والرياضة، وشغوفاً قبل ذلك بالحياة والجمال. رأيت جمهوراً لم يكن يبحث عن نتيجة مباراة بقدر ما كان يبحث عن مساحة يفرح فيها ويقول للعالم إن في هذا البلد قلباً لا يزال قادراً على النبض.


ومنذ تلك الزيارة أدركت أن اليمن لا تنقصه الموهبة ولا الشغف ولا الحكايات التي تستحق أن تروى. ما يحتاج إليه هو أن يجد هذا الشغف مؤسسات تحتضنه وكفاءات تقوده ومساحات آمنة تمنحه فرصة أن يتحول من طاقة كامنة إلى أثر في المجتمع.


فالرياضة لا تبدأ من المدرجات ولا من المستطيل الأخضر ولا من أضواء الملاعب. إنها تبدأ من الإنسان الذي يخطط ويدير ويدرب ويصنع المبادرة ويحفظ للمؤسسة ذاكرتها وللشباب حقهم في الحلم.


من هنا تتجاوز أهمية برنامج بناء القدرات المؤسسية لمنسوبي وزارة الشباب والرياضة اليمنية الذي أطلقه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن حدود الدورات التدريبية وأعداد المستفيدين فهو مشروع تعاون بين وزارة الرياضة السعودية ووزارة الشباب والرياضة اليمنية، ويقوم على فكرة جوهرية تقول إن أفضل ما يمكن أن يقدم لليمن هو أن يمتلك أبناؤه الأدوات التي تمكنهم من صناعة مستقبلهم بأيديهم.


وليس الدور الذي تقوم به السعودية في اليمن موقفاً تحكمه الجغرافيا وحدها ولا التزاماً تمليه علاقات السياسة والمصالح. إنه دور إنساني نابع من إدراك عميق بأن اليمن ليس بلداً بعيداً عن الوجدان السعودي وأن آلام أبنائه لا يمكن أن تبقى خلف الحدود.


لقد حضرت السعودية حيث يكون الإنسان في حاجة إلى الحياة. حضرت في الغذاء والدواء والتعليم والصحة والمياه والطرق، ثم امتد حضورها إلى بناء المؤسسات وتأهيل الكفاءات. وهي بذلك لا تكتفي بمداواة آثار الأزمة بل تعمل على إعادة الإنسان اليمني إلى موقعه الطبيعي شريكاً في البناء وقادراً على إدارة واقعه وصناعة مستقبله.


وتكمن قيمة هذا الدور في أنه لا ينظر إلى اليمني بوصفه متلقياً للمساعدة بل إنساناً يمتلك القدرة والكرامة والطموح ويحتاج إلى الفرصة التي تطلق إمكاناته. السعودية تصنع مستقبلاً يمنياً، وبناء الإنسان هو أرفع مراتب العمل الإنساني؛ لأنه يصون كرامته ويمنحه القدرة على مواصلة الطريق دون أن يبقى أسيراً للحاجة.


ولهذا يأتي برنامج بناء القدرات في قطاع الشباب والرياضة امتداداً طبيعياً لتلك الرسالة السعودية. رسالة لا تكتفي بإعمار ما هدمته الأزمات بل تعيد ترميم الأمل في النفوس وتفتح أمام الشباب أبوابا للحياة وتؤمن بأن أعظم ما يمكن بناؤه في اليمن ليس جداراً ولا منشأة بل إنساناً يعرف كيف يبني ويحمي ما بناه.


هكذا هو البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. لا يعيد بناء ما هدمته الأزمات فحسب بل يعيد للإنسان قدرته على البناء، ولا يقيس أثره بعدد المنشآت التي أنجزها وحدها بل بما يزرعه من معرفة وما يصنعه من فرص وما يعيده إلى النفوس من ثقة وأمل.


