أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1890.jpg?v=1778067387&w=220&q=100&f=webp

منى عبد المحسن العيبان

جيلٌ يقرأ بصعوبة.. فمن المسؤول؟

حين يصل طالب أو طالبة إلى نهاية المرحلة الابتدائية وهو لا يقرأ بطلاقة، أو يكتب فقرة مليئة بالأخطاء، أو يعجز عن التعبير عن فكرة بسيطة بلغة سليمة، فهذه ليست مشكلة طالب، هي مشكلة نظام تعليمي ينبغي أن يتوقف أمام نفسه بشجاعة.


ليس من المقبول أن نقنع أنفسنا بأن هذه حالات فردية، بينما الميدان التربوي يشهد، عاماً بعد آخر، تراجعاً ملحوظاً في مهارات القراءة والكتابة لدى أعداد ليست قليلة من الطلاب والطالبات. والمعلمون والمعلمات يعرفون ذلك، وأولياء الأمور يلمسونه، والجامعات بدأت تستقبل أثره، وسوق العمل سيدفع ثمنه لاحقاً.


وأقول هذا من واقع تخصصي في اللغة العربية، ومن خلال سنوات طويلة قضيتها في تدريسها. لقد أصبحت أؤمن أن اللغة العربية خسرت كثيراً حين فقدت هويتها بوصفها مجموعة مهارات متكاملة، لكل واحدة منها وقتها وأهميتها، وتحولت إلى منهج واحد يحاول أن يفعل كل شيء في وقت لا يكفي لشيء.


كان الخط درساً يُربّي الصبر والدقة، ولم يكن مجرد تحسين للشكل. وكان الإملاء تدريباً يومياً يصنع الثقة في الكتابة، لا اختباراً عابراً. وكانت القراءة مشروعاً متدرجاً لبناء قارئ، لا مجرد نصوص تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها. وكان التعبير مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يفكر قبل أن يتكلم، وكيف يرتب أفكاره قبل أن يكتبها. ثم تأتي القواعد والنحو والأدب والبلاغة بعد أن يقف الطالب على أرض لغوية صلبة.


أما اليوم، فقد ازدحمت المهارات داخل كتاب واحد، وضاق الزمن عنها جميعاً، فخرجت مهارات أساسية من الصفوف الأولى وهي لم تكتمل بعد. وحين يضعف الأساس، لا ينبغي أن نستغرب ضعف البناء كله.


ليس المطلوب أن نحشو الطلاب بمعلومات أكثر، بقدر أن نمنحهم وقتاً أطول لإتقان المهارات التي لا غنى عنها. فاللغة لا تُكتسب بسرعة، ولا تُبنى بالمشروعات والأنشطة وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، والتكرار، والتقويم المستمر، والتدرج الذي يحترم طبيعة التعلم.


إن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع ضعف القراءة والكتابة بوصفه مشكلة معلم، أو طالب، أو أسرة. الحقيقة أن القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية منهج، وأولويات، وفلسفة تعليم وقرار من جهة أعلى. فاللغة العربية ليست مادة ضمن الجدول، هي الأداة التي يتعلم بها الطالب جميع المواد الأخرى. وإذا تعطلت الأداة، تعطل ما بعدها.


لسنا بحاجة إلى الدفاع عن اللغة العربية لأنها لغة القرآن فحسب، بل لأنها لغة التفكير أيضاً. فالطالب الذي لا يقرأ جيداً لن يفهم جيداً، والذي لا يكتب جيداً لن يعبر عن نفسه جيداً، والذي لا يمتلك لغة قوية لن يمتلك أدوات التعلم التي يحتاجها في كل تخصص، مهما كان.


لقد آن الأوان أن نسأل السؤال الذي تجنبناه طويلاً: هل حققت طريقة تقديم اللغة العربية اليوم النتائج التي كنا نطمح إليها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا نخشى المراجعة؟


مراجعة المناهج ليست اعترافاً بالفشل، هي احترامٌ للنتائج. والقرارات التربوية لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بما تصنعه في عقول الطلاب والطالبات.


أعيدوا للغة العربية شخصيتها. أعيدوا للخط مكانته، وللإملاء حضوره، وللتعبير مساحته، وللقراءة زمنها، وللكتابة تدريبها. لا لأننا نريد استنساخ الماضي، ولكن لأننا نريد مستقبلاً يتخرج فيه الطالب والطالبة وهما يمتلكان أول حق من حقوقهما التعليمية: أن يقرآ، وأن يكتبا، وأن يفكرا بلغتهما بثقة واقتدار.


ولنتذكر أن كل إصلاحٍ تعليمي يبدأ من اللغة، وكل تعثرٍ فيها يمتد أثره إلى كل مادة، وكل جامعة، وكل مهنة، وكل مستقبل. فليس مؤلماً أن يخطئ الطفل في القراءة، المؤلم أن نعتاد هذا الخطأ حتى يصبح طبيعياً!

منذ ساعتين

الثانوية العامة.. الضحية التي ذبحناها بأيدينا

لم تخسر وزارة التعليم مرحلة كما خسرت المرحلة الثانوية. وقد تبدو هذه الجملة قاسية، لكنها تصبح أقل قسوة حين ننظر إلى ربع قرن من التغييرات التي تعاقبت على هذه المرحلة دون أن تمنحها فرصة للاستقرار.


تبدلت الأنظمة، وتغيرت المسميات، وتعاقبت المشاريع، بينما بقي الطالب هو الثابت الوحيد في كل هذه التجارب، يدفع وحده ثمن كل انتقال من رؤية إلى أخرى، ومن نظام إلى آخر.


جيل كامل عرف الثانوية العامة مدرسةً لها شخصية وهيبة ورسالة. كانت ثلاث سنوات واضحة المعالم، يعرف الطالب فيها طريقه، ويعرف المعلم رسالته، ويعرف ولي الأمر ما ينتظر ابنه.


كان التخصص العلمي أو الأدبي قراراً تربوياً يسبقه توجيه واستعداد وميول، لا نتيجة لتشابك اللوائح وتبدل المسارات. وكانت المدرسة أكثر من فصول دراسية؛ كانت مجتمعاً تربوياً حياً، تتشكل فيه الشخصية كما تتشكل المعرفة، وتولد فيه الثقة بالنفس قبل أن تتراكم الدرجات. في الإذاعة الصباحية، وفي النشاط، وفي الحوار، وفي المنافسات، وفي علاقة الطالب بمعلمه ومديره، كانت هناك مدرسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه شهادة.


وكانت السنة الثالثة تمثل ذروة ذلك البناء. لم تكن اختبارات الوزارة سهلة، لكنها كانت واضحة وعادلة؛ الجميع يخضع للاختبار نفسه، والجميع يعلم أن المدرسة هي التي علّمت، وهي التي قيّمت، وهي التي تتحمل مسؤولية مخرجاتها. لذلك كانت الشهادة الثانوية تحمل وزناً تربوياً واجتماعياً يتجاوز الورقة التي تُطبع عليها.


ثم بدأ شيء يتغير، حتى اختفت الثانوية التي عرفناها!


ليست المشكلة أن المرحلة الثانوية تطورت، فالتعليم لا يعيش بلا تطوير، وإنما المشكلة أن التطوير تحول إلى حركة دائمة لا تعرف الاستقرار. الثانوية المطورة، ثم النظام الفصلي، ثم المقررات، ثم المسارات، وكل مشروع كان يُقدَّم بوصفه الحل المنتظر، ثم يرحل قبل أن يُمنح الوقت الكافي لقياس أثره، ليأتي مشروع آخر يبدأ من جديد.


ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال: أي الأنظمة أفضل؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا لم تستقر المرحلة الثانوية يوماً حتى تبني هويتها وتراكم خبراتها؟


لكن الخسارة الكبرى لم تكن في تغيير الأنظمة، بل في تغيير فلسفة المرحلة نفسها.


لقد بدأنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، نسحب الوظائف الأساسية من المدرسة، ثم نستغرب بعد ذلك أنها فقدت مكانتها. كلما فقدنا الثقة في قدرة المدرسة على أداء مهمة، نقلنا تلك المهمة إلى خارجها. لم نعد نكتفي بما تقيسه المدرسة، فأنشأنا اختبارات أخرى. ولم نعد نكتفي بما تبنيه المدرسة من خبرات، فأصبحت المنصات والبرامج الخارجية جزءاً من رحلة الطالب اليومية. ولم نعد نكتفي بما تغرسه المدرسة من قيم المشاركة، فتحولت ساعات العمل التطوعي لدى كثير من الطلاب إلى متطلب إداري يُنجز في منصة أكثر مما يُعاش في بيئة المدرسة.


