حين صدر نظام التعليم العام الجديد، توقفت طويلًا أمام إحدى أهم المساحات التي فتحها لمستقبل التعليم في المملكة: إتاحة إسناد بعض المهمات التعليمية، وإدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية، إلى القطاع الخاص وغير الربحي، وفتح المجال أمام المستثمر المحلي والأجنبي للمشاركة في هذا القطاع.
بالنسبة لي كصاحبة تجربة في التعليم الحكومي وفي التعليم الخاص لأكثر من ثلاثة عقود، لم تكن المسألة مجرد مادة تنظيمية جديدة، وإنما سؤالًا أكبر يستحق أن نطرحه على أنفسنا نحن العاملين في التعليم: هل أصبحت شركات التعليم السعودية قادرة فعلًا على إدارة مدارس حكومية؟
أعتقد أن الإجابة لم تعد كما كانت قبل عشرين عامًا. فالقطاع التعليمي الخاص في المملكة تغيّر كثيرًا. انتقل في جزء معتبر منه من المدرسة الفردية التي يديرها مالكها بخبرته واجتهاده، إلى شركات ومجموعات تعليمية تمتلك هياكل مؤسسية، وإدارات تنفيذية، وأنظمة للجودة والحوكمة، وخبرات في بناء المناهج والبرامج الإثرائية، وتدريب المعلمين، وقياس الأداء، والتحول الرقمي، وإدارة المرافق، والتسويق، وخدمة المستفيد.
وبعض هذه الشركات يدير اليوم شبكات من المدارس تضم آلاف الطلاب ومئات المعلمين والموظفين، وتتعامل مع التعليم بوصفه منظومة متكاملة لا مجرد فصول ومعلمين وكتب دراسية.
وهنا تحديدًا أرى أهمية التحول الذي يؤسس له النظام الجديد. فالسؤال لم يعد: من يقدم التعليم، الحكومة أم القطاع الخاص؟
هذه ثنائية تجاوزتها الاقتصادات الحديثة. السؤال الأهم أصبح: من يستطيع تقديم تعليم أفضل، بكفاءة أعلى، وفي إطار معايير الدولة وأهدافها ورقابتها؟
وهذا هو جوهر الشراكة التي نحتاج إليها. حين تدير شركة تعليمية خاصة مدرسة حكومية، فإن الدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها عن التعليم، ولا تتحول المدرسة الحكومية إلى مدرسة خاصة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض.
الدولة تظل صاحبة السياسة والمعايير والمناهج الوطنية والرقابة والمساءلة، لكنها تستفيد من قدرة القطاع الخاص على التشغيل، وسرعة القرار، والمرونة الإدارية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير الخدمات، وقياس النتائج. إنها ببساطة تنقل السؤال من: «كم ننفق على المدرسة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا تحقق المدرسة مقابل ما ننفقه؟»
وهنا يدخل الاقتصاد إلى الفصل الدراسي. فالتعليم واحد من أكبر مجالات الإنفاق والاستثمار طويل الأجل، وأي تحسن في كفاءة تشغيل آلاف المدارس لا يمثل وفرًا ماليًا فقط، وإنما قيمة اقتصادية تتضاعف آثارها عبر السنوات.
فحين تستطيع جهة متخصصة أن تدير الموارد البشرية بصورة أفضل، وترفع كفاءة استخدام المبنى والتجهيزات، وتشتري الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وتقلل الهدر التشغيلي، وتربط المكافأة بالأداء، وتستثمر التقنية في العمليات اليومية؛ فإننا لا نتحدث عن تخفيض تكلفة وحسب، وإنما عن إعادة توجيه المال من التشغيل غير الكفء إلى جودة التعليم نفسها.
وهذه، في تقديري، واحدة من الأفكار التي تنسجم بعمق مع التحولات الاقتصادية التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030؛ فالدولة لم تعد تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره مقاولًا ينفذ خدمة محددة، وإنما شريكًا في التنمية، وصانعًا للوظائف، ومصدرًا للابتكار، ورافعة لرفع كفاءة الإنفاق وجودة الخدمات.
لكنني، وأنا أنتمي إلى قطاع التعليم الخاص الآن، وأعرف حجم التطور الذي شهده، لا أرى أن مجرد كون الشركة «تعليمية» يجعلها مؤهلة لإدارة مدرسة حكومية. .!هذه النقطة مهمة جدًا.
فتح المجال للقطاع الخاص ينبغي ألا يتحول إلى سباق على العقود، وإنما إلى سباق على الكفاءة.
ليس المطلوب شركة تستطيع دفع الرواتب وتشغيل المبنى ووضع جدول الحصص. هذه أبسط وظائف الإدارة المدرسية. المطلوب شركة تستطيع أن تقدم نموذجًا تعليميًا أفضل؛ ترفع نواتج التعلم، وتصنع بيئة مدرسية جاذبة، وتطور المعلم، وتكتشف الموهبة، وتعالج التعثر، وتبني شخصية الطالب، وتستخدم التقنية بذكاء، وتتواصل مع الأسرة، وتقيس أثر كل ما تفعله.
بمعنى آخر: لا نريد «مشغّل مدارس»، وإنما صانع مدرسة جيدة.
