أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1890.jpg?v=1778067387&w=220&q=100&f=webp

منى عبد المحسن العيبان

آن الأوان... أن نحسم أسئلة تعليمنا

في العربية، «آن» فعل ماضٍ، لكننا حين نقول «آن الأوان» نتطلع إلى فعل لم يحدث بعد. كأن اللغة تعلن أن الانتظار أخذ نصيبه، ثم تسألنا: ماذا سنفعل؟ وفي تعليمنا ملفات تستحق هذه العبارة؛ لأن الطالب يواصل رحلته، والمعلم يؤدي عمله، والأسرة ترتب مستقبل أبنائها، بينما يحتاج الجميع إلى إجابات واضحة عن الوجهة، وعن أثر ما نطبقه في المدرسة.

لدينا طموح تعليمي كبير، وحركة تطوير تستحق أن يصاحبها حوار بالقدر نفسه من الجدية. ومن حق هذا الطموح علينا أن نسأل عن النتائج، وأن نراجع التجارب، وأن نميز بين قوة الفكرة وجودة تنفيذها. فالمشروع الذي يخضع للسؤال تتاح له فرصة التصحيح، والقرار الذي تُشرح أسبابه يجد في الميدان شركاء يفهمونه ويستطيعون العمل به.

آن الأوان أن نسأل عن نظام المسارات في المرحلة الثانوية: هل حقق ما نرجوه من توسيع خيارات الطالب وربط تعليمه بميوله ومستقبله؟ وهل الخيارات المتاحة فعليًا في المدارس تمنحه هذا الحق؟ ما الذي تقوله تجربة الخريجين، والقبول الجامعي، وتوافر المعلمين والتجهيزات؟ والسؤال الأكثر صراحة: هل تعثرت التجربة في جوانب جوهرية، ونخجل من تسمية التعثر؟ وهل بلغ شيء منها حد الفشل وفق معايير معلنة؟ نحتاج إلى تقييم يبين ما نجح، وما تعثر، وما ينبغي تعديله، حتى يكون الحكم على التجربة معلوم الأسباب.

آن الأوان أن يتضح مستقبل الإشراف التربوي. مع التحول نحو تمكين المدرسة ودعم تميزها، هل هناك توجه لإلغاء الإشراف التربوي بالكامل، أم لإعادة بناء وظائفه وأدواره؟ وما حدود كل احتمال؟ من يساند المعلم في تخصصه، ومن يساعد المدرسة حين تحتاج إلى خبرة لا تتوافر داخلها؟ وكيف نضمن ألا تتحول زيادة مسؤوليات المدرسة إلى عبء يتجاوز صلاحياتها ومواردها؟ يحتاج الميدان إلى صورة واضحة لما سيبقى، وما سيتغير، وكيف سيصل الدعم إلى الصف الدراسي.

آن الأوان أن نفتح ملف الرخصة المهنية والتميز المدرسي والاعتماد. لهذه الأدوات وظائف مختلفة، وللاعتماد المدرسي نطاق يختلف عن الاعتماد الأكاديمي في التعليم العالي، لكن سؤال الأثر يجمعها: ماذا أضافت إلى جودة التعليم؟ وما الكلفة المالية والزمنية والإدارية التي يتحملها المعلم والمؤسسة؟ وكيف توزن هذه الكلفة بما يتحقق من تحسن؟ وهل الأولوية في تصميمها للجودة التربوية، أم تغلب عليها اعتبارات الرسوم والإيرادات أو خفض النفقات؟ كفاءة الإنفاق مطلوبة؛ فما المؤشرات التي تؤكد أن الموارد والوقت المبذولين يصل أثرهما إلى تعلم الطالب، وإلى دعم المعلم في عمله؟

آن الأوان أن نسأل عما يأتي بعد الاختبار. «نافس»، والاختبارات الدولية، والاختبارات المركزية، أدوات تختلف في أغراضها ونطاقها، ولا يصنع القياس وحده طالبًا متفوقًا. السؤال: هل تحولت نتائجها إلى تدخلات تعليمية حسّنت القراءة والفهم والتفكير والحساب؟ هل يعرف المعلم ماذا تغير في تدريسه بناء عليها؟ وهل تجد المدرسة التي كشفت النتائج حاجتها إلى المساندة دعمًا يناسب تلك الحاجة؟ وكيف نتحقق من أن ارتفاع الدرجة يعكس تعلمًا أعمق يمتد إلى مواقف جديدة، وأن الاستعداد للاختبار يحفظ وقت التعلم واتساعه؟ نريد أن نرى ما الذي صنعناه بالنتيجة بعد أن عرفناها.

آن الأوان أن يتصالح طلابنا مع اختبارات القدرات والتحصيلي؛ والمصالحة هنا تعني وضوح العلاقة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يُطلب منه عند بوابة الجامعة. إلى أي مدى تُبنى المهارات اللازمة داخل يومه الدراسي؟ وكيف تتاح له تهيئة جيدة بصرف النظر عن قدرة أسرته على دفع تكاليف التدريب؟ وما الذي تقوله الدراسات عن عدالة الفرص، وعن علاقة نتائج هذه الاختبارات بالأداء الجامعي اللاحق؟ وهل نستمع إلى تجربة الطالب نفسه، وإلى ما يحتاجه ليفهم الاختبار ويستعد له بثقة؟ مستقبل الطالب يستحق أن تتكامل أدوات تعليمه وتقويمه وقبوله، وأن يعرف الطريق الذي يسير فيه.

آن الأوان أن تتضح أيضًا وجهة الخصخصة والشركات التعليمية. أي وظائف تعليمية وتشغيلية يراد إسنادها إلى القطاع الخاص؟ وما نطاق ذلك، ومراحله، ومواعيد التنفيذ؟ وكيف تُقاس جودة الخدمة، وتُحمى عدالة الوصول إليها، وتُشرح آثار التحول على العاملين والأسر؟ مشاركة القطاع الخاص يمكن أن تفتح فرصًا، لكن تقديرها يحتاج إلى معرفة النموذج وشروطه ومسؤوليات أطرافه. والسؤال عن الموعد يصاحبه سؤال عن الجاهزية: ماذا أُعدّ لضمان أن ينعكس التغيير في التشغيل على تجربة الطالب داخل المدرسة؟

هذه الملفات تلتقي عند طالب واحد. يختار مسارًا، ويتعلم على يد معلم، وتُقوَّم مدرسته، ويدخل اختبارات، ثم يتطلع إلى الجامعة والحياة. لذلك نحتاج، إلى جانب إجابة كل ملف، إلى إجابة عن العلاقة بينها: من يقرأ أثرها مجتمعة على رحلته؟ وهل تصل الرسائل إلى الطالب وأسرته في صورة يستطيعان فهمها والتخطيط على أساسها؟

آن الأوان لإجابات تتضمن بيانات قابلة للفهم، وتقييمًا معلنًا، وخطة للتحسين، ومواعيد يمكن متابعة ما يتحقق فيها. ويمكن أن يبدأ ذلك ببيان دوري يشرح لكل ملف: ما هدفه؟ أين وصل؟ ماذا تعلمنا من تطبيقه؟ وما الخطوة التالية؟ الاعتراف بالتعثر يمنح التطوير فرصة، وشرح النجاح يمنح الميدان معرفة يمكن البناء عليها. آن الأوان أن نحسم ما يحتاج إلى قرار، وأن نشرح ما يحتاج إلى وقت؛ فطلابنا يعيشون تعليمهم الآن، وكل عام يمر يصبح جزءًا من مستقبلهم.