فإعمار اليمن لا يبدأ من الحجر وحده بل من الإنسان الذي سيحمي هذا الحجر ويمنحه المعنى ويبني من حوله وطناً قادراً على الحياة. وحين تستثمر السعودية في الإنسان اليمني فإنها لا تقدم مساعدة عابرة بل تمد يدها إلى المستقبل ليقف اليمن بأبنائه ويواصل الطريق بقدراتهم.


هكذا يكون الإعمار في معناه الأعمق أن تبني الإنسان ثم تمنحه القدرة على أن يبني كل شيء، وهذا ما تقوم به السعودية بالمختصر.

00:00 | 23-08-2026

جمهور الاتحاد.. شدوا الأحزمة

على بعد أشهر من عيد ميلاده المئوي.. موسم مختلف يعيشه العميد واضحة معالمه ما لم يسعفه الجميع بعدد من الصفقات في سوق الانتقالات، الذي سيغلق نافذة (FIFA TMS) في الثالث من الشهر المقبل.

مجموعة من الظروف تقف عائقاً أمام الحصول على صفقات يستحقها الفريق رغم أن رئيسه قال: «الاتحاد أغنى الأندية السعودية»، في الاجتماع الشهير في رمضان الماضي، حينها فكرت بأن أموال التنازل عن بنزيما وكانتي في الحفظ والصون، وأن عائق الحصول على اللاعبين أيام الانتقالات الشتوية القصيرة كان بسبب أنهما انتقلا تقريباً في آخر يوم، حينها أكمل الاتحاد موسمه بصعوبة بالغة.

لا أخفيكم وقتها سألت نفسي لماذا كلما نلتقي مع وجه جديد في أنديتنا سواء رئيس أو إداري أو محام أو مالي أو تسويقي، يقول: «أتيت رغم أنه ليست لي علاقة بكرة القدم»، هل يرى بأن اللعبة أقل من شهادته أم أنه توقف عند المعتقد القديم، الذي يرى في كرة القدم ما رآه الشاعر والأديب الإنجليزي روديارد كيبلينغ في إحدى قصائده: «الملطخون بالطين عند المرامي»، للاستنقاص من اللعبة ثم تحول هذا الشطر من قصيدته إلى مبعث فخر عند اللاعبين يرددونه مع انتصاراتهم.

كرة القدم تحولت منذ منتصف القرن الماضي إلى واحدة من أهم الآداب والفنون الإنسانية، وصنعت منها الشعوب اقتصاديات وثقافات لا حدود لها، بل شكلت حتى وجوه المجتمعات باعتبارها الثقافة الوحيدة القائمة والمستمرة حتى يومنا هذا، رغم قفزات العالم الصناعية والتقنية وحتى الرقمية، وما بعد الذكاء الاصطناعي ربما.

نعم الاتحاد يمر بمتغير كبير على مستوى تشكيلته الأساسية ودكة البدلاء، وهي الأخرى تحولت إلى غرفة عمليات بإصابة روجر ومن قبله حامد الغامدي ومن قبله دومبيا، بإصابة تعد في قاموسي بداية النهاية لكل لاعب مهما كابر عليها أو حاول أن يتفاهم معها أو يتعايش.

موسم دخلت فيه أندية الشركات ورؤوس المال مدخلاً قوياً بخصخصة الخلود أولاً ثم الهلال ثانياً مع وجود نيوم والقادسية ولحاق الدرعية بالبقية، موسم مضغوط بالمشاركات الخارجية وبالبطولات الخليجية أولاً ثم الآسيوية للمنتخبات والأندية ومن ضمنهم الاتحاد.

أعرف أن الأندية المنافسة حتى وإن لم تغير لاعبيها إلا أنها دعمت صفوفها واستعدت مبكراً، وأعرف أن فوز الاتحاد على الجزيرة الإماراتي أعطى الجماهير متنفساً، لكن تخيل أن تفوز على الجزيرة برباعية وأنت لم تر حارسه طيلة مجريات المباراة، لا أعلم هل هي ظروف يوم واحد أم سيكون الموسم بهذا الأسلوب، وإلى متى سيبقى الاتحاد صامداً في موسمه.