وهكذا لم تعد المدرسة مركز المشروع التعليمي، بل أصبحت واحدة من محطاته.


وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة. فالطالب يدرس في مكان، ويُقاس في مكان آخر، ويستعد في مراكز تدريب، ويجمع إنجازاته في منصة، ثم يُطلب من المدرسة أن تتحمل وحدها مسؤولية بناء شخصيته ومستواه العلمي. أي عدالة تربوية في أن تتوزع أدوات صناعة المستقبل بين جهات متعددة، ثم تبقى المدرسة وحدها موضع المساءلة؟


الأخطر من ذلك أن الرسالة التي تصل إلى الطالب لم تعد كما كانت. حين يعلم منذ الصف الأول الثانوي أن شهادته ليست الكلمة الأخيرة في مستقبله، وأن الطريق إلى الجامعة سيمر باختبارات أخرى خارج مدرسته، فإنه يبدأ، من حيث لا يشعر، في إعادة ترتيب أولوياته. تصبح المدرسة واجباً يومياً، بينما يصبح المستقبل الحقيقي في مكان آخر. ولا يحتاج أحد إلى أن يقول له ذلك صراحة؛ فالنظام كله يهمس له بهذه الرسالة كل يوم.


وحين تضعف قيمة الشهادة الثانوية في معادلة القبول، تضعف معها مكانة المدرسة نفسها. وتتعرض المدارس لضغوط متزايدة حتى لا يشعر طلابها بأن سنواتهم الثلاث ذهبت هباءً، فيتسع في بعض البيئات قدر من التساهل في منح الدرجات، لا لأن المعلمين فقدوا مهنيتهم، ولكن لأن النظام نفسه جعل الشهادة أقل قدرة على حسم مستقبل الطالب.


وهنا لا يعود الرقم معبراً بالقدر نفسه عن مستوى التعلم، بقدر ما يصبح أحياناً محاولة للتخفيف من شعور الطالب بأنه سيبدأ معركة جديدة خارج المدرسة. والمشكلة ليست في المعلم ولا في المدير، وإنما في منظومة قللت من أثر الشهادة، ثم استغربت أن تتغير النظرة إليها.


ولعل أخطر ما حدث خلال هذه السنوات أن الأسرة نفسها بدأت تنظر إلى المدرسة بعين مختلفة. قبل أعوام، كان الأب يقول لابنه: اجتهد في المدرسة، فهي طريقك إلى الجامعة.


أما اليوم، فكثير من الأسر تبدأ حديثها مع أبنائها بسؤال مختلف: متى ستلتحق بدورة القدرات؟ ومتى ستبدأ الاستعداد للتحصيلي؟ قد تكون هذه الدورات نافعة، لكن تحولها في وعي المجتمع إلى الطريق الأهم للمستقبل يكشف أن مركز الثقل انتقل من المدرسة إلى خارجها. وهذه ليست ملاحظة على الطلاب أو الأسر، بل مؤشر يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.


أما الطالب، فقد أصبح يحمل فوق كتفيه ما لم تحمله أجيال سابقة. يدرس مقررات المدرسة، ويستعد لاختبارات أخرى، ويلتحق بالدورات، ويلاحق المنصات، ويجمع ساعات التطوع، ويعيش تحت ضغط المقارنات، ثم نطالبه في الوقت نفسه أن يستمتع بأجمل سنوات عمره، وأن يبني شخصيته، وأن يكتشف ميوله، وأن يحافظ على صحته النفسية.


لقد تحولت المرحلة التي كان يفترض أن تكون مصنعاً للإنسان إلى مرحلة مثقلة بالاستحقاقات، يركض فيها الطالب من مهمة إلى أخرى، حتى غابت متعة التعلم، وتراجع الشعور بأن المدرسة هي المكان الذي تُصنع فيه الحياة قبل أن تُصنع فيه الشهادة.


وليس المقصود من هذا كله رفض التطوير، ولا التقليل من قيمة القياس، ولا الاعتراض على العمل التطوعي، فلكل منها أهداف يمكن أن تضيف قيمة حقيقية.


لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأدوات إلى بديل عن المدرسة، وحين يصبح كل مشروع جديد خطوة إضافية في سحب الدور الذي أنشئت المدرسة أصلاً لتقوم به. فالتعليم لا يُقاس بعدد المنصات، ولا بعدد المبادرات، ولا بعدد الأنظمة التي نتنقل بينها، يُقاس بقدرته على بناء إنسان واثق بنفسه، مؤمن بمدرسته، معتز بمعلمه، وقادر على الانتقال إلى الجامعة وهو يشعر أن السنوات التي قضاها في الثانوية كانت هي التي صنعته.


الثانوية العامة ليست ثلاث سنوات تسبق الجامعة، بل هي آخر محطة يتشكل فيها الإنسان قبل أن يتخصص. فيها تُبنى الثقة، وتتضح الميول، وتترسخ المسؤولية، ويتعلم الشاب والفتاة كيف يواجهان الحياة قبل أن يواجها التخصص. فإذا ضعفت هذه المرحلة، فلن تعوضها جامعة، ولن يصلحها برنامج تدريبي، ولن تعيد إليها أي منصة ما فقدته من روحها.


بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ربما لم يعد السؤال الذي نحتاجه هو: ما النظام القادم؟ بل سؤال أكثر شجاعة وصدقاً: كيف نعيد المدرسة إلى قلب المشروع التعليمي؟ كيف نستعيد الثقة في المرحلة الثانوية؟ وكيف نجعل الطالب يشعر أن مستقبله يبدأ من فصله الدراسي، لا من خارجه؟


إن التاريخ لا يتذكر أسماء الأنظمة التعليمية بقدر ما يتذكر الأجيال التي صنعتها. والوطن لا يخسر حين يغيّر اسم نظام، لكنه يخسر كثيراً حين تضيع المرحلة التي كانت تصنع إنسانه. ولذلك فإن الثانوية العامة لا تطلب اليوم مشروعاً جديداً، ولا مسمى جديداً، ولا دليلاً إجرائياً جديداً؛ إنها تطلب شيئاً واحداً فقط.. أن نعيد إليها الثقة التي سحبناها منها، لأن المدرسة التي نفقد الثقة بها، لن يثق بها طالب، ولن ينهض بها وطن.

00:00 | 3-07-2026

بين أساليب التعليم وجودة التعليم.. هل تغيّر الاسم أم تغيّر الواقع؟

كلما صدرت حركة ترقيات أو إعادة هيكلة في قطاع التعليم، انشغل الناس بمسميات جديدة لم تكن مألوفة من قبل؛ مستشار أول أساليب تعليم، خبير جودة تعليمية، مستشار بناء وتحصيل، خبير تطوير تعلم، وغيرها من الألقاب التي تتكاثر عاماً بعد عام. ويتكرر السؤال ذاته: ماذا تعني هذه المسميات؟ وما الفرق بينها؟ وهل أحدثت فرقاً حقيقياً في الميدان؟

في الترقيات الأخيرة لوزارة التعليم، لفت انتباه كثيرين ترقية أربعة موظفين إلى المرتبة الخامسة عشرة على وظيفة «مستشار أول أساليب تعليم». وربما كان السؤال الأهم ليس لماذا تمت ترقية أربعة أشخاص على المسمى نفسه، فذلك أمر تنظيمي معتاد في الوظائف المتخصصة، بل: ما الذي يضيفه هذا المسمى إلى التعليم نفسه؟

الحقيقة أن مفهوم «أساليب التعليم» في أدبيات الإدارة الحكومية الحديثة أوسع من مجرد التدريس داخل الفصل الدراسي. فهو يشمل كل ما يتعلق بطرائق نقل المعرفة، وتصميم البرامج التعليمية والتدريبية، وبناء المبادرات التوعوية، وتطوير أدوات التعلم وقياس أثرها. ولهذا نجد مثل هذه المسميات في جهات متعددة، وليس في وزارة التعليم وحدها.