منذ يوم

الماجستير المهني.. هل يصنع معلماً يدير فصلاً؟

حين يُغلق باب الفصل، يبدأ الاختبار الحقيقي للمعلم. أمامه طلاب تتفاوت قدراتهم، وأسئلة لم يتوقعها، ووقت محدود، ودرس ينبغي أن يتحول من معلومات في كتاب إلى معرفة في أذهانهم. في تلك اللحظة تظهر قيمة الإعداد الذي تلقاه، وقدرته على الجمع بين العلم والتربية وإدارة الموقف. ومن هنا أقرأ فكرة الماجستير المهني في التدريس، وأرحب بها بوصفها استثماراً في أهم عناصر العملية التعليمية: المعلم.


إطلاق هذا المسار، ضمن مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية وبإشراف المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، يعكس اهتماماً بإعداد المعلم قبل أن يتحمل مسؤولية الفصل. وهي فكرة تستحق الإشادة؛ فمعرفة التخصص لا تكفي وحدها لتدريسه، والتفوق الجامعي لا يمنح صاحبه تلقائياً القدرة على تعليم الآخرين. بين أن تعرف وأن تجعل طالباً يفهم، مساحة واسعة تحتاج إلى إعداد وممارسة وتقويم.


وتزداد أهمية الفكرة حين يجمع البرنامج بين التعلم الأكاديمي والتطبيق الميداني، ويمنح كلاً منهما نصف رحلة التأهيل، وفق التفاصيل المعلنة عنه. هذه الموازنة تضع المدرسة في قلب الإعداد، وتفتح فرصة لتجاوز الفجوة بين ما يتعلمه المرشح في قاعة الدراسة وما يواجهه داخل الفصل. لكن الترحيب بالفكرة يدعونا إلى مناقشة شروط نجاحها؛ لأن طموحها يستحق أسئلة بحجمه.


أول هذه الأسئلة: هل سيخرج لنا البرنامج معلماً يستطيع إدارة فصل؟ وإدارة الفصل هنا أوسع من ضبط الهدوء أو إيقاف الحديث. إنها القدرة على بناء علاقة تربوية، وتنظيم التعلم، وإشراك الطالب المتردد، والتعامل مع الطالب كثير الحركة، واكتشاف من يخفي عدم فهمه بالصمت، ومن يغطي تعثره بالمشاغبة. نريد معلماً يعرف متى يشرح، ومتى يسأل، ومتى يغيّر طريقته، وكيف يحفظ كرامة الطالب وهو يصحح سلوكه.


ولنتخيل معلماً أعد درساً جيداً، ثم اكتشف بعد دقائق أن نصف الفصل لم يفهم. ماذا يفعل؟ هل يواصل تنفيذ خطته كي ينهي المحتوى، أم يستطيع إعادة بناء الدرس بما يناسب طلابه؟ مثل هذه اللحظة ينبغي أن تكون جزءاً من التأهيل والتقييم. نجاح المرشح في كتابة تقرير عن التدريس لا يعادل بالضرورة نجاحه في ممارسته.


وهنا يأتي السؤال عن المدة: هل تكفي عشرة أشهر، أي أقل من عام، لبناء هذه الجاهزية؟ لا يمكن الحكم بالمدة وحدها؛ فقد تكون تجربة مكثفة ومصممة بعناية أكثر أثراً من سنوات يغلب عليها التلقي. لكن قصر المدة يجعل جودة كل أسبوع فيها مسؤولية كبيرة. كم حصة سيقدمها المرشح فعلياً؟ ومن سيراقب أداءه؟ وكم مرة سيتلقى ملاحظات محددة، ثم يعيد المحاولة؟ وهل سيواجه مراحل ومواقف متنوعة، أم تنحصر خبرته في فصل واحد وظروف مريحة؟ التطبيق الميداني يحتاج إلى معلم خبير يرافق المرشح، ومدرسة مهيأة لاستقباله، ومعايير تقيس تقدمه. فإذا اقتصر على الحضور والمشاهدة وتعبئة النماذج، فقد نفقد أهم ما يمنح البرنامج قيمته. أما إذا تدرج المرشح من الملاحظة إلى المشاركة، ثم تحمل مسؤولية التدريس تحت إشراف جاد، فسنكون أمام تجربة يمكن أن تبني أساساً مهنياً حقيقياً. ويظل هذا الأساس محتاجاً إلى دعم خلال السنة الأولى من العمل.


وسؤال آخر يتعلق بالجامعات والجهات التي ستشارك في التنفيذ: هل تمتلك الجاهزية لهذا النوع من الإعداد؟ لدى الجامعات خبرات علمية وتربوية تستحق التقدير، لكن الماجستير المهني يختبر قدرتها على وصل المعرفة بالممارسة اليومية في المدارس. من سيؤهل المرشحين؟ وما مدى صلته الحديثة بالفصل؟ وكيف ستُبنى الشراكة بين الأستاذ الجامعي والمعلم الممارس؟ وهل ستتغير أدوات التقييم بما يناسب طبيعة المسار؟ هذه الأسئلة ضرورية حتى لا يصبح البرنامج امتداداً للصيغ المعتادة في بعض الدورات والدبلومات، مع اسم أكاديمي أعلى. فالفرق الذي ننتظره ينبغي أن يظهر في المحتوى، والإشراف، وصرامة التقييم، وفي قدرة الخريج على التدريس. ومن حق المجتمع أن يرى لاحقاً كيف انعكس هذا الإعداد على أداء المعلمين وتعلم الطلاب.


ثم تأتي مسألة التوظيف، وهي في صميم قرار الشاب أو الشابة الالتحاق بالبرنامج. الإعلان الرسمي يتحدث عن إتاحة فرص تعاقد للمجتازين عبر شركة تطوير للخدمات التعليمية، وفق المعايير المعتمدة والاحتياج الفعلي. وهذا يفتح سؤالاً مشروعاً: ما الذي يعنيه القبول بالنسبة إلى المستقبل الوظيفي؟ وهل تتناسب أعداد المقبولين مع الوظائف المتوقعة عند تخرجهم؟ وما الشروط التي تبقى بعد اجتياز البرنامج؟ نحتاج إلى وضوح مبكر يتيح للمتقدم اتخاذ قراره على بينة. هل يدخل مساراً مرتبطاً بفرصة محددة، أم يحصل على تأهيل يمنحه أهلية المنافسة؟ وما طبيعة العقد، ومكان العمل، والحقوق، ومسار التطور المهني؟ وضوح هذه التفاصيل يعزز الثقة في البرنامج، ويمنع أن يبني المتقدم توقعاته على فهم يتجاوز ما يضمنه الإعلان.


وتقودنا الفكرة إلى سؤال أوسع: هل يتجه التعليم إلى إعداد مهني يشبه، في منطقه، إعداد الطبيب؟ في الطب تحظى الممارسة تحت الإشراف بمكانة أساسية، وتسبق الاستقلال في تحمل المسؤولية. ويمكن للتعليم أن يستفيد من هذا المنطق، مع مراعاة اختلاف طبيعة المهنتين. فالطالب أيضاً يستحق أن يقف أمامه معلم مارس وتلقى التغذية الراجعة وأثبت جاهزيته.