المشكلة أن كرة القدم لا تمنحك موسماً كاملاً بالعاطفة، ولا تحفظ لك بطولة لأنك كنت بطلاً قبل عامين، ولا تعطيك نقاطاً إضافية لأن مدرجك أكثر صخباً. الموسم الطويل لا يقرأ الأسماء بقدر ما يقرأ القوائم، ولا ينظر إلى أحد عشر لاعباً يبدأون المباراة بل إلى عشرين لاعباً يستطيعون إنهاء الموسم.

وهنا تحديداً أخشى على الاتحاد أن ينطلق الموسم دون خيارات، حينها سيكون من الضروري أن يؤمن المدرج بأنه أمام موسم صعب مليء بالمطبات ربما، وربط الأحزمة والهدوء ودعم الفريق معنوياً هو السبيل الوحيد.

00:08 | 16-08-2026

منظار صقار في السوق الكبير

يمثل الصقر «اسماً ووصفاً وقيمة» لدى الإنسان السعودي بمثابة شريك حياة وباب رزق ومكانة وتمكين فقد عاش طويلاً داخل تفاصيل الحياة والذاكرة واللغة والشعر، وانتقل حضوره من الآباء إلى الأبناء حتى أصبح جزءاً من الصورة التي يعرف بها المجتمع نفسه.

لهذا تجدني اليوم وفي حمى انطلاقة الموسم الرياضي الجديد مرافقاً لتفاصيل دقيقة في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور باعتباره قصة تتجاوز البيع والشراء، فهذا المزاد الذي ينظمه المركز الوطني للصقور خلال الفترة من 5 إلى 25 أغسطس يضع هذا الموروث داخل إطار حديث، يجمع الثقافة بالاقتصاد، والهواية بالإنتاج، والصقار بالمستثمر، والمزرعة السعودية بالمنتج القادم من دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الرياض، ويأتي الحدث هذا العام بوصفه أولى فعاليات المركز بعد صدور تنظيمه الجديد.

أرى أن هذه النقطة تستحق التوقف عندها، حماية الموروث لا تعني تجميده في صور الماضي، فالموروث الذي لا يستطيع التواصل مع الأجيال الجديدة يفقد جزءاً من حضوره مع الوقت، أما الصقارة في المملكة فقد اتخذت مساراً مختلفاً، حافظت على جذورها ووجدت في الوقت ذاته أدوات جديدة للتعبير عنها، من المزادات والمسابقات إلى مزارع الإنتاج والمنصات الإلكترونية والفعاليات التي تستقطب الصقارين من المملكة وخارجها.

الأرقام تقدم دليلاً واضحاً على حجم هذا التحول، سجل المزاد عام 2025 بيع 1103 صقور، وتجاوزت قيمة المبيعات 13 مليون ريال، بزيادة بلغت 23% في المبيعات و27% في عدد الصقور المباعة مقارنة بعام 2024، ووصل عدد المزارع المشاركة إلى 67 مزرعة من 23 دولة، بينها 19 مزرعة سعودية.

هذه الأرقام مهمة، لكنني لا أراها مجرد حصيلة مالية، عندما تتحول معرفة الصقار بالسلالات والمواصفات إلى طلب داخل سوق متخصصة، وعندما تجد المزرعة فرصة لبيع إنتاجها أمام جمهور يعرف قيمة ما تعرضه، وعندما يدخل المستثمر والمربي ومقدم الخدمات إلى الدائرة نفسها، فنحن أمام نشاط اقتصادي نشأ من داخل الموروث نفسه.

هذا المزاد الذي عرفه الصقار منذ سنوات؛ يضيف إلى المشهد تطوراً مستمراً، يمنح السوق قدرة أكبر على النمو والنجاح والتطور.