لكن الإشكالية ليست هنا. الإشكالية أن التعليم العربي عموماً، والسعودي خصوصاً، أصبح في بعض مراحله أسيراً للمسميات أكثر من انشغاله بالنتائج. فكل عدة سنوات يظهر مصطلح جديد، وإدارة جديدة، ومسمى جديد، ثم يختفي ليحل محله مسمى آخر. مرة نتحدث عن الجودة التعليمية، ثم عن نواتج التعلم، ثم عن التحصيل الدراسي، ثم عن التميز المؤسسي، ثم عن الأداء المدرسي، ثم عن البناء المعرفي، ثم عن أساليب التعليم.

وفي كل مرة نشعر وكأننا أمام مشروع جديد، بينما المدرسة ذاتها ما زالت تنتظر معالجة تحدياتها القديمة، والمعلم ما زال يواجه أعباء متزايدة، والطالب ما زال يبحث عن تعليم أكثر إلهاماً وأقرب إلى حياته.

ليست المشكلة في المصطلحات؛ فلكل علم لغته، ولكل مرحلة أدواتها ومفاهيمها. لكن المشكلة حين تتحول المصطلحات إلى غاية بحد ذاتها، أو حين يصبح تغيير الاسم إنجازاً يُحتفى به أكثر من تغيير الواقع.

فالمدرسة لا يهمها كثيراً إن كان المسؤول يحمل لقب مستشار أساليب تعليم أو خبير جودة تعليمية. ما يهمها أن تجد دعماً حقيقياً يرفع مستوى التعلم. والمعلم لا يشغله كثيراً اسم الإدارة التي تتبعه بقدر ما يشغله أن يحصل على تدريب نافع وصلاحيات واضحة وبيئة عمل مستقرة. والطالب لا يسأل عن الهيكل التنظيمي للوزارة أصلاً؛ لأنه يريد في النهاية درساً جيداً، ومعلماً متمكناً، ومنهجاً يفتح له أبواب المستقبل.

لقد أمضينا سنوات طويلة في تطوير الهياكل والمسميات والأنظمة، وربما آن الأوان لأن نعود إلى السؤال البسيط الذي يسبق كل شيء: ماذا يحدث داخل الفصل الدراسي؟

هناك تبدأ القصة الحقيقية للتعليم، وهناك تُقاس النتائج الفعلية، وهناك يتحدد نجاح أي وزارة أو فشلها.

أما المسميات، مهما بدت براقة ومتجددة، فستظل مجرد لافتات إدارية إذا لم تنعكس آثارها على الطالب والمعلم والمدرسة والمنهج.

المفارقة أن التعليم ليس علماً غامضاً حتى نختبئ خلف هذا الكم من المصطلحات. فالعالم كله يعرف أن أي نظام تعليمي ناجح يقوم على أربعة أركان واضحة: معلم جيد، ومنهج جيد، ومدرسة جيدة، وقيادة تعليمية جيدة. وما عدا ذلك أدوات مساندة وليست جوهر القضية.

لكننا في كثير من الأحيان نتعامل مع الأدوات وكأنها هي القضية نفسها.

نستهلك أوقاتاً طويلة في إعادة تسمية الإدارات، وإعادة تصنيف الوظائف، وإعادة إنتاج المفاهيم، بينما يزداد شعور الميدان بأن أحداً لا يسأله السؤال الأهم: ماذا تحتاجون فعلاً؟

هل يحتاج المعلم إلى مسمى جديد أم إلى تخفيف الأعباء الإدارية التي تسرق وقته من التدريس؟

هل يحتاج الطالب إلى إدارة جديدة أم إلى منهج أكثر ارتباطاً بالحياة؟

هل تحتاج المدرسة إلى لقب مستحدث أم إلى صلاحيات وموارد تمكنها من أداء رسالتها؟

المشكلة أن البيروقراطية بطبيعتها تعشق المسميات. فالمسمى يعطي شعوراً بالحركة حتى لو لم يتحرك شيء. ويمنح انطباعاً بالتطوير حتى لو بقي الواقع كما هو. ولهذا تتكاثر الألقاب أسرع مما تتكاثر الحلول.

ولنكن أكثر صراحة؛ المواطن لا يعنيه كثيراً وجود مستشار أول أو خبير أول أو قائد أول أو مشرف أول. ما يعنيه أن يرى ابنه يخرج من المدرسة أكثر معرفة وثقة وقدرة على المنافسة. وما يعنيه أن يجد المعلم محترماً وممكناً ومتفائلاً بمهنته. وما يعنيه أن تصبح المدرسة مكاناً للتعلم لا مصنعاً للتقارير والمنصات والنماذج.

فالتعليم لا ينهض بمسمى جديد، إنما بفكرة جيدة تُطبق، ومعلم يُمكَّن، ومدرسة تُدعم، وطالب يجد في تعلمه معنى وقيمة وأملاً للمستقبل.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم محاطاً بطبقات كثيفة من المصطلحات واللوائح والهياكل، حتى كاد الأصل يختفي خلف التفاصيل.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل مسمى جديد وكل إدارة جديدة وكل وظيفة جديدة هو: ما الأثر الذي سيشعر به الطالب داخل الفصل الدراسي؟

إذا لم تكن هناك إجابة واضحة ومباشرة عن هذا السؤال، فالأرجح أننا لا نطور التعليم، بل نطور اللغة التي نتحدث بها عن التعليم.

التعليم لا يحتاج مزيداً من الأسماء. التعليم يحتاج مزيداً من النتائج. يحتاج أن نكف عن تدوير المصطلحات، وأن نعود إلى المكان الذي تبدأ منه الحكاية كلها: معلم يشرح، وطالب يتعلم، ومدرسة تنجح في صناعة المستقبل.أما ما عدا ذلك، فقد يكون مهماً.. لكنه ليس التعليم نفسه.

00:01 | 29-06-2026

التقييم الوظيفي.. ينتصر لمن ويظلم من..؟!

في نهاية كل عام وظيفي يعود المشهد ذاته: مدير يجلس أمام نموذج التقييم، وموظف ينتظر النتيجة، وإدارة موارد بشرية تجمع الدرجات وتحوّلها إلى أرقام وتقارير.


وبين هؤلاء جميعًا يبقى السؤال القديم حاضرًا: هل تقويم الأداء الوظيفي يقيس الأداء فعلًا، أم أنه أصبح طقسًا إداريًا يتكرر لأن الأنظمة اعتادت عليه؟


فكرة التقييم في أصلها نبيلة ومهمة. فلا مؤسسة تستطيع التطور دون أن تعرف مستوى أداء موظفيها، ولا موظف يستطيع تحسين أدائه دون تغذية راجعة صادقة توضح نقاط القوة وفرص التحسين.


لذلك نشأت أنظمة التقييم لتكون أداة تطوير قبل أن تكون أداة محاسبة، وأداة بناء قبل أن تكون وسيلة تصنيف. لكن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في التطبيق!


فالمدير المباشر، وهو الحلقة الأهم في عملية التقييم، ليس دائمًا مؤهلًا للقيام بهذا الدور بالشكل الصحيح. فكثير من المديرين يتعاملون مع التقييم باعتباره عبئًا إداريًا يجب الانتهاء منه قبل الموعد المحدد، فيلجؤون إلى التقديرات المتوسطة أو المرتفعة للجميع هروبًا من النقاشات والاعتراضات. وبعضهم يقع تحت تأثير العلاقات الشخصية أو الانطباعات الأخيرة أو المواقف العابرة، فيصبح التقييم انعكاسًا للمشاعر أكثر من كونه انعكاسًا للأداء.


وفي المقابل، لا يخلو الطرف الآخر من المشكلة. فالكثير من الموظفين ينظرون إلى التقييم باعتباره شهادة تقدير لا أداة قياس. فإذا حصل على درجة مرتفعة اعتبرها حقًا طبيعيًا، وإذا انخفضت درجته رأى في ذلك ظلمًا شخصيًا أو استهدافًا مباشرًا. وهنا تضيع فلسفة التقييم الحقيقية بين توقعات الموظف وحسابات المدير.


أما الإشكالية الأكبر فهي أن بعض نماذج التقييم صُممت وكأنها تصلح للجميع، رغم أن الواقع الوظيفي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.


فليس من المنطقي أن يُقيَّم موظف جديد ما زال يتعلم أساسيات العمل بالمعايير ذاتها التي يُقيَّم بها خبير أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في المهنة. وليس من المنطقي أيضًا أن تُعامل الخبرات التراكمية الطويلة وكأنها لا تضيف شيئًا إلى معادلة الأداء.


وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يجب أن يستمر التقييم السنوي لكل موظف مهما بلغ من الخبرة والكفاءة؟


الإجابة ليست سهلة. فمن جهة، لا يوجد موظف فوق المراجعة أو المساءلة أو التطوير، فالأداء الوظيفي ليس حالة ثابتة. ومن جهة أخرى، فإن التعامل مع أصحاب الخبرات الكبيرة بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها الموظف المبتدئ قد يفقد التقييم معناه ويجعله إجراءً شكليًا لا أكثر.


ربما يكون الحل في تغيير فلسفة التقييم لا إلغائه. فالموظف الجديد يحتاج إلى تقييم تفصيلي يقيس الالتزام والتعلم والإنجاز. أما الموظف الخبير فينبغي أن يُنظر إلى أثره المؤسسي، وإسهامه في نقل المعرفة، وقدرته على صناعة الفرق وتطوير العمل. فمعايير النجاح تختلف باختلاف المراحل المهنية، بينما تصر بعض النماذج الحالية على استخدام المقياس ذاته للجميع.


كما أن المشرّع أو الجهة المنظمة مطالبة بمراجعة بنود التقييم بصورة مستمرة، لأن كثيرًا من النماذج الحالية وُضعت في سياقات مختلفة عن واقع العمل اليوم. تغيرت الوظائف، وتطورت الأدوات، وظهرت أنماط جديدة للإنتاج والقيادة والعمل عن بُعد، بينما بقيت بعض مؤشرات التقييم أسيرة مفاهيم تقليدية لا تعكس الواقع بدقة.


ومن أكثر الممارسات إثارة للاستغراب أن تُلزم بعض الجهات المديرين بتوزيع التقديرات وفق نسب محددة سلفًا؛ فيُطلب منهم أن يكون عدد الحاصلين على الدرجة الكاملة محدودًا، وعدد آخر في الفئات الأدنى، بينما توضع الغالبية في المنطقة الوسطى بغض النظر عن مستوى الأداء الحقيقي. في هذه الحالة لا يعود المدير مقيمًا للأداء، يصبح موزعًا للحصص. وقد يجد نفسه أمام فريق متميز بأكمله، لكنه يُجبر على خفض درجات بعضهم فقط لأن النموذج يتطلب ذلك، أو أمام فريق متواضع الأداء فيُمنح بعض أفراده درجات أعلى لإكمال النسبة المطلوبة. وهنا ينتقل التقييم من كونه أداة للعدالة إلى عملية حسابية مصطنعة تسيء إلى الموظف وتحرج المدير في آن واحد.


والأخطر من ذلك أن هذه السياسة تهدم الثقة بين الموظف ورئيسه المباشر. فالمدير الذي يعرف حقيقة أداء موظفه ويضطر إلى منحه درجة أقل مما يستحق يفقد جزءًا من مصداقيته أمام فريقه، بينما يشعر الموظف بأن جهده لم يكن هو معيار الحكم الحقيقي. وعندما تفقد العدالة حضورها في التقييم، يفقد التقييم نفسه قيمته وتأثيره، ويتحول إلى إجراء بيروقراطي لا أكثر.


والحقيقة أن المدير الناجح يجب أن يكون شاهدًا على الأداء لا منفذًا لحصص رقمية مفروضة عليه، لأن العدالة لا تُبنى على النسب، بل على استحقاق كل موظف لما قدمه فعلًا.


ومن أوجه الخلل التي تتكرر في بعض بيئات العمل أن يفاجأ الموظف في نهاية العام بدرجة متدنية أو ملاحظات جوهرية لم يسمع عنها طوال أشهر السنة. وهذه الممارسة تطرح سؤالًا مهمًا: أين كانت الإدارة طوال تلك الفترة؟ فإذا كان الموظف مقصرًا فعلًا، فإن مسؤولية المدير لا تقتصر على رصد القصور، بل تمتد إلى التنبيه والتوجيه وتقديم الدعم اللازم لمعالجته. أما الانتظار حتى موعد التقييم السنوي ثم إبلاغ الموظف بأن أداءه كان ضعيفًا طوال العام، فهو أقرب إلى تسجيل الأخطاء منه إلى إدارة الأداء.


والأشد قسوة أن تترتب على هذا التقييم آثار وظيفية كبيرة كحرمان من مزايا أو عدم تجديد عقد أو تعطيل فرص الترقية، بينما لم يُمنح الموظف فرصة حقيقية لتصحيح مساره. فالعدالة الإدارية تقتضي أن يكون هناك حوار مهني دوري، ومراجعات ربع سنوية أو نصف سنوية، وخطط تحسين واضحة، بحيث يعلم الموظف أين يقف، وما المطلوب منه، وكيف يمكنه تدارك أوجه القصور قبل أن تتحول إلى عقوبة متأخرة. فالتقييم الناجح لا يفاجئ الموظف بنتيجته، بقدر ما يجعله يعرفها مسبقًا لأنه عاش تفاصيلها خطوة بخطوة طوال العام.


إن تقويم الأداء الوظيفي سيبقى ضرورة إدارية لا غنى عنها، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في النماذج والدرجات، ولكن في عدالته وموضوعيته وقدرته على عكس الواقع. فالتقييم الذي لا يفهمه الموظف، ولا يحسنه المدير، ولا يواكب الواقع الذي صُمم من أجله، يتحول من أداة تطوير إلى مصدر تذمر وإحباط.


وحينها لا يكون السؤال: كم حصل الموظف من درجة؟ سيكون: ماذا أضاف هذا التقييم للمؤسسة وللموظف ولجودة العمل؟ فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فقد يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة التقييم كلها، لا في درجاته فقط..!

00:00 | 21-06-2026

من أفسد فطرة الطفل؟

حين يولد الطفل لا يحتاج إلى دورة لاكتشاف ذاته، ولا إلى اختبار ميول، ولا إلى استبيان يقيس شغفه. يولد وفي داخله بذور فطرية مدهشة؛ فضول لا ينتهي، وأسئلة لا تتوقف، وموهبة تنتظر من يكتشفها ويمنحها الماء والضوء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من الذي أفسد هذه الفطرة؟ ومن الذي جعل آلاف الأطفال يعبرون سنوات الطفولة والمراهقة وهم لا يعرفون ماذا يحبون، ولا فيما يبدعون، ولا أين تكمن مواطن تميّزهم؟

من السهل أن نوجه أصابع الاتهام إلى المدرسة. فالمدرسة الحديثة، في كثير من الأحيان، أصبحت منشغلة بالمنهج أكثر من الإنسان، وبالدرجات أكثر من المواهب، وبإنهاء المقررات أكثر من اكتشاف القدرات. يدخل الطالب بفضول طفل، ويخرج أحياناً بعقل يحفظ الإجابات النموذجية فقط. كم من رسام أُجبر على أن يكون حافظاً، وكم من مبدع في الحكاية أو المسرح أو الرياضة لم يجد من يقول له يوماً: «أنت موهوب».

لكن تحميل المدرسة وحدها المسؤولية يبدو ظلماً للحقيقة. فالأسرة أيضاً تغيّرت كثيراً. كان الأب والأم يوماً ما أكثر حضوراً في تفاصيل حياة الأبناء؛ يعرفان أصدقاءهم، ويشاركانهم اللعب، ويلاحظان نقاط قوتهم وضعفهم.

أما اليوم فقد أصبح كثير من الآباء والأمهات غارقين في دوامة العمل أو الانشغال أو حتى الشاشات الخاصة بهم. صار الهاتف الذكي في بعض البيوت أقرب إلى الطفل من والديه، وأصبحت الهدية الأسهل جهازاً جديداً لا وقتاً جديداً.

ثم يأتي الدور الأخطر: الجو العام الذي يحيط بالطفل. نحن نعيش عصراً يتنافس فيه الجميع على خطف انتباهه. شركات الألعاب الإلكترونية، ومنصات الفيديو القصير، وتطبيقات التواصل، كلها تعمل ليل نهار كي يبقى الطفل أطول وقت ممكن أمام الشاشة.

لم تعد المنافسة على وقته فقط، بل على عقله وخياله واهتماماته. الطفل الذي كان يركض في الحي، ويبني من الرمل مدينة، ويفكك لعبة ليعرف كيف تعمل، أصبح يقضي ساعات طويلة يتلقى المتعة جاهزة بضغطة زر.

المشكلة ليست في التقنية ذاتها، فهي أداة يمكن أن تكون نافعة ومذهلة. المشكلة أننا استسلمنا لها. منحناها مهمة التربية والترفيه والإشغال، ثم استغربنا حين تراجعت القراءة، وضعفت الهوايات، وانكمش الخيال.

