حين زرت اليمن مشاركاً في كأس الخليج يوماً ما كنت على متن رحلة جمعتني بالفنان القدير عبدالرب إدريس، وقتها قالت لي المضيفة «نفسي أسمع أغنية ليلة لو باقي ليلة»، كنا على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم في الطريق إلى عدن قادمين من جدة.
ثلاثون ألف قدم في أي رحلة أظن أنها منطقة تستدعي مشاعر الإنسان وأحاسيسه غير تلك التي يعرفها على الأرض.. فيها تستقر الطائرة وتكون الأجواء والأذهان أكثر صفاء ونقاء، فقلت لها أي للمضيفة «هو الملحن لكن أنا الذي يغني».
فقالت: غن
قلت:
«يا كادي يا للي تحل أم شوك
لا هب ريح أم شمال دن
بابور من قبل أم شروق مشوك
صوخ ورسى بنا لندن»
وقد قلت قبلها موالاً تهامياً حزيناً «أدلي بحجة ومتداني من يوم حليت في لندن».
كان هذا الحوار في تلك المنطقة الآمنة وهي الثلاثون ألف قدم.
وقتها لم أكن أعبر إلى بطولة كروية فحسب بل إلى بلد كان يفتح نوافذه للفرح ويستقبل أشقاءه بقلب يعرف كيف يحتفي بالحياة حتى حين تثقل الحياة خطاه.
التقيت يومها بالرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح وكان الحديث عن أكبر احتفال رياضي خليجي تستضيفه اليمن ضمن مشروع كبير أراد للرياضة أن تكون أكثر من مباراة، وللبطولة أن تصبح جسراً يعبر عليه اليمن نحو محيطه الخليجي وتطل منه جماهيره على أيام أكثر بهجة.
لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن حديث السياسة ولا ضجيج الملاعب وحده. بقي الإنسان اليمني الذي وجدته شغوفاً بالفن والرياضة، وشغوفاً قبل ذلك بالحياة والجمال. رأيت جمهوراً لم يكن يبحث عن نتيجة مباراة بقدر ما كان يبحث عن مساحة يفرح فيها ويقول للعالم إن في هذا البلد قلباً لا يزال قادراً على النبض.
ومنذ تلك الزيارة أدركت أن اليمن لا تنقصه الموهبة ولا الشغف ولا الحكايات التي تستحق أن تروى. ما يحتاج إليه هو أن يجد هذا الشغف مؤسسات تحتضنه وكفاءات تقوده ومساحات آمنة تمنحه فرصة أن يتحول من طاقة كامنة إلى أثر في المجتمع.
فالرياضة لا تبدأ من المدرجات ولا من المستطيل الأخضر ولا من أضواء الملاعب. إنها تبدأ من الإنسان الذي يخطط ويدير ويدرب ويصنع المبادرة ويحفظ للمؤسسة ذاكرتها وللشباب حقهم في الحلم.
من هنا تتجاوز أهمية برنامج بناء القدرات المؤسسية لمنسوبي وزارة الشباب والرياضة اليمنية الذي أطلقه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن حدود الدورات التدريبية وأعداد المستفيدين فهو مشروع تعاون بين وزارة الرياضة السعودية ووزارة الشباب والرياضة اليمنية، ويقوم على فكرة جوهرية تقول إن أفضل ما يمكن أن يقدم لليمن هو أن يمتلك أبناؤه الأدوات التي تمكنهم من صناعة مستقبلهم بأيديهم.
وليس الدور الذي تقوم به السعودية في اليمن موقفاً تحكمه الجغرافيا وحدها ولا التزاماً تمليه علاقات السياسة والمصالح. إنه دور إنساني نابع من إدراك عميق بأن اليمن ليس بلداً بعيداً عن الوجدان السعودي وأن آلام أبنائه لا يمكن أن تبقى خلف الحدود.
لقد حضرت السعودية حيث يكون الإنسان في حاجة إلى الحياة. حضرت في الغذاء والدواء والتعليم والصحة والمياه والطرق، ثم امتد حضورها إلى بناء المؤسسات وتأهيل الكفاءات. وهي بذلك لا تكتفي بمداواة آثار الأزمة بل تعمل على إعادة الإنسان اليمني إلى موقعه الطبيعي شريكاً في البناء وقادراً على إدارة واقعه وصناعة مستقبله.
وتكمن قيمة هذا الدور في أنه لا ينظر إلى اليمني بوصفه متلقياً للمساعدة بل إنساناً يمتلك القدرة والكرامة والطموح ويحتاج إلى الفرصة التي تطلق إمكاناته. السعودية تصنع مستقبلاً يمنياً، وبناء الإنسان هو أرفع مراتب العمل الإنساني؛ لأنه يصون كرامته ويمنحه القدرة على مواصلة الطريق دون أن يبقى أسيراً للحاجة.
ولهذا يأتي برنامج بناء القدرات في قطاع الشباب والرياضة امتداداً طبيعياً لتلك الرسالة السعودية. رسالة لا تكتفي بإعمار ما هدمته الأزمات بل تعيد ترميم الأمل في النفوس وتفتح أمام الشباب أبوابا للحياة وتؤمن بأن أعظم ما يمكن بناؤه في اليمن ليس جداراً ولا منشأة بل إنساناً يعرف كيف يبني ويحمي ما بناه.
هكذا هو البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. لا يعيد بناء ما هدمته الأزمات فحسب بل يعيد للإنسان قدرته على البناء، ولا يقيس أثره بعدد المنشآت التي أنجزها وحدها بل بما يزرعه من معرفة وما يصنعه من فرص وما يعيده إلى النفوس من ثقة وأمل.
فإعمار اليمن لا يبدأ من الحجر وحده بل من الإنسان الذي سيحمي هذا الحجر ويمنحه المعنى ويبني من حوله وطناً قادراً على الحياة. وحين تستثمر السعودية في الإنسان اليمني فإنها لا تقدم مساعدة عابرة بل تمد يدها إلى المستقبل ليقف اليمن بأبنائه ويواصل الطريق بقدراتهم.
هكذا يكون الإعمار في معناه الأعمق أن تبني الإنسان ثم تمنحه القدرة على أن يبني كل شيء، وهذا ما تقوم به السعودية بالمختصر.