لكن رفع متطلبات الدخول إلى المهنة ينبغي أن يصاحبه اهتمام بجاذبيتها. وإذا امتدت رحلة التأهيل بعد البكالوريوس، فهل لدينا ما يجعل الشباب يقبلون عليها بشغف؟ لا تحدد التفاصيل المتاحة سبع سنوات لإعداد المعلم، لكن السؤال عن مجموع سنوات الدراسة وكلفتها والانتظار يظل مهماً. ماذا ينتظر الخريج في نهاية الطريق؟ وما المزايا المالية التي تقابل تأهيله ومسؤوليته؟ وهل يجد فرصاً واضحة للنمو والتقدم؟ الشغف بالتعليم قيمة عظيمة، وهو يحتاج إلى بيئة تحميه. المعلم الذي نطالبه بإعداد أعمق يستحق مساراً مهنياً واضحاً، وتقديراً مادياً مناسباً، وظروفاً تساعده على أداء رسالته. وحين تتكامل جودة الإعداد مع جاذبية المهنة، نستطيع استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.


الماجستير المهني في التدريس فرصة تستحق الدعم، والأسئلة حوله تعبر عن ارتفاع التوقعات منه. نريده بداية لتحول يمكن أن يراه مدير المدرسة في أداء المعلم، ويلحظه ولي الأمر في تجربة ابنه، ويشعر به الطالب كل يوم. فالشهادة تُمنح عند نهاية البرنامج، أما قيمتها الحقيقية فتظهر حين يبدأ المعلم درسه، ويجد أمامه طلاباً استطاع أن يصل إليهم، ويعلمهم، ويجعلهم يحبون التعلم.

00:02 | 4-10-2026

مجمع الملك سلمان أمل العربية من العالم إلى مدارسنا

لم تكن زيارتي لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية زيارة إلى مؤسسة ثقافية فحسب؛ كانت اقترابًا من مشروع وطني كبير يرى العربية كما ينبغي أن تُرى: هويةً وسيادةً، وأداة معرفة، وقوةً حضارية قادرة على العبور إلى العالم. هناك لا تُعامل اللغة بوصفها ميراثًا نخشى عليه، وإنما مستقبلًا نخطط له، ونبني أدواته، ونقيس أثره.

لقد أبدع المجمع في تقديم العربية إلى العالم؛ فانتقل بها من الاحتفاء العاطفي إلى العمل المؤسسي، وفتح أمامها آفاقًا داخل المملكة وخارجها، عبر تعليمها للناطقين بغيرها، وتأهيل معلميها، وإعداد مناهجها، وتطوير منصاتها الرقمية، وبناء اختبار «همزة» لقياس الكفاية فيها. ومن مركز «أبجد» إلى البرامج الدولية والشراكات الثقافية، بدت العربية لغةً واثقة تخاطب العالم بأدوات العصر، وتدعوه إلى اكتشافها وما تحمله من ثقافة وذاكرة إنسانية.

غير أن هذا النجاح العالمي يوقظ سؤالًا محليًا ملحًا: إذا استطعنا أن نعلّم العربية للأجنبي بطريقة حديثة وجاذبة، فكيف نعيدها إلى بعض أبنائها الذين ابتعدوا عنها وهم يعيشون بيننا؟

في المدارس العالمية خصوصًا، نلتقي طلابًا وطالبات يتفوقون في لغات أخرى، لكنهم يعانون ضعفًا واضحًا في القراءة والكتابة والتعبير بالعربية. وتبدو المشكلة أكثر حضورًا لدى بعض أبناء المبتعثين الذين وُلدوا خارج المملكة، أو أمضوا سنوات تكوينهم الأولى في مدارس أجنبية، ثم عادوا وهم يحملون هوية عربية وانتماءً وطنيًا صادقًا، لكن صلتهم اللغوية بالعربية أضعف من أعمارهم وقدراتهم. هؤلاء لا ينقصهم الذكاء ولا الرغبة؛ إنما يحتاجون إلى مناهج تراعي تجربتهم، ومسارات تأسيس لا تشعرهم بالعجز، ومعلمين يعرفون كيف يعيدون بناء الجسر بينهم وبين لغتهم.

ولعل التحدي في هذه الفئة أنها لا تنتمي تمامًا إلى برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، ولا تستفيد دائمًا من مناهج صُممت لمن يتقنها منذ طفولته؛ فتقع في منطقة تعليمية بين المسارين. وهذا يستدعي إطارًا خاصًا يحدد مستوياتها واحتياجاتها، ويجمع بين التأسيس اللغوي والمحتوى الوطني والثقافي، ويمنح المدرسة أدوات مرنة للتدخل. فالطالب الذي يتعثر في لغته لا يخسر درجة فقط؛ قد يخسر شيئًا من قدرته على التواصل مع أسرته، وقراءة تاريخه، والتعبير عن انتمائه.

ومن هنا تتضاعف أهمية «السياسة الوطنية للغة العربية»، التي أقرها مجلس الوزراء، وعمل المجمع على بناء إطارها العام وصياغة مبادئها، وأُنيط به متابعة تنفيذها. فالسياسة ليست وثيقة للاحتفاء؛ إنها انتقال من المبادرات المتفرقة إلى عمل وطني منظم، تصبح فيه العربية مسؤولية مشتركة في التعليم والإعلام والأعمال والفضاء الرقمي، وتتحول مكانتها من أمنية ثقافية إلى أهداف ومؤشرات ونتائج قابلة للقياس.

وهنا، أرى مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية أملًا منتظرًا لمدارسنا؛ بما يملكه من مرجعية وخبرة وكفاءات تستطيع الإسهام في تطوير مناهج اللغة العربية، بالتنسيق والتكامل مع وزارة التعليم والمركز الوطني للمناهج، المسؤول عن حوكمة منظومة المناهج وتطوير محتواها. فهذا التكامل قادر على الجمع بين الخبرة اللغوية المتخصصة، والرؤية التربوية، ومتطلبات المدرسة، واحتياجات الأجيال الجديدة.

كما نحتاج إلى تدريب نوعي للمعلمين والمعلمات، وبناء أدوات تشخيص وقياس تكشف مواضع الضعف مبكرًا، وإطلاق برنامج وطني مخصص لطلاب المدارس العالمية وأبناء المبتعثين العائدين، ينظر إلى العربية لديهم بوصفها لغة تحتاج إلى استعادة وتمكين، لا مادة دراسية أخرى يُطالبون بحفظ قواعدها.

لا تحتاج مدارسنا إلى مزيد من القواعد المنفصلة عن الحياة؛ حاجتها الحقيقية إلى طالب يقرأ بفهم، ويكتب بوضوح، ويتحدث بثقة، ويعبّر عن نفسه بلغة سليمة وجميلة. نريد العربية في القصة والمسرح والمناظرة والإذاعة والمحتوى الرقمي، وألا تبقى محصورة في سؤال إعراب وورقة اختبار. فاللغة لا تُبنى بالحفظ وحده، وإنما بالممارسة والدهشة والشعور بأنها نافذة الإنسان إلى نفسه والعالم.

ولا يعني ذلك أن يحل المجمع محل المؤسسات التعليمية، فالمطلوب أن يقود معها شراكة وطنية واسعة تصل إلى المدرسة والمعلم والطالب والأسرة. فالعربية التي حقق لها المجمع حضورًا عالميًا تستحق أن تحظى بالحضور نفسه في يوم أبنائنا، وأن يشعر الطالب بأنها ليست عبئًا في جدوله؛ إنها صوته وهويته وأداته لفهم ذاته وبلاده.