أصبح كثير من الأطفال يعرفون أسماء المؤثرين أكثر مما يعرفون أسماء العلماء والأدباء والمخترعين. يحفظون مراحل لعبة إلكترونية معقدة، لكنهم لا يعرفون ما الذي يحبون فعله في حياتهم الحقيقية.

المؤلم أن الطفل لا يطلب الكثير. إنه يحتاج إلى من يجلس معه، يستمع إليه، ويمنحه فرصة للتجربة. يحتاج إلى ملعب، وكتاب، ومسرح، ومختبر، وفرشاة رسم، وإلى شخص يقول له: جرّب. فالطفولة ليست مرحلة لاستهلاك المحتوى، بل لاكتشاف الذات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من المذنب؟ بل من يعلق الجرس؟ من يبدأ بإعادة الاعتبار للطفل بوصفه مشروع إنسان لا مجرد مستخدم صغير للأجهزة؟

نحتاج إلى مدرسة ترى الموهبة قبل الدرجة، وتبحث عن التميّز الفردي قبل النتائج الجماعية. ونحتاج إلى معلم يدرك أن أعظم أثر يتركه ليس في ورقة اختبار، بل في اكتشاف طالب لم يكن يعرف أنه قادر على الإبداع. ونحتاج إلى أسرة تستعيد حضورها وهيبتها، لا بالصوت المرتفع والرقابة فقط، بل بالقرب والاهتمام والمشاركة.

كما نحتاج إلى خطاب اجتماعي جديد يعيد للقراءة مكانتها، وللهوايات قيمتها، وللأنشطة الثقافية والرياضية والفنية حضورها الطبيعي. فالأمم لا تُبنى فقط بالمتفوقين أكاديمياً، بل بالمبدعين والمخترعين والفنانين والمفكرين وأصحاب الشغف.

لقد نجحت الشاشات في سرقة جزء كبير من وقت أطفالنا، لكنها لم تنتصر بعد. ما زالت الفطرة موجودة، وما زالت المواهب مختبئة خلف طبقات من الانشغال والضجيج. وما زال بإمكان الأسرة والمدرسة أن تستعيدا دورهما إذا أدركنا أن القضية ليست قضية أجهزة وهواتف، بل قضية إنسان يتشكل.

فالطفل الذي لا يكتشف موهبته مبكراً قد يعيش عمراً طويلاً يبحث عن نفسه. أما الطفل الذي يجد من يؤمن به ويمنحه فرصة التعبير عن فطرته، فإنه غالباً لا ينجح فقط، بل يضيء الطريق لغيره.

وربما كان السؤال الذي يجب أن نغادر به: كم موهبة خسرناها لأننا انشغلنا بإسكات الطفل بدلاً من الإنصات إليه؟

00:14 | 16-06-2026

حين تتحدث المكاتب أكثر من أصحابها..!

تفرض عليّ طبيعة عملي زيارات متكررة لمكاتب عدد من القيادات والإدارات، ومع مرور الوقت أدركت أنني لا أدخل إلى "مكاتب" بالمعنى التقليدي فقط، أدخل إلى شخصيات كاملة، وإلى عقول إدارية يمكن قراءة الكثير عنها من تفاصيل المكان قبل أن يبدأ الحديث.


ومن خبرتي الإدارية أرى أن المكاتب لا تكذب. فكل زاوية فيها تحكي شيئًا عن صاحبها، عن طريقته في التفكير، وعن علاقته بالعمل، وعن مستوى انتمائه للمؤسسة، وحتى عن مقدار احترامه للناس الذين يعملون معه أو يزورونه.


هناك مكاتب تدخلها فتشعر أن المكان يؤدي وظيفة إجبارية لا أكثر، مكتب بلا طعم ولا لون ولا رائحة.


الأوراق مبعثرة، والملفات بلا هوية واضحة، والأدراج ممتلئة بكل شيء إلا النظام، والجدران صامتة كأنها لا تعرف ماذا تريد أن تقول.؟!


لا أثر لفكر إداري، ولا روح قيادة، ولا أي ملمح يدل على أن صاحب هذا المكتب يصنع مشروعًا أو يقود فريقًا أو يبني بيئة عمل حقيقية.!


وحين تجلس مع صاحبه، تدرك غالبًا أن الفوضى لم تكن في المكان وحده... بل في طريقة التفكير أيضًا.!


وفي المقابل، هناك مكاتب تسبقك إليها الحكاية قبل أصحابها. ما إن تدخل حتى تشعر أن كل شيء موضوع بعناية واحترام. ترتيب الملفات، وضوح الهوية البصرية، أناقة المكان، هدوء التفاصيل، جودة التنظيم، وحتى طريقة استقبال الزائر.


تشعر أن الاحترافية هنا ليست شعارات معلقة على الجدران، هي ممارسة يومية تظهر في أبسط الأشياء.


هذه النوعية من القيادات تفهم أن المكتب ليس مساحة شخصية فقط، إنما صورة للمؤسسة كلها.


الملفات المرتبة ليست ترفًا، هي انعكاس لعقل مرتب، والبيئة الأنيقة ليست مظهرًا، تشعرك باحترام للعمل وللناس.


وغالبًا ما يكون أصحاب هذه المكاتب أقل الناس ضجيجًا... لأن الإنجاز يتحدث عنهم.


وهناك نوع ثالث يقف في المنتصف.. لا هو بالفوضى الكاملة، ولا هو بالنموذج الملهم.


تشعر أن صاحبه مجتهد ويحاول أن يؤدي عمله بإخلاص، لكنه لم يطور أدواته بعد. يبذل الحد المقبول، ويؤدي مهامه اليومية، لكنه لا يملك تلك الروح التي تصنع الفرق. تجد الرغبة موجودة، لكن المهارة لم تكتمل، والطموح حاضر، لكن التطوير الذاتي غائب أو محدود.


وهؤلاء يمكن أن يصبحوا قادة حقيقيين لو منحوا أنفسهم فرصة أكبر للتعلم والتجربة والتطوير.


لكن النوع الأكثر إرهاقًا في بيئات العمل ليس الفوضوي فقط... بل ذلك المدير الذي توقف عن تطوير نفسه منذ سنوات، ويعتقد أن المنصب وحده يكفي ليمنحه الهيبة والنجاح.


هذا النوع لا يعمل بروح الفريق، ولا يؤمن بأن النجاح عمل جماعي.. يريد الجميع أن يعملوا لأجله، لا معه.


يتعامل مع المؤسسة وكأنها محطة مؤقتة لا بيتًا مهنيًا ينتمي إليه.


لا يقرأ، لا يتعلم، لا يراجع أدواته، ولا يحاول أن يواكب التغيرات، ثم يتساءل باستغراب لماذا تراجع فريقه ولماذا فقد الناس حماسهم حوله.!


الأصعب من ذلك كله، ذلك المكتب الذي تستقبلك فيه الشكوى قبل السلام. كل شيء عندهم خطأ:


الإدارة العليا مقصّرة، والزملاء لا يفهمون، والأنظمة معقدة، والإمكانات ضعيفة، والوقت لا يكفي. الجميع مسؤول عن التعثر... إلا هو.!


ومع الوقت، تتحول هذه العقلية إلى بيئة طاردة للإبداع. بيئة تستهلك الطاقات بدل أن تصنعها، وتبرر الإخفاق بدل أن تبحث عن الحلول. فالقائد الحقيقي لا يقضي عمره في تعداد الأعذار، بل في صناعة البدائل.


الحقيقة التي تعلمتها من كل هذه الزيارات أن الإدارة ليست منصبًا فقط، وليست بطاقة تعريف على باب مكتب، وليست صلاحيات وتوقيعات واجتماعات.


الإدارة وعي، وذوق، وانتماء، وقدرة على صناعة الأثر حتى في التفاصيل الصغيرة.


القائد الحقيقي يمكن أن تراه في هوية واضحة، في ترتيب ملف، وفي طريقة استقبال، وفي احترام المواعيد، وفي هدوء المكان، وفي روح الفريق التي تنعكس على كل من يعمل معه.


ولذلك أؤمن دائمًا أن ليس كل من رُشّح للإدارة أصبح مديرًا ناجحًا. فالقيادة لا تصنعها الرغبة وحدها، بل تصنعها المواقف والتجارب والقدرة على التعلّم والنضج وتحمل المسؤولية. وليتنا — في كثير من الأحيان — كإدارة عليا نختاره قبل أن يختارنا..!