وأظن أن شركات تعليمية سعودية وصلت بالفعل إلى درجة من النضج تجعلها قادرة على خوض هذا التحدي. لدينا اليوم خبرات تراكمت عبر عقود، وقيادات تعليمية سعودية متمرسة، وتجارب في الاعتماد المدرسي الوطني والدولي، وممارسات متقدمة في الجودة والحوكمة، ومدارس تنافس في المسابقات المحلية والدولية، وشركات استثمرت في التقنية والمحتوى والتدريب والأنشطة وبناء الهوية التعليمية. وما كان القطاع الأهلي يستورده كاملًا من الخارج قبل سنوات، أصبح اليوم قادرًا على تطوير جزء كبير منه محليًا، بل وتقديم نماذج تستحق أن تُنقل وتُدرس.
ولعل من الدلالات المهمة على هذا النضج أن هيئة تقويم التعليم والتدريب وقّعت في أبريل الماضي اتفاقيات للاعتماد المدرسي الوطني مع ثماني شركات تعليمية تشمل 38 مدرسة وأكثر من 5600 طالب وطالبة. هذه ليست نهاية الطريق بالتأكيد، لكنها مؤشر على انتقال القطاع من مفهوم الترخيص والتشغيل إلى ثقافة القياس والاعتماد والجودة والمساءلة.
ومع ذلك، فإن إدارة مدرسة حكومية ستكون الاختبار الحقيقي.
فالمدرسة الخاصة تعمل في سوق اختياري؛ ولي الأمر يستطيع أن يأتي إليها أو يغادرها. أما المدرسة الحكومية فهي مسؤولية وطنية تجاه كل طالب، باختلاف ظروفه وقدراته وبيئته الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا فإن الشركة التي تنجح في مدرسة أهلية متميزة في مدينة كبيرة ليست بالضرورة قادرة تلقائيًا على إدارة مدرسة حكومية في قرية صغيرة، أو مدرسة ذات كثافة طلابية مرتفعة، أو بيئة تحتاج إلى تدخلات تربوية واجتماعية مختلفة.
ومن هنا أتمنى أن تبدأ التجربة السعودية – إذا مضت في هذا الاتجاه – بالنماذج لا بالتعميم.
يمكن اختيار مجموعة متنوعة من المدارس، وإسناد تشغيلها إلى شركات تعليمية مؤهلة بعقود قائمة على مؤشرات أداء واضحة: مستوى تحسن الطلاب، جودة التدريس، تطور أداء المعلمين، الانضباط، رضا الأسرة، الأنشطة، البيئة المدرسية، كفاءة الإنفاق، ونسبة التحسن السنوي. وبعد ثلاث أو خمس سنوات لا نسأل الشركة كم برنامجًا نفذت، ولا كم دورة تدريبية أقامت، وإنما نسأل السؤال الذي يستحقه الوطن: هل أصبحت هذه المدرسة أفضل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليتوسع النموذج. وإذا كانت لا، فالعقد نفسه يجب أن يسمح باستبدال المشغّل. وهذه إحدى أهم مزايا النموذج؛ فالدولة تحاسب على النتيجة، والشركة تعرف منذ اليوم الأول أن استمرارها مرتبط بما تصنعه داخل المدرسة لا بما تكتبه في تقاريرها.
وأرى كذلك أن هذه الخطوة يمكن أن تصنع قطاعًا اقتصاديًا تعليميًا سعوديًا جديدًا يتجاوز الصورة التقليدية للتعليم الأهلي. فبدل أن يكون نمو الشركات التعليمية مرتبطًا فقط بشراء الأراضي وبناء مدارس جديدة وجذب مزيد من الطلاب القادرين على دفع الرسوم، يصبح أمامها سوق آخر قائم على الخبرة التعليمية ذاتها: إدارة المدارس، تطوير المعلمين، المحتوى، القياس، التقنية التعليمية، الخدمات الطلابية، الأنشطة، الاستشارات والتشغيل.
وهنا قد تولد شركات سعودية متخصصة، ووظائف نوعية، واستثمارات جديدة، ومنتجات تعليمية قابلة للتصدير مستقبلًا إلى المنطقة. وقد نصل إلى يوم لا نتحدث فيه فقط عن مدرسة سعودية متميزة، وإنما عن نموذج سعودي في إدارة المدارس تستطيع شركاتنا تقديمه خارج المملكة أيضًا.
ولهذا فإنني أرى في النظام الجديد فرصة كبيرة للشركات التعليمية، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. فلقد أمضى القطاع الخاص سنوات طويلة يطالب بمزيد من التمكين والمرونة والثقة. واليوم، حين تفتح الدولة أمامه مساحة بهذا الحجم، يصبح عليه أن يثبت أنه لا يبحث عن حصة أكبر من سوق التعليم فقط، وإنما يستطيع أن يتحمل حصة أكبر من مسؤولية التعليم.
نعم، أعتقد أن شركاتنا التعليمية قادرة. لكن الشركة التي تستحق إدارة مدرسة حكومية ليست الأكبر مبنى، ولا الأكثر فروعًا، ولا الأعلى رسومًا، وإنما تلك التي تستطيع أن تتسلم مدرسة اليوم، ثم تعيدها بعد سنوات إلى الدولة وقد أصبح معلمها أفضل، وطالبها أكثر معرفة وثقة وشغفًا، وبيئتها أكثر جودة، وتشغيلها أكثر كفاءة.
عندها فقط لن يكون القطاع الخاص قد أدار مدرسة حكومية؛ سيكون قد شارك الدولة في صناعة مدرسة المستقبل.