21:32 | 11-08-2026

ما لا تعرفه في منصات الهجن

انتهى مؤخراً عرس الموروث الكبير المتمثل في مهرجان مولاي خادم الحرمين الشريفين للهجن 2026، وفي الحقيقة يذهب كثيرون إلى أن الجوائز المليونية في سباقات الهجن هي المؤشر الأبرز للدخل والمكاسب، وأن منصة التتويج تمثل ذروة العائد الاقتصادي لهذه الرياضة. هذا الفهم، رغم شيوعه، يظل قاصراً عن إدراك الصورة الكاملة، بل ويغفل جوهر التحول الحقيقي الذي تعيشه منظومة الهجن اليوم.


فالقيمة الاقتصادية الأهم لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في الطريق إليها مع الاتساع الأفقي لإنتاج وتربية وتدريب الهجن، وهو القطاع الذي يمثل العمود الفقري لهذه الصناعة. هنا تُصنع الثروة بهدوء، بعيداً عن الأضواء، حيث تتوسع قاعدة المنتجين والمربين والمضمرين، وتتضاعف حلقات القيمة من الانتخاب، والرعاية، والتطوير، وصولاً إلى التسويق والبيع حتى أن البعض شكل علامته التجارية داخل هذا السوق وأصبحت بعض (العزب) وهو الاسم الذي يطلق على أماكن الملاك ليس لديهم اهتمام بالسباق أكثر من اهتمامهم بالإنتاج خاصة أن الهجن لا تقوم على انتقال وراثي للانتصار من مطية إلى أخرى بل يدخل في ذلك التدريب والتجريب والتمكين وهو ما يحدث الفرق، كما أن اختيار المطية القادرة على الفوز يرضخ وبشكل ما لحسن الطالع وتفرد مطية عن أختها على الرغم من أن سلالتهما واحدة.


الفائزون الذين نراهم على منصات التتويج هم في الحقيقة رأس السهم فقط، أما جسد المنظومة فيقوم على شبكة واسعة من المنتجين الذين لولاهم لما وُجد هذا التميز ولا تحققت تلك النتائج. كثير من هؤلاء يحققون مكاسب بالملايين عبر بيع إنتاجهم للمؤسسات الكبرى، أو للأسماء المعروفة التي تتكرر في مشاهد التتويج، في دورة اقتصادية ذكية تعيد توزيع القيمة داخل القطاع وهي الهدف الأهم للإنسان مالك الهجن البسيط الذي اعتاد عيش حياته مع حلاله وتحمل ظروفه على مر السنوات نتيجة هذه العلاقة الأبدية مما جعله يشعر وبشكل مباشر بقيمة ما تمثله هذه الأحداث في رفع سعر البيع والإقبال على الهجن كما لا يفوتني أن الكثيرين ممن عرفتهم عبر هذا القطاع اتجه أو بدأ في التفكير للاتجاه نحو الإنتاج والبيع والشراء.


سباقات الهجن، بهذا المعنى، لم تعد حدثاً موسمياً أو تنافساً عابراً، بل تحولت إلى سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الميدان، مروراً بالمزارع والعزب ومراكز الإنتاج، ولا تنتهي عند الكأس أو الصورة التذكارية. إنها صناعة تُبنى على الاتساع لا على الاستثناء، وعلى القاعدة لا القمة فقط.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على حجم الجائزة، بل على حجم القاعدة المنتجة، واتساع دائرة المشاركة، وتحويل الهجن من رياضة تراثية إلى اقتصاد حيّ، قادر على الاستدامة، وجاذب للاستثمار، وحافظ لقيمة الموروث بروح العصر.


فالسباق، في جوهره، ليس شوط المكسب بل منظومة تم بناؤها في ضوء هذه المكاسب سعى فيها الاتحاد السعودي للهجن لتوزيع الأشواط والمسابقات على مختلف مناطق المملكة وأسهم بشكل احترافي في نشر فكرة الربح وتكوين الثروة والاستثمار في القطاع ليكون متاحاً للجميع.