00:00 | 14-05-2026

نحو عامٍ دراسي بلا مفاجآت.. دعوة لتنظيم التعاميم واستقرار القرار التربوي

في خطوةٍ لافتة تعكس توجّهاً نحو التخطيط بعيد المدى، أعلنت وزارة التعليم العام الماضي التقويم الدراسي لخمس سنوات قادمة. هذه الخطوة، في جوهرها، تمثّل نقلة نوعية في إدارة الزمن التعليمي، وتُعدّ إشارة واضحة إلى رغبة في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتخفيف حالة الارتباك التي قد تصاحب التغيّرات المفاجئة.

غير أن هذا الإنجاز-على أهميته- يظل ناقص الأثر ما لم يُستكمل بمنظومة تنفيذية متكاملة تُترجم هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي داخل الميدان التعليمي.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تُستثمر هذه الرؤية بعيدة المدى في بناء عام دراسي مكتمل المعالم منذ يومه الأول؟

ولماذا لا تلتزم الوزارة -مع عودة الهيئتين التعليمية والإدارية قبل بدء الدراسة- بتسليم الميدان حزمة شاملة من التعاميم والإجراءات التي تغطي تفاصيل العام الدراسي كافة، من خطط الأنشطة، وجداول الاختبارات، وتوزيع المناهج، إلى البرامج النوعية والمبادرات المركزية، بحيث لا يُترك مجال للتغييرات اللاحقة أو التعاميم المفاجئة؟

إن استقرار القرار يعزز جودة التنفيذ، فالعمل التربوي بطبيعته عمل تراكمي يعتمد على التخطيط المسبق والتنفيذ المتدرج. وعندما تتغيّر التعليمات أثناء العام الدراسي، فإن ذلك لا يربك الجدولة فحسب، إنما يخلّ كذلك بتوازن البيئة التعليمية، ويؤثر على جودة المخرجات. فالمعلم الذي يُفاجأ بتعديل في خطة المنهج أو آلية التقويم، سيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته، وقد يفقد جزءاً من تركيزه التربوي لصالح المعالجة الإجرائية. أما القائد المدرسي، فيجد نفسه منشغلاً بإعادة ضبط المسار بدلاً من تطوير الأداء.

كذلك هذا الأمر سبجعل تمكين المدرسة يبدأ بالوضوح، فحين تُسلَّم المدرسة خريطة العام كاملة منذ البداية، فإنها تتحوّل من كيانٍ منفذ إلى كيانٍ مخطط وشريك في النجاح.

وضوح الرؤية يمنح الإدارات المدرسية القدرة على توزيع الجهود، وتوظيف الموارد، وبناء مبادرات داخلية تتناغم مع التوجهات العامة دون تعارض أو ارتباك. كما يعزّز ذلك روح المسؤولية المهنية، حيث تصبح المدرسة محاسبة على تنفيذ أجندة معلومة، لا على التكيّف مع متغيّرات طارئة.

وإصدار مثل هذا التنظيم سيعمل على الحد من الهدر الإداري والزمني؛ لإن التعاميم المتأخرة أو المتغيّرة تستهلك قدراً كبيراً من الوقت والجهد في إعادة الترتيب والتنسيق، وهو وقتٌ كان من الممكن استثماره في تحسين العملية التعليمية نفسها.

كما أن التعديلات المفاجئة قد تؤدي إلى إلغاء برامج أو تغيير خطط تم الإعداد لها مسبقاً، مما يمثل نوعاً من الهدر الإداري الذي يتنافى مع مبادئ الكفاءة المؤسسية.

وأظن أن هذا القرار يساهم في بناء الثقة بين الميدان والجهة المشرفة، حيث إن الثقة في الأنظمة التعليمية لا تُبنى فقط على جودة القرارات، ولكن على استقرارها ووضوحها. وعندما يعتاد الميدان على صدور تعاميم مفاجئة أو تغييرات غير متوقعة، فإن ذلك يخلق حالة من التوجس والترقب، ويضعف من حماس المبادرة. في المقابل، فإن الالتزام بخطة معلنة وثابتة يعزز الثقة، ويمنح العاملين شعوراً بالطمأنينة المهنية. فما نطمح إليه ليس مجرد تقويم دراسي مُعلن، بل نموذج تشغيلي متكامل يبدأ مع عودة الكوادر التعليمية، حيث تُقدَّم لهم «حقيبة العام الدراسي» متضمّنة: خطة توزيع المنهج لكل مادة دراسية، وجداول الاختبارات بمختلف أنواعها، مع روزنامة الأنشطة والفعاليات ذات العلاقة، بالإضافة إلى البرامج والمبادرات المركزية، والأدلة التنظيمية والإجرائية.

على أن يُقابل ذلك التزامٌ مؤسسي بعدم إصدار أي تعاميم إضافية أو تعديلات جوهرية خلال العام، إلا في أضيق الحدود وضمن حالات استثنائية واضحة ومعلنة.

إن استقرار العام الدراسي ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تربوية تضمن جودة التعليم، وتحفظ جهد المعلم، وتمنح الطالب بيئة تعليمية متزنة. وإذا كانت الوزارة قد خطت خطوة مهمة بإعلان التقويم لخمس سنوات، فإن الخطوة التالية الأكثر تأثيراً هي تحويل هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي يُنهي عصر المفاجآت، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: عام دراسي يُدار بعلم، ويُنفذ بثقة، ويُقاس بأثره الحقيقي في الميدان.

23:45 | 6-05-2026

حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة.. لماذا يفشل الحضور؟

حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة، تتكشّف أزمة الحضور المدرسي بوصفها واحدة من أكثر التحديات التربوية تعقيداً، لا لأنها مرتبطة بانضباط الطالب فقط، بل لأنها تعكس خللاً عميقاً في فلسفة التعليم وممارساته.


لم تعد المسألة في عدد الغياب بقدر ما أصبحت في سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم يعد الطالب يشعر بالحاجة إلى الحضور أصلاً؟


على مدى سنوات، اجتهدت الإدارات التعليمية في إطلاق المبادرات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الحوافز، ومع ذلك بقي الغياب يتسلل بهدوء، بل ويتصاعد أحياناً، ما يعني أن المشكلة لا تكمن في قلة البرامج، ولكن في طبيعة التجربة التعليمية ذاتها!


الطالب اليوم لا يغيب لأنه مهمل بالضرورة، يغيب لأنه لا يرى فرقاً حقيقياً بين أن يكون في الصف أو خارجه، وحين تصبح الحصة مجرد إعادة لما هو مكتوب في الكتاب، أو شرحاً يمكن تعويضه بسهولة عبر أي وسيلة، فإن الغياب لا يُشعره بالخسارة، فقد يبدو له خياراً منطقياً.


الأخطر من ذلك أن كثيراً من الطلاب يغيبون دون أن يشعروا بتراكم واجبات أو ضغط معرفي أو حتى قلق من الاختبارات، وكأن النظام التعليمي نفسه لم يعد يبني تدرجاً حقيقياً يجعل الحضور ضرورة لا بديل لها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الأسر، إذ لم يعد غياب الابن يثير القلق ذاته كما كان في السابق، حيث أصبح يُمرر أحياناً بسهولة، أو يُبرر بذرائع مختلفة، مما يُضعف أي محاولة مدرسية لبناء الانضباط.


المفارقة اللافتة أن الطلاب قبل عامين تقريباً انضبطوا بشكل كبير بسبب خبر غير مؤكد عن إحالة ولي الأمر للنيابة العامة ولحقوق الطفل في حال تكرار الغياب، وهو ما يكشف أن الأنظمة ليست غائبة، بل هيبتها هي التي تراجعت، وأن الطالب وولي الأمر يستجيبان حين يشعران بجدية التطبيق لا بمجرد وجود النص.


وحتى القرارات الأخيرة التي تربط الغياب بالرسوب، فإن أثرها يظل مرهوناً بمدى وضوحها وتطبيقها الفعلي، لا بمجرد الإعلان عنها.


وفي قلب هذه المعادلة يقف المعلم، ليس بوصفه سبباً مباشراً للأزمة، ولكن بوصفه عنصراً حاسماً في إعادة تشكيل قيمة الحصة، فحين تكون الحصة تقليدية، بلا تفاعل أو تحدٍ أو ارتباط بحياة الطالب، فإنها تفقد قدرتها على الجذب، أما حين تتحول إلى تجربة تعليمية حقيقية، فإن الطالب يشعر أن غيابه خسارة فعلية لا يمكن تعويضها بسهولة.