خرجت من المجمع أكثر يقينًا بأن العربية وجدت بيتها الكبير، وأن هذا البيت قادر على أن يفتح أبوابه لمدارسنا. فمستقبل اللغة لا يبدأ من الخطب التي نلقيها دفاعًا عنها؛ يبدأ من طفل يقرأها بمحبة، ويكتبها بثقة، ويكتشف أن أجمل ما يستطيع أن يقول به نفسه... لغته.

00:00 | 27-09-2026

هل يمكن أن تُدار المدرسة بعقلية السوق؟

لم يكن الاجتماع الأول لمجلس شؤون التعليم العام مجرد تدشين لمجلس جديد في منظومة التعليم، بقدر ما كان بداية لمرحلة مختلفة في حوكمة التعليم العام وصناعة قراراته. ومن بين الملفات التي استعرضها المجلس مشروع ضوابط الإسناد للشراكة مع القطاع الخاص وغير الربحي في التعليم العام، وهو ملف يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ ليس اعتراضًا على الشراكة، وإنما لأن نجاحها يبدأ من وضوح السؤال الذي تسبق به الدولة أي عملية إسناد: ما الذي نريد أن يضيفه القطاع الخاص إلى المدرسة؟


هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع نظام التعليم العام الجديد، الذي أعطى مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي مساحة واضحة في المنظومة، سواء في تقديم الخدمات التعليمية أو في الإدارة والتشغيل والاستثمار. فالنظام يتيح للوزارة إسناد بعض مهماتها التعليمية أو إدارة وتشغيل بعض المؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص أو غير الربحي، كما يجيز إسناد بعض الأراضي والمباني التعليمية لإدارتها أو تشغيلها أو استثمارها، ويشجع القطاع الخاص، بما فيه المستثمر الأجنبي، والقطاع غير الربحي على الاستثمار في التعليم العام.


إذن، لم يعد السؤال: هل يشارك القطاع الخاص في التعليم؟ فهذا الاتجاه أصبح جزءًا من التنظيم الجديد للقطاع. السؤال الأهم الآن هو: كيف يشارك؟ وما الحدود الفاصلة بين الاستفادة من عقلية القطاع الخاص في الكفاءة والابتكار، وبين إخضاع المدرسة نفسها لمنطق السوق؟


ثمة فرق كبير بين أن يستعين التعليم العام بالقطاع الخاص، وأن يُدار التعليم بمنطق القطاع الخاص. فالأولى يمكن أن تكون وسيلة مهمة لتطوير الخدمات، ورفع كفاءة التشغيل، وتسريع الإنجاز، وجلب الخبرات والاستثمارات والابتكارات التي يصعب أحيانًا تطويرها بالسرعة نفسها داخل الجهاز الحكومي. أما الثانية فتطرح سؤالًا مختلفًا: هل المدرسة مؤسسة يمكن أن تخضع، في غاياتها وقراراتها، لمعادلات الكلفة والعائد، أم أنها مؤسسة وطنية تتجاوز قيمتها ما يمكن أن يظهر في ميزانية مالية؟


القطاع الخاص ليس متهمًا هنا، ومن الخطأ أن نضع الدولة والسوق في مواجهة مصطنعة. فالقطاع الخاص بطبيعته يبحث عن الكفاءة والاستدامة وحسن إدارة الموارد وقياس الأداء، وهذه مزايا يحتاج إليها التعليم، لا عيوب ينبغي أن يخشاها. بل إن التعليم السعودي يستطيع أن يكسب كثيرًا من مرونة القطاع الخاص وسرعة قراره وقدرته على الابتكار والمنافسة وتطوير الخدمات.


لكن الإشكال يبدأ حين تتحول أدوات السوق إلى غايات للتعليم.


فالطالب ليس عميلًا بالمعنى التجاري، والمعلم ليس موظف مبيعات، والمدرسة ليست فرعًا تجاريًا، والنجاح التعليمي لا يمكن اختزاله في عدد المستفيدين أو خفض تكلفة الطالب أو ارتفاع مؤشرات الرضا. المدرسة تصنع شيئًا أكثر تعقيدًا من الخدمة؛ إنها تبني معرفة وشخصية وقيمًا وانتماءً وقدرة على التفكير والعمل والعيش مع الآخرين.


ولهذا قد يكون القرار التربوي الجيد مكلفًا اقتصاديًا في ظاهره. معلم متميز لعدد أقل من الطلاب قد يكلف أكثر، ومختبر علمي متطور قد لا يُستخدم كل ساعة من اليوم، وبرنامج لمعالجة الضعف القرائي قد يحتاج سنوات قبل أن تظهر آثاره، ومدرسة في قرية صغيرة قد لا تحقق الكفاءة التي يبحث عنها نموذج تجاري، لكنها تحقق للدولة قيمة اجتماعية وتنموية لا تظهر بسهولة في قوائم الأرباح والخسائر.


وهنا تحديدًا تظهر أهمية ضوابط الإسناد التي ناقشها مجلس شؤون التعليم العام. فالتحدي ليس في أن يدخل القطاع الخاص إلى المدرسة، وإنما في تصميم العلاقة معه بحيث نحصل على أفضل ما لديه من كفاءة ومرونة وابتكار، من دون أن نفقد الخصائص التي تجعل التعليم مسؤولية وطنية تتجاوز الحساب الاقتصادي.


فالتعليم العام تحكمه اعتبارات لا يستطيع السوق وحده أن يكون مسؤولًا عنها؛ في مقدمتها العدالة وتكافؤ الفرص والوصول إلى كل طفل، بمن فيهم الطالب في المناطق الأقل جذبًا للاستثمار، والطالب الذي يحتاج إلى دعم إضافي، وذوو الإعاقة، والموهوبون، ومن ترتفع تكلفة تقديم الخدمة التعليمية لهم.


السوق يستطيع أن يسأل: كم تبلغ تكلفة تعليم هذا الطالب؟ لكن الدولة مطالبة بسؤال آخر: ماذا ستكون تكلفة عدم تعليمه جيدًا؟


والفارق بين السؤالين هو الفارق بين النظر إلى التعليم بوصفه تكلفة في سنة مالية، والنظر إليه بوصفه استثمارًا يمتد أثره لعقود.


وقد يكون من المغري في نماذج الإسناد أن تصبح المؤشرات الرقمية هي الحكم النهائي على النجاح. تكلفة الطالب، ونسبة الحضور، ومعدلات النجاح، ورضا المستفيدين، والنتائج المعيارية، كلها مؤشرات ضرورية، لكنها لا تحكي القصة كاملة. فالمدرسة قد تتعلم مع الوقت كيف تحسن أرقامها من دون أن يتحسن التعليم بالقدر نفسه.


كيف نقيس فضول الطالب؟ وكيف نضع رقمًا لقدرته على السؤال؟ وأين يظهر نضجه الاجتماعي، وعلاقته بالكتاب، وثقته بنفسه، واستقلال تفكيره، وشعوره بالمسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه؟


أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم أن ننجح في قياس كل شيء تقريبًا، ثم نكتشف أننا لم نقس الأشياء التي تستحق القياس.