00:25 | 20-02-2026

الثقافة الرياضية

نظم الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية، في تجربة يمكن وصفها بأنها خطوة نوعية في مسار الوعي الرياضي السعودي، ونقلة حقيقية في التعامل مع الرياضة بوصفها ثقافة مجتمعية شاملة، لا مجرد نشاط تنافسي أو حدث موسمي عابر. فقد جاء هذا المؤتمر ليضع الثقافة الرياضية في سياقها الأوسع، بوصفها أداة للتنمية، ورافداً من روافد جودة الحياة، ومجالاً معرفياً يستحق النقاش العلمي والتخطيط المؤسسي.


وعلى الرغم من حداثة الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية فإن النجاح الذي تحقق لم يكن محصوراً في حجم الحضور أو تنوع المشاركات، بل في طبيعة الطرح الذي تجاوز الأسئلة التقليدية إلى مقاربات أعمق، ناقشت علاقة الرياضة بالثقافة، والسياحة، والترفيه، والإعلام، والاقتصاد، وقدمت رؤية متكاملة تنسجم مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل رؤية 2030. فالمؤتمر لم يكتفِ باستعراض تجارب، بل أسهم في إعادة تعريف مفهوم الثقافة الرياضية، بوصفها ممارسة واعية وسلوكاً مجتمعياً ومجالاً تعليمياً وتخصصياً.


واستطاع المؤتمر من خلال الدور الهام الذي لعبته جامعة الامام وعناية البروفيسور أحمد بن سالم العامري أن يجمع بين البعد الأكاديمي والبعد التطبيقي، عبر جلسات علمية وورش عمل ودورات تدريبية، إلى جانب المعرض المصاحب الذي عكس تطور صناعة الرياضة وارتباطها بالتقنية والابتكار. هذا التكامل منح الحدث قيمة مضافة، وجعل منه مساحة حقيقية لتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، وفتح آفاق جديدة للباحثين والإعلاميين والممارسين والعاملين في القطاع الرياضي.


كما برز دور الجامعة بوصفها حاضنة معرفية، أسهمت في تعزيز العلاقة بين البحث العلمي والواقع الرياضي، وأكدت أن الثقافة الرياضية لا تنمو بمعزل عن المؤسسات الأكاديمية، بل تتشكل وتتطور من خلالها. وقد عكس هذا التعاون نموذجاً ناجحاً للتكامل بين الجهات الرياضية والمؤسسات التعليمية، وهو نموذج تحتاجه المرحلة المقبلة لضمان استدامة العمل الثقافي الرياضي وليس بمستغرب على جامعة الإمام المشاركة في مثل هذا الحدث المهم لأنها أصبحت الآن منارة للكثير من الأحداث ذات التأثير الفاعل والمهم لمرتكزات رؤية الوطن.


ولعل من أبرز مخرجات المؤتمر أنه أعاد الاعتبار للبعد الإنساني والاجتماعي في الرياضة، ورسخ فكرة أن الرياضة لغة مشتركة، قادرة على بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وصناعة الأثر، متى ما أُديرت بعقلية ثقافية واعية. كما أن التكريمات والمشاركات المجتمعية المصاحبة أكدت أن الثقافة الرياضية ليست حكراً على النخب، بل مشروع وطني مفتوح للجميع.


في المحصلة، لم يكن المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية مجرد فعالية عابرة، بل تأسيس لمرحلة جديدة من التفكير الرياضي، مرحلة يُنظر فيها إلى الرياضة كقيمة ثقافية ومعرفية، وكمنصة للحوار والتطوير وصناعة المستقبل. وهو نجاح يحسب للاتحاد السعودي للثقافة الرياضية في ظل ما يتمتع به رئيس الاتحاد البروفيسور سليمان بن عمر الجلعود من قدرة على تأسيس عمل تراكمي يُنتظر أن يثمر مبادرات أوسع، ومشاريع أكثر عمقاً، في مشهد رياضي سعودي يتجه بثقة نحو النضج والريادة.

00:09 | 10-02-2026