من هنا يتضح أن التعويل على الفعاليات والمغريات وحدها لا يمكن أن يكون حلاً مستداماً، فهي قد تنجح في جذب الطالب ليوم أو أسبوع، لكنها لا تبني دافعاً داخلياً دائماً، لأن القضية في جوهرها ليست في تحفيز الحضور، إنما في جعل الحضور ذا قيمة.


وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل لا ينبغي تأجيله: هل ما زال الحضور اليومي التقليدي هو الخيار الأمثل لجميع الطلاب؟ أم أننا بحاجة إلى الاعتراف بأن نموذج «مقاس واحد للجميع» لم يعد صالحاً في زمن تتسارع الفروق الفردية وتتنوع أنماط التعلم؟


الواقع يشير إلى أن بعض الطلاب لا يتفاعل مع الإيقاع المدرسي التقليدي، ليس ضعفاً، إنما اختلاف. وهنا تبرز الحاجة إلى مسارات تعليمية أكثر مرونة داخل المنظومة المدرسية، تتيح للطالب أن يتعلم وفق نمط يتناسب مع قدراته، مع الحفاظ على معايير واضحة للتقييم والانضباط.


إن الاستمرار في فرض نمط موحد قد يُنتج حضوراً شكلياً دون أثر حقيقي، بينما فتح مسارات مرنة مبتكرة ومنظمة قد يعيد تعريف جودة التعلم، ويوجه الجهد التربوي نحو تحقيق نتائج فعلية بدل الاكتفاء بمؤشرات شكلية للحضور والانضباط.


وقد يكون من المجدي التفكير في نماذج مرنة (مثل يوم أو يومين عن بعد)، لكن بشرط أن تكون الأيام الحضورية عالية القيمة، لا تقليدية.


إن استعادة الحضور المدرسي لا يمكن أن تتحقق عبر التشديد وحده، ولا عبر الترفيه وحده، يتم ذلك عبر إعادة بناء التجربة التعليمية بحيث يصبح الغياب خسارة حقيقية يشعر بها الطالب، ويصبح الحضور استثماراً يومياً في ذاته، وعندها فقط يمكن أن تعود للمدرسة هيبتها، لا بوصفها مكاناً يُلزم الطالب بالحضور، ولكن بوصفها بيئة لا يستطيع الاستغناء عنها.

00:01 | 23-04-2026

حين تتحول الجوائز إلى غاية.. من يُنقذ التعليم من زحام التصفيق؟

في مشهدٍ يتكرر كل عام، تتزاحم منصات التتويج، وتلمع صور الفائزين، وتُعلّق اللافتات التي تعلن عن «إنجازات» المدارس في المسابقات الطلابية. نُصفّق طويلاً، نحتفي، ونمنح الجوائز، ثم.. ننسى أن نسأل السؤال الأهم: ماذا حدث داخل الفصل؟ ماذا تعلّم الطالب فعلاً؟


ليست المشكلة في المسابقات ذاتها، ولا في تكريم المتفوقين، فذلك جزء أصيل من ثقافة التحفيز. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الفوز هدفاً قائماً بذاته، يتقدم على التعلم، ويزاحم جوهر العملية التعليمية حتى يكاد يطغى عليه.


في كثير من المدارس، لم تعد المسابقة نشاطاً داعماً للتعلم، أصبحت مشروعاً قائماً بذاته، تُسخّر له الجهود، وتُعاد جدولة الحصص، وتُستنزف فيه طاقات المعلمين والطلاب.


يتحول الطالب من متعلّم يبحث عن الفهم، إلى متسابق يبحث عن منصة. ويجد المعلم نفسه في سباقٍ موازٍ: كيف يُخرّج فائزاً؟ لا كيف يُنشئ متعلماً.


لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد.. بل تتجاوزها إلى مستوى أكثر إقلاقاً.


ففي بعض القطاعات التعليمية، لم يعد «الفوز» نتاج بيئة تعليمية حقيقية، بل أصبح -في حالات متزايدة- نتيجة تعاقدات مع شركات متخصصة، تُقدّم خدمات «جاهزة» لإعداد الطلبة للمسابقات، وتضمن -بشكل أو بآخر- تحقيق الجوائز والتفوق. وهنا لا نتحدث عن دعمٍ تدريبي مشروع، بل عن صناعة موازية، تُدار بعقلية النتائج، لا بعقلية التعليم.


المفارقة المؤلمة، أن بعض المدارس لم تعد تُقيّم بناءً على جودة تعلم طلابها، أو عمق مخرجاتها، بل على عدد الجوائز التي تحققها. وكأننا -دون أن نشعر- استبدلنا مؤشرات التعليم الحقيقية، بمؤشرات دعائية لامعة.


لأننا حين يصبح «عدد الكؤوس» معياراً، فإننا نفتح الباب لتشوهات خطيرة:


مدارس تُجمّل صورتها خارجياً، بينما يعاني طلابها داخلياً. وميدانٌ تعليمي ينشغل بما يُعرض، أكثر مما يُبنى.


الأخطر من ذلك، أن هذه الثقافة تُعيد تعريف التفوق بصورة مشوّهة. التفوق لم يعد رحلة تراكمية من الفهم والمهارة، بل لحظة تتويج عابرة!


طالبٌ لم يفز.. يُهمّش. وآخر فاز.. يُقدّم بوصفه النموذج، حتى وإن كان فوزه نتيجة تدريب مكثف على نمط محدد من الأسئلة أو المهام، لا انعكاساً حقيقياً لعمق معرفي.


وهنا تتسلل مفارقة صامتة: نُكافئ «النتيجة» أكثر مما نبني «الإنسان».


لقد أصبحنا -دون أن نشعر- نربي جيلاً يربط قيمته بالتصفيق، ويقيس نجاحه بعدد الجوائز، لا بقدرته على الفهم، والتحليل، والاستمرار في التعلم.


جيل قد يتفوق في منصة، لكنه يتعثر خارجها، لأنه لم يُمنح ما يكفي من الوقت ليخطئ، ليتأمل، ليتعلم بهدوء بعيداً عن ضجيج المنافسة.


إن الإفراط في المسابقات، وتضخم جوائز التفوق، لا يستهلك فقط الوقت والجهد، إنما يُعيد توجيه البوصلة التعليمية بالكامل. تصبح المدرسة مساحة لإنتاج «قصص نجاح سريعة»، بدل أن تكون بيئة لبناء عقول عميقة. ويصبح الإنجاز لحظياً، لا ممتداً.


ولنكن صريحين: كم من طالبٍ شارك في عشرات المسابقات وفاز، لكنه لا يملك مهارات أساسية في التفكير أو التعبير؟ وكم من مدرسةٍ حصدت الجوائز، لكنها تعاني ضعفاً في مخرجاتها التعليمية الحقيقية؟


المشكلة إذاً ليست في قلة الجهد، بل في سوء توجيهه. فنحن لا نحتاج إلى المزيد من المسابقات بقدر ما نحتاج إلى مزيد من «التعليم الحقيقي». نحتاج إلى فصلٍ هادئ، يُطرح فيه سؤال عميق، لا إلى منصةٍ صاخبة يُرفع عليها كأس. نحتاج إلى معلمٍ يُتقن بناء الفهم، لا إلى مدربٍ يُجيد تجهيز طالبٍ لمسابقة.


إن التعليم ليس عرضاً مسرحياً، ولا سباقاً قصير المدى. هو عملية بطيئة، تراكمية، تُبنى فيها العقول لبنةً لبنة. وكل ما يشتت هذه العملية -مهما بدا لامعاً- يجب أن يُعاد النظر فيه.


ليس المطلوب إلغاء المسابقات، ولكن إعادة وضعها في حجمها الطبيعي: نشاطٌ داعم، لا محور مهيمناً. أداة تحفيز، لا معيار تفوق. مساحة تجربة، لا منصة حكم.


كما أن جوائز التفوق بحاجة إلى مراجعة عميقة. فحين تتحول إلى حافز مادي ضخم، فإنها تُدخل الطالب في معادلة «العائد» بدل «القيمة»، وتُضعف الدافعية الداخلية للتعلم. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمعنى، لا للمبلغ.