والمدرسة ليست مكانًا لنقل المعرفة وحدها، وإنما إحدى المؤسسات التي يتشكل فيها المجتمع نفسه. فيها يتعلم الطالب لأول مرة معنى النظام والمسؤولية والعمل الجماعي، ويلتقي بأبناء بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وتتكون أجزاء مهمة من علاقته بالوطن والآخر والمؤسسة العامة. ولهذا فإن تقييم أي نموذج جديد لإدارة المدارس ينبغي ألا يقتصر على جودة الخدمة وكفاءة التشغيل، وإنما يمتد إلى أثره في العدالة التعليمية والتماسك الاجتماعي والهوية الوطنية.


وهذا لا يعني الدعوة إلى إدارة حكومية مغلقة، ولا الدفاع عن البيروقراطية، ولا رفض الاستثمار في التعليم. العكس هو الصحيح؛ نحن بحاجة إلى القطاع الخاص، وإلى خبراته واستثماراته وقدرته على التجريب والابتكار، وربما تكون المرحلة المقبلة فرصة كبيرة لإعادة تعريف العلاقة بينه وبين التعليم العام.


لكن العلاقة الناجحة ليست التي تجعل القطاع الخاص بديلًا عن الدولة، ولا التي تجعل الدولة تقوم بكل شيء بنفسها. إنها العلاقة التي يعرف فيها كل طرف ما الذي يستطيع أن يقدمه بصورة أفضل.


يمكن للقطاع الخاص أن يقدم حلولًا في التقنية والنقل والصيانة والتغذية والمرافق والمنصات وإدارة المشاريع، ويمكن أن يمتد الإسناد وفق النظام إلى إدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية ضمن الأطر والضوابط المعتمدة. وفي المقابل تظل الدولة مسؤولة عن تحديد غاية التعليم، وضمان العدالة، وحماية حق الطالب، وترسيخ الهوية الوطنية، والمحافظة على مكانة المعلم، وضمان ألا تتحول الكفاءة المالية إلى غاية تتقدم على الكفاءة التربوية.


فخفض تكلفة تعليم الطالب قد يبدو نجاحًا في تقرير مالي، لكنه لا يكون نجاحًا تربويًا إذا تحقق بمعلم أقل تأهيلًا، أو فصل أكثر ازدحامًا، أو نشاط أقل، أو دعم أضعف للطلاب المتعثرين. وما نوفره اليوم من التعليم قد ندفع أضعافه غدًا في ضعف الإنتاجية والحاجة إلى إعادة التأهيل ومشكلات اجتماعية واقتصادية كان يمكن للتعليم الجيد أن يحد منها.


لهذا يبدو الاجتماع الأول لمجلس شؤون التعليم العام مهمًا ليس فقط بسبب الموضوعات التي ناقشها، وإنما لأنه يؤسس لمساحة جديدة يمكن من خلالها أن تجتمع السياسة التعليمية مع الاقتصاد والاستثمار والجودة والاحتياجات الاجتماعية في قرار واحد.


ولعل السؤال الذي ينبغي أن يصاحب المجلس وهو يناقش ضوابط الإسناد ليس: كم تستطيع الدولة أن توفر؟ فقط، ولا: كم يستطيع القطاع الخاص أن يستثمر؟ فقط، وإنما: هل سيتعلم أبناؤنا بصورة أفضل؟


لأن كل نماذج الإدارة والتمويل والاستثمار والإسناد تصبح وسائل إذا وضعنا هذا السؤال في مركزها، وليست غايات مستقلة بذاتها.


إن مشاركة القطاع الخاص في التعليم يمكن أن تكون واحدة من أهم فرص تطوير المدرسة السعودية في المرحلة المقبلة، إذا نجحنا في أخذ أفضل ما في عقلية السوق: الكفاءة، والابتكار، والمرونة، والمساءلة، وجودة الخدمة، من دون أن ننقل معها إلى المدرسة الاعتقاد بأن كل قيمة يمكن تحويلها إلى رقم، وأن كل نجاح يمكن حسابه ماليًا.


فالمدرسة يمكن أن تستفيد من كفاءة السوق، لكنها لا ينبغي أن تفقد منطق التعليم.


وقبل أن نسأل: ما الذي يمكن إسناده إلى القطاع الخاص؟ ربما علينا أن نجيب أولًا عن سؤال أكثر أهمية: ما الذي لا يمكن إسناده؟


والإجابة ليست مبنى، ولا خدمة، ولا عقد تشغيل.


إنها غاية التعليم نفسها.

00:00 | 20-09-2026

أعيدوا الإنسان إلى الإدارة!

لست ضد التطوير، ولا ضد المؤشرات، ولا الثقافة المؤسسية، ولا قياس الأداء، ولا الاستفادة من بيوت الخبرة والشركات الاستشارية. ومن غير المنطقي أن نطالب الإدارة الحديثة بأن تعمل بأدوات الأمس. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل بقيت هذه الأدوات في موقعها الطبيعي بوصفها وسائل لتحسين العمل، أم أنها تمددت حتى أصبحت هي العمل نفسه؟

بعد أكثر من ثلاثين عاماً في العمل الإداري، عشت خلالها مراحل مختلفة، وأدرت فرقاً ومشروعات، وعاصرت تحولات وحققت مع زملائي توجهات وأهدافاً كبيرة؛ أجدني اليوم أمام مشهد إداري مختلف، ليس بالضرورة لأنه أكثر تطوراً، وإنما لأنه أكثر امتلاءً بالمصطلحات والنماذج والأدلة والمؤشرات والورش والاستبانات والمبادرات.

أصبح لكل شيء إطار، ولكل إطار دليل، ولكل دليل نموذج، ولكل نموذج مؤشر، ولكل مؤشر لوحة متابعة، ثم نحتاج إلى اجتماع لمناقشة اللوحة، وورشة لتحليل نتائج الاجتماع، واستبانة لقياس رضا المشاركين في الورشة!

وفي نهاية هذه الدائرة الطويلة قد يسأل موظف بسيط في الميدان: وماذا تغير في عملي؟

وهنا تكمن المشكلة. فلقد نجحت الإدارة السعودية لعقود في صناعة منجزات كبيرة، وقاد رجال ونساء مؤسسات وفرقاً ومراحل انتقالية صعبة، ونفذوا توجيهات عليا، واتخذوا قرارات مؤثرة، دون هذا الحجم الهائل من الحشو الإداري. كانت الأدوات أقل، لكن المسؤولية أوضح. كانت النماذج أبسط، لكن القرار أسرع. وكانت المؤشرات أقل حضوراً على الشاشات، لكن المدير يعرف موظفيه، ويعرف من يعمل ومن يتكاسل، ومن يبدع ومن يحتاج إلى المساندة.

اليوم نخشى أن نكون قد انتقلنا من إدارة الإنسان إلى إدارة المؤشر!

تقييم الموظف نفسه أصبح في بعض البيئات أقرب إلى عملية آلية؛ أرقام وأوزان ومستهدفات ونسب إنجاز، وكأن الإنسان مجموعة خلايا في جدول إلكتروني.

بينما الأداء الحقيقي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. هناك موظف يصنع الفارق في فريقه ولا تستطيع خانة قياسه، وآخر يحل الأزمات بصمت، وثالث يملك المبادرة والشجاعة وتحمل المسؤولية، ورابع تتطابق ملفاته مع جميع المؤشرات بينما أثره الحقيقي محدود. فلا يمكن اختزال الإنسان في رقم..!

والأخطر أن بعض المؤسسات أصبحت تنشغل ببناء «صورة العمل» أكثر من انشغالها بالعمل. عروض مبهرة، وألوان متناسقة، ومسميات ضخمة، ومبادرات تحمل أسماء جذابة، وتقارير مصممة بعناية، ومصطلحات إنجليزية وعربية تتكاثر بسرعة؛ بينما الموظف والمستفيد والميدان لا يشعرون دائماً بتحسن يوازي كل هذا الجهد.

حتى «الثقافة المؤسسية»، التي يفترض أن تكون روحاً تسري في المؤسسة، أصبحنا أحياناً نتعامل معها كمشروع له شعار وعرض وورش واستبانة ومؤشرات. الثقافة لا تُصنع بهذه السهولة. الثقافة يصنعها المدير العادل، والقرار الواضح، والبيئة التي تحترم المجتهد، والمحاسبة التي لا تجامل المقصر، والقدوة التي يراها الموظف أمامه كل صباح.

الثقافة المؤسسية ليست ما نكتبه على الجدران، وإنما ما نمارسه عندما تغلق أبواب الاجتماعات.

ولا يعني هذا أن نعود إلى إدارة ارتجالية، أو أن نرفض العلم الإداري الحديث. هذا طرح لا يقوله عاقل. نحن نحتاج إلى الحوكمة والقياس والتقنية والمؤشرات، لكننا نحتاج قبلها وبعدها إلى شيء أهم: العقل الإداري.

الأداة لا ينبغي أن تتحول إلى غاية، والمؤشر لا ينبغي أن يصبح أهم من الحقيقة التي صُمم لقياسها، والاستبانة ليست بديلاً عن النزول إلى الميدان، وبيت الخبرة لا يعرف المؤسسة أكثر من أبنائها لمجرد أنه يحمل عرضاً أجمل ومصطلحات أحدث.

لقد أخذَنا العالم الافتراضي بعيداً أحياناً عن الواقع، وأخذتنا الأرقام بعيداً عن الحكاية التي خلفها، وأخذتنا النماذج بعيداً عن الإنسان. تحول شيء من روح الإدارة إلى جماد: منصة تقول لنا إن الموظف ممتاز، ومؤشر يخبرنا أن المشروع أخضر، وعرض يؤكد أن المبادرة ناجحة، بينما الواقع قد يقول شيئاً آخر تماماً.

الإدارة في جوهرها ليست كل هذا التعقيد. هي هدف واضح، وصلاحية بقدر المسؤولية، وقائد يعرف كيف يختار، وموظف متمكن، وفريق يثق ببعضه، وقرار في وقته، ومحاسبة عادلة، وميدان يُسمع صوته، ونتيجة يستطيع الناس رؤيتها والشعور بها.

وفي تراثنا الإداري والإنساني اختصار مدهش لكل ما نبحث عنه: القوي الأمين. الكفاءة والنزاهة. القدرة والإخلاص. أن تعرف ماذا تفعل، وأن تؤديه بأمانة.

كم دليلاً نحتاج بعد ذلك حتى نصنع موظفاً بهذه الصفات؟

لقد ملّ المجتمع الوظيفي ــ في تقديري ــ من كثير من «الفذلكات» الإدارية. وملّ الموظفون من ورش تتكرر أفكارها، واستبانات لا يعرفون ماذا حدث بعدها، ومؤشرات يقضون وقتاً في إثبات تحقيقها أكثر مما يقضونه في تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، ومبادرات يولد بعضها لأن هناك خانة تطلب «مبادرة»، لا لأن هناك مشكلة حقيقية تحتاج إلى حل. وحان الوقت لمراجعة جريئة لهذا التضخم.

ليس المطلوب إلغاء أدوات الإدارة الحديثة، وإنما تحرير الإدارة من عبادة أدواتها. أن نسأل عن كل ورشة: ماذا ستغير؟ وعن كل استبانة: ما القرار الذي سيبنى عليها؟ وعن كل مؤشر: هل يقيس فعلاً ما يهم؟ وعن كل مبادرة: ما المشكلة التي تحلها؟ وعن كل خبير خارجي: ماذا سيضيف مما لا يعرفه أهل المؤسسة؟

فإن لم نجد إجابة مقنعة، فلنملك شجاعة الإلغاء.

وقت الموظف مال عام أيضاً. والاجتماع غير الضروري تكلفة، والورشة التي لا تنتج قراراً تكلفة، والاستبانة التي توضع نتائجها في الأدراج تكلفة، والمؤشر الذي لا يحسن الخدمة تكلفة، والتقرير الجميل الذي لا يغير الواقع تكلفة.

نريد إدارة أقل انشغالاً بنفسها وأكثر انشغالاً بنتائجها.

نريد أن نستعيد الإنسان المبدع، والمخلص، والقوي، والأمين. أن نثق بخبرته، ونمنحه مساحة للاجتهاد، ونحاسبه على الأثر، لا على براعته في تعبئة النماذج. نريد أن يعود المدير إلى الميدان، وأن يعود الموظف إلى جوهر وظيفته، وأن تعود التقنية والمؤشرات والأدلة إلى مكانها الصحيح: خادمة للعمل، لا سيدة عليه.

ثلاثون عاماً من العمل الإداري، علمتني أن المؤسسات لا تنجح بكثرة ما تعرف من المصطلحات، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى فعل، والفعل إلى أثر.

فلنخفف قليلاً من ضجيج الإدارة.. ولنعد الانسان والحياة الحقيقية إلى الإدارة..!

00:00 | 13-09-2026

«نافس».. اصدقوا معه ليصدق معكم

تتكرر مع إعلان نتائج اختبارات «نافس» الأسئلة ذاتها: من تقدّم؟ من تراجع؟ وما المدرسة التي حققت النسبة الأعلى؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها قد تقودنا بعيداً عن السؤال الأهم: هل استوعب الميدان التعليمي فعلاً فلسفة الاختبارات الوطنية، أم أننا ما زلنا نتعامل معها بعقلية الاختبار المدرسي الذي ينبغي أن نرفع نتيجته بأي طريقة؟


فلسفة «نافس» في جوهرها أبسط وأعمق من ذلك. نحن بحاجة إلى قياس وطني صادق يخبرنا أين يقف طلابنا فعلياً، ماذا تعلموا؟ وما المهارات التي أتقنوها؟ وأين تتسع فجوات التعلم؟ وأي المدارس تحتاج إلى تدخل؟ وأي الممارسات التعليمية أثبتت نجاحها ويمكن الاستفادة منها؟ لذلك فإن قيمة «نافس» ليست في الرقم الذي تحصل عليه المدرسة، وإنما في صدق هذا الرقم وقدرته على تشخيص الواقع.


المشكلة تبدأ حين يتحول القياس من «مرآة» نريد أن نرى فيها حقيقتنا إلى «صورة» نريد أن نظهر بها أمام الآخرين.


عندها تبدأ بعض الممارسات التي تفرغ الاختبار من فلسفته؛ استعداد استثنائي قبل الاختبار، تدريب مكثف على نمط الأسئلة، تعليق بعض الأنشطة، إعادة ترتيب الأولويات، وحشد المدرسة كلها لأسابيع من أجل «نافس». وقد تصل الرغبة في تحسين الصورة أحياناً إلى ممارسات لا تحسن التعلم بقدر ما تحسن النتيجة. وهنا نخدع أنفسنا قبل أن نخدع أداة القياس.


فإذا حصل الطالب على نتيجة مرتفعة لأنه تدرب على الاختبار، بينما لم تتحسن قدرته الحقيقية في القراءة أو الرياضيات أو العلوم، فما الذي كسبناه؟


وإذا ظهرت المدرسة في مستوى أعلى من واقعها، فكيف سنكتشف جوانب ضعفها؟ وكيف ستصل إليها خطط الدعم المناسبة؟ القياس الذي نجمّله بأيدينا يفقد أهم وظائفه: أن يقول لنا الحقيقة.


نحتاج إلى تغيير ثقافة التعامل مع الاختبارات الوطنية. المدرسة المتميزة ليست التي تبدأ الاستعداد لـ«نافس» قبل موعده بشهرين، وإنما التي تعمل منذ اليوم الأول على تعلم جيد، ومعلم فاعل، ومهارات راسخة، ثم يدخل طلابها الاختبار بصورة طبيعية؛ لأن ما سيقاس هو ما تعلموه طوال العام، لا ما حفظوه في الأسابيع الأخيرة.


كما أن انخفاض النتيجة لا ينبغي أن يكون مدعاة للخجل أو البحث عن مبررات، بل نقطة بداية للتحسين. فالرقم المنخفض الصادق أكثر قيمة تربوياً من رقم مرتفع صنعته ممارسات مؤقتة؛ لأن الأول يكشف المشكلة ويساعد على علاجها، بينما الثاني يخفيها ويؤجل مواجهتها.


ونتساءل: متى تتحسن ثقافة القياس لدينا؟


وتأتي الإجابة بسرعه: حين نتوقف عن سؤال المدرسة: «كم حققتِ في نافس؟» فقط، ونبدأ بسؤالها: «ماذا عرفتِ عن طلابك من نافس؟ وماذا فعلتِ بعد أن عرفتِ؟».


حينها فقط نكون قد انتقلنا من ثقافة تحسين نتيجة الاختبار إلى ثقافة تحسين التعلّم، وهذا هو التنافس الحقيقي الذي يستحق أن «نافس» من أجله.


وهنا تقع مسؤولية مهمة على وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب؛ فنجاح «نافس» لا يحتاج إلى أدوات قياس جيدة فقط، وإنما إلى خطاب اتصالي واضح ومطمئن يشرح للميدان فلسفته وحدود استخدام نتائجه.


يحتاج المعلم ومدير المدرسة والإدارة التعليمية إلى أن يسمعوا بوضوح أن «نافس» لم يُصمم للإضرار بأحد، ولا لمحاسبة فرد على نتيجة، ولا لتحويل القياس إلى مصدر قلق يهدد تقييماً أو مكانة كيان، وإنما هو أداة تشخيص وطنية غايتها أن نعرف الواقع كما هو كي نستطيع إصلاحه.


فحين يخشى الناس من نتيجة القياس، سيحاول بعضهم تجميلها، وحين يطمئنون إلى أن الغاية منها التحسين، سيكونون أكثر استعداداً لأن يمنحوها الحقيقة.


ولهذا ربما نحتاج إلى رسالة بسيطة تتكرر حتى تصبح ثقافة في الميدان: لا تخافوا من «نافس»، ولا تحاولوا أن تعطوه صورة أجمل من واقعكم؛ فهو لا يبحث عمن يعاقبه، وإنما عما يحتاج إلى إصلاح. اصدقوا معه ليصدق معكم. عندها فقط تصبح النتائج أكثر موثوقية، والتشخيص أكثر دقة، وقرارات التحسين أكثر عدلاً وفاعلية.

00:51 | 30-08-2026

هل تستطيع شركاتنا التعليمية إدارة المدرسة الحكومية؟

حين صدر نظام التعليم العام الجديد، توقفت طويلًا أمام إحدى أهم المساحات التي فتحها لمستقبل التعليم في المملكة: إتاحة إسناد بعض المهمات التعليمية، وإدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية، إلى القطاع الخاص وغير الربحي، وفتح المجال أمام المستثمر المحلي والأجنبي للمشاركة في هذا القطاع.


بالنسبة لي كصاحبة تجربة في التعليم الحكومي وفي التعليم الخاص لأكثر من ثلاثة عقود، لم تكن المسألة مجرد مادة تنظيمية جديدة، وإنما سؤالًا أكبر يستحق أن نطرحه على أنفسنا نحن العاملين في التعليم: هل أصبحت شركات التعليم السعودية قادرة فعلًا على إدارة مدارس حكومية؟


أعتقد أن الإجابة لم تعد كما كانت قبل عشرين عامًا. فالقطاع التعليمي الخاص في المملكة تغيّر كثيرًا. انتقل في جزء معتبر منه من المدرسة الفردية التي يديرها مالكها بخبرته واجتهاده، إلى شركات ومجموعات تعليمية تمتلك هياكل مؤسسية، وإدارات تنفيذية، وأنظمة للجودة والحوكمة، وخبرات في بناء المناهج والبرامج الإثرائية، وتدريب المعلمين، وقياس الأداء، والتحول الرقمي، وإدارة المرافق، والتسويق، وخدمة المستفيد.


وبعض هذه الشركات يدير اليوم شبكات من المدارس تضم آلاف الطلاب ومئات المعلمين والموظفين، وتتعامل مع التعليم بوصفه منظومة متكاملة لا مجرد فصول ومعلمين وكتب دراسية.


وهنا تحديدًا أرى أهمية التحول الذي يؤسس له النظام الجديد. فالسؤال لم يعد: من يقدم التعليم، الحكومة أم القطاع الخاص؟


هذه ثنائية تجاوزتها الاقتصادات الحديثة. السؤال الأهم أصبح: من يستطيع تقديم تعليم أفضل، بكفاءة أعلى، وفي إطار معايير الدولة وأهدافها ورقابتها؟


وهذا هو جوهر الشراكة التي نحتاج إليها. حين تدير شركة تعليمية خاصة مدرسة حكومية، فإن الدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها عن التعليم، ولا تتحول المدرسة الحكومية إلى مدرسة خاصة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض.


الدولة تظل صاحبة السياسة والمعايير والمناهج الوطنية والرقابة والمساءلة، لكنها تستفيد من قدرة القطاع الخاص على التشغيل، وسرعة القرار، والمرونة الإدارية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير الخدمات، وقياس النتائج. إنها ببساطة تنقل السؤال من: «كم ننفق على المدرسة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا تحقق المدرسة مقابل ما ننفقه؟»


وهنا يدخل الاقتصاد إلى الفصل الدراسي. فالتعليم واحد من أكبر مجالات الإنفاق والاستثمار طويل الأجل، وأي تحسن في كفاءة تشغيل آلاف المدارس لا يمثل وفرًا ماليًا فقط، وإنما قيمة اقتصادية تتضاعف آثارها عبر السنوات.


فحين تستطيع جهة متخصصة أن تدير الموارد البشرية بصورة أفضل، وترفع كفاءة استخدام المبنى والتجهيزات، وتشتري الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وتقلل الهدر التشغيلي، وتربط المكافأة بالأداء، وتستثمر التقنية في العمليات اليومية؛ فإننا لا نتحدث عن تخفيض تكلفة وحسب، وإنما عن إعادة توجيه المال من التشغيل غير الكفء إلى جودة التعليم نفسها.


وهذه، في تقديري، واحدة من الأفكار التي تنسجم بعمق مع التحولات الاقتصادية التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030؛ فالدولة لم تعد تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره مقاولًا ينفذ خدمة محددة، وإنما شريكًا في التنمية، وصانعًا للوظائف، ومصدرًا للابتكار، ورافعة لرفع كفاءة الإنفاق وجودة الخدمات.


لكنني، وأنا أنتمي إلى قطاع التعليم الخاص الآن، وأعرف حجم التطور الذي شهده، لا أرى أن مجرد كون الشركة «تعليمية» يجعلها مؤهلة لإدارة مدرسة حكومية. .!هذه النقطة مهمة جدًا.


فتح المجال للقطاع الخاص ينبغي ألا يتحول إلى سباق على العقود، وإنما إلى سباق على الكفاءة.


ليس المطلوب شركة تستطيع دفع الرواتب وتشغيل المبنى ووضع جدول الحصص. هذه أبسط وظائف الإدارة المدرسية. المطلوب شركة تستطيع أن تقدم نموذجًا تعليميًا أفضل؛ ترفع نواتج التعلم، وتصنع بيئة مدرسية جاذبة، وتطور المعلم، وتكتشف الموهبة، وتعالج التعثر، وتبني شخصية الطالب، وتستخدم التقنية بذكاء، وتتواصل مع الأسرة، وتقيس أثر كل ما تفعله.


بمعنى آخر: لا نريد «مشغّل مدارس»، وإنما صانع مدرسة جيدة.


وأظن أن شركات تعليمية سعودية وصلت بالفعل إلى درجة من النضج تجعلها قادرة على خوض هذا التحدي. لدينا اليوم خبرات تراكمت عبر عقود، وقيادات تعليمية سعودية متمرسة، وتجارب في الاعتماد المدرسي الوطني والدولي، وممارسات متقدمة في الجودة والحوكمة، ومدارس تنافس في المسابقات المحلية والدولية، وشركات استثمرت في التقنية والمحتوى والتدريب والأنشطة وبناء الهوية التعليمية. وما كان القطاع الأهلي يستورده كاملًا من الخارج قبل سنوات، أصبح اليوم قادرًا على تطوير جزء كبير منه محليًا، بل وتقديم نماذج تستحق أن تُنقل وتُدرس.


ولعل من الدلالات المهمة على هذا النضج أن هيئة تقويم التعليم والتدريب وقّعت في أبريل الماضي اتفاقيات للاعتماد المدرسي الوطني مع ثماني شركات تعليمية تشمل 38 مدرسة وأكثر من 5600 طالب وطالبة. هذه ليست نهاية الطريق بالتأكيد، لكنها مؤشر على انتقال القطاع من مفهوم الترخيص والتشغيل إلى ثقافة القياس والاعتماد والجودة والمساءلة.


ومع ذلك، فإن إدارة مدرسة حكومية ستكون الاختبار الحقيقي.


فالمدرسة الخاصة تعمل في سوق اختياري؛ ولي الأمر يستطيع أن يأتي إليها أو يغادرها. أما المدرسة الحكومية فهي مسؤولية وطنية تجاه كل طالب، باختلاف ظروفه وقدراته وبيئته الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا فإن الشركة التي تنجح في مدرسة أهلية متميزة في مدينة كبيرة ليست بالضرورة قادرة تلقائيًا على إدارة مدرسة حكومية في قرية صغيرة، أو مدرسة ذات كثافة طلابية مرتفعة، أو بيئة تحتاج إلى تدخلات تربوية واجتماعية مختلفة.


ومن هنا أتمنى أن تبدأ التجربة السعودية – إذا مضت في هذا الاتجاه – بالنماذج لا بالتعميم.


يمكن اختيار مجموعة متنوعة من المدارس، وإسناد تشغيلها إلى شركات تعليمية مؤهلة بعقود قائمة على مؤشرات أداء واضحة: مستوى تحسن الطلاب، جودة التدريس، تطور أداء المعلمين، الانضباط، رضا الأسرة، الأنشطة، البيئة المدرسية، كفاءة الإنفاق، ونسبة التحسن السنوي. وبعد ثلاث أو خمس سنوات لا نسأل الشركة كم برنامجًا نفذت، ولا كم دورة تدريبية أقامت، وإنما نسأل السؤال الذي يستحقه الوطن: هل أصبحت هذه المدرسة أفضل؟


إذا كانت الإجابة نعم، فليتوسع النموذج. وإذا كانت لا، فالعقد نفسه يجب أن يسمح باستبدال المشغّل. وهذه إحدى أهم مزايا النموذج؛ فالدولة تحاسب على النتيجة، والشركة تعرف منذ اليوم الأول أن استمرارها مرتبط بما تصنعه داخل المدرسة لا بما تكتبه في تقاريرها.


وأرى كذلك أن هذه الخطوة يمكن أن تصنع قطاعًا اقتصاديًا تعليميًا سعوديًا جديدًا يتجاوز الصورة التقليدية للتعليم الأهلي. فبدل أن يكون نمو الشركات التعليمية مرتبطًا فقط بشراء الأراضي وبناء مدارس جديدة وجذب مزيد من الطلاب القادرين على دفع الرسوم، يصبح أمامها سوق آخر قائم على الخبرة التعليمية ذاتها: إدارة المدارس، تطوير المعلمين، المحتوى، القياس، التقنية التعليمية، الخدمات الطلابية، الأنشطة، الاستشارات والتشغيل.


وهنا قد تولد شركات سعودية متخصصة، ووظائف نوعية، واستثمارات جديدة، ومنتجات تعليمية قابلة للتصدير مستقبلًا إلى المنطقة. وقد نصل إلى يوم لا نتحدث فيه فقط عن مدرسة سعودية متميزة، وإنما عن نموذج سعودي في إدارة المدارس تستطيع شركاتنا تقديمه خارج المملكة أيضًا.


ولهذا فإنني أرى في النظام الجديد فرصة كبيرة للشركات التعليمية، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. فلقد أمضى القطاع الخاص سنوات طويلة يطالب بمزيد من التمكين والمرونة والثقة. واليوم، حين تفتح الدولة أمامه مساحة بهذا الحجم، يصبح عليه أن يثبت أنه لا يبحث عن حصة أكبر من سوق التعليم فقط، وإنما يستطيع أن يتحمل حصة أكبر من مسؤولية التعليم.


نعم، أعتقد أن شركاتنا التعليمية قادرة. لكن الشركة التي تستحق إدارة مدرسة حكومية ليست الأكبر مبنى، ولا الأكثر فروعًا، ولا الأعلى رسومًا، وإنما تلك التي تستطيع أن تتسلم مدرسة اليوم، ثم تعيدها بعد سنوات إلى الدولة وقد أصبح معلمها أفضل، وطالبها أكثر معرفة وثقة وشغفًا، وبيئتها أكثر جودة، وتشغيلها أكثر كفاءة.


عندها فقط لن يكون القطاع الخاص قد أدار مدرسة حكومية؛ سيكون قد شارك الدولة في صناعة مدرسة المستقبل.

00:00 | 23-08-2026

ثلاث درجات.. وطالب واحد!

طالب واحد، درس اثني عشر عامًا في مدارسنا، وتعلّم من مناهجنا