في النهاية، السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:


هل نُعلّم أبناءنا.. أم نُدير لهم مواسم تنافس؟


شعار التعليم أولاً.. ثم كل شيء. ليس مجرد عبارة إنشائية، هو مبدأ يجب أن يُحمى. فحين ينشغل الميدان التعليمي بكل ما هو خارج جوهره، فإن الخسارة لا تكون في جائزة ضاعت، ستكون في جيلٍ لم يُبنَ كما ينبغي.


ولعل أخطر ما في الأمر، أن الضجيج قد يُخفي الخلل.. لكنه لا يُصلحه.

00:01 | 17-04-2026

تفكيك غير منضبط لمنظومة التقييم الدراسي لطلابنا!

في لحظةٍ ما، فقدنا البوصلة. فلم يعد الطالب يعرف كيف يُقاس مستواه الدراسي، ولا المعلم كيف يُقوِّم، ولا ولي الأمر كيف يقرأ نتائج ابنه بثقة واطمئنان! تحوّل التعليم من مسار واضح المعالم إلى متاهة من الأنظمة والتجارب المتلاحقة التي لا تستقر على حال، حتى بات المشهد أقرب إلى حالة من الارتباك الجماعي منه إلى منظومة تعليمية ناضجة.

لسنا ضد التطوير، ولا نقف في وجه التحديث، لكن ما نعيشه اليوم لا يمكن وصفه بالتطوير بقدر ما هو تفكيك غير منضبط لمنظومة التقييم، حيث تتزاحم الاختبارات، وتتبدل الأوزان، وتتعدد النسب، وتظهر مواد تُقيَّم بلا اختبار، وأخرى يُضاعف وزن اختبارها، في مشهد أقرب إلى تركيبة حسابية معقدة منه إلى نظام تربوي متماسك.

ولعل أحد أبرز تجليات هذا الاضطراب ما شهدناه حتى في المسميات ذاتها؛ فالإدارة التي كانت تُعرف يوماً بـ«إدارة الاختبارات» أصبحت «القياس والتقويم»، ثم تحولت إلى «التحصيل المعرفي»، وكأننا أمام رحلة أسماء تشرق وتغرب بلا اتجاه واضح.

لم يتغير الاسم لأن المفهوم استقر، بل تغيّر لأن الرؤية لم تكتمل، فأصبح التغيير شكلياً في كثير من الأحيان، لا يمس جوهر الإشكال بقدر ما يعيد تغليفه بمصطلحات جديدة، بينما يظل الميدان على حاله من الحيرة والتشتت!

قبل أكثر من أربعة عقود، لم يكن التعليم مثالياً، لكنه كان واضحاً ومفهوماً للجميع. نظام بسيط يحدد 50 درجة للفصل، منها 15 لأعمال السنة و35 للاختبار النهائي، وفي نهاية العام يُحسم النجاح بوضوح دون تعقيدات أو تفريعات مرهقة. لم يكن الطالب بحاجة إلى آلة حاسبة ليفهم موقعه، ولا المعلم مضطراً لتفسير منظومة درجات معقدة، ولا ولي الأمر في حيرة من أمره أمام نتائج مبهمة.

اليوم تغيّر كل شيء إلا النتيجة، فلم يتحقق التقدم المأمول، بل تراجعنا في جوهر العملية التعليمية، في وضوح القياس، وعدالة التقييم، وثقة المجتمع في مخرجات التعليم.

أصبح لدينا اختبارات مدرسية تختلف من مدرسة إلى أخرى، واختبارات وطنية مثل نافس، واختبارات قدرات وتحصيلي وموهبة، وتقييمات تكوينية ومهارية، وقائمة تطول من المسميات، وكل اختبار يدّعي أنه يقيس جانباً من الحقيقة. لكن أي حقيقة هذه التي تتعدد أدوات قياسها إلى هذا الحد؟

هل نقيس الطالب فعلاً، أم نقيس المعلم، أم نحاول قياس المدرسة والنظام والمجتمع دفعة واحدة؟ المفارقة المؤلمة أن الطالب قد يتفوق في نظام ويتعثر في آخر، وينجح في اختبار ويخفق في آخر، وكأننا أمام أكثر من طالب في جسد واحد، بينما الحقيقة أن الخلل في أدوات القياس نفسها لا في الطالب.

بهذا التشتت، فقد الاختبار مكانته. لم يعد ذلك الحدث التعليمي الذي يُستعد له بجدية ويُدرك أنه محك حقيقي للفهم والتحصيل، بقدر ما أصبح مجرد عنصر ضمن منظومة متشعبة يمكن تعويضه أو الالتفاف عليه أو تذويبه داخل نسب وأوزان لا يفهمها كثيرون.

الطالب الآن بات يتعامل مع الاختبار بعقلية حسابية بحتة، يسأل كم يحتاج ليحقق درجة معينة بعد احتساب التقييم والمشاريع والمشاركة، وكأن الهدف لم يعد التعلم، بل إدارة الدرجات.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن التعليم حين يتحول إلى لعبة أرقام يفقد روحه، وحين يفقد الاختبار هيبته يفقد الطالب دافعيته، وحين تتعدد أدوات القياس دون اتساق تضيع العدالة!

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الأدوات للقياس والتقييم، نحتاج وضوحاً في الرؤية وشجاعة في القرار. نحتاج إلى إعادة الاعتبار للاختبار كأداة رئيسة لقياس التحصيل، اختبار واضح وعادل يُبنى على أهداف دقيقة ويقيس الفهم لا الحفظ، والمهارة لا التلقين.

كما نحتاج إلى تقليل هذا التضخم في أدوات التقييم، بحيث يكون لكل أداة دور محدد ومفهوم، لا أن تتداخل الأدوار وتتكرر القياسات وتُستهلك الجهود دون أثر حقيقي. فالتعليم لا يتقدم بكثرة الاختبارات، ولكن بجودة القياس، ولا يُبنى بتعدد النماذج، وإنما باتساقها وانضباطها.

إن الإصرار على التعقيد تحت شعار التطوير لا يصنع تعليماً أفضل، يصنع نظاماً هشاً يفقد ثقة الميدان، ويُربك الطالب، ويُرهق المعلم، ويُدخل الجميع في دائرة من الشك في النتائج.

والمسؤول اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس اختباراً للطلاب، بقدر ما هو اختبار للقرار التربوي التعليمي ذاته، بين الاستمرار في هذا التشتت أو التوقف لإعادة بناء منظومة تقييم واضحة وعادلة تعيد للتعليم هيبته ومعناه. فالتعليم ليس ساحة تجارب مفتوحة بلا نهاية، والطلاب ليسوا حقول اختبار لفرضيات متغيرة، بل هم أمانة ومسؤولية، وأي خلل في قياسهم هو خلل في مستقبلهم.

ويتساءل كثيرون عن اختفاء الرسوب للطلاب من مدارسنا؟!

وأقولها بكل حسرة، إن اختفاء الرسوب لم يكن نتيجة تطور تربوي خالص أو منهجية تعليمية مبتكرة، بل في جانب منه انعكاسٌ لقلقٍ متزايد من الأرقام والمؤشرات، حيث أصبح النجاح الجماعي معياراً إدارياً يُقاس به أداء المدرسة، لا مستوى التعلم الحقيقي. هكذا تحوّل الرسوب من أداة تشخيص وتقويم إلى عبءٍ يُراد التخلص منه، وكأن بقاء الطالب دون إتقان هو الهدر الحقيقي، لا انتقاله دون أساسٍ متين.

في جوهره، لم يكن الرسوب يوماً عقوبة، كان فرصة لإعادة البناء؛ لحظة صادقة يواجه فيها الطالب فجواته، ويُمنح وقتاً إضافياً للنضج العلمي والمهاري. إن التجربة الإنسانية تثبت أن التعثر الواعي قد يكون أكثر أثراً من النجاح السريع، لأنه يرسّخ الفهم، ويُعيد ترتيب العلاقة مع المعرفة.

أما حين يُلغى الرسوب تماماً، فإننا لا نلغي الفشل، ولكننا نؤجله ونرحّله إلى مراحل لاحقة تكون كلفته أعلى، سواء في الجامعة أو سوق العمل. التعليم الحقيقي لا يخشى من إعلان الضعف، بل يخشى من تجميله.

لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح: كفانا عبثاً. آن الأوان أن نعيد للاختبار مكانته، وللتقييم معناه، وللتعليم وضوحه، قبل أن نجد أنفسنا أمام جيل يحمل أرقاماً عالية، لكنه يفتقد أبسط معايير القياس الحقيقي!

00:03 | 10-04-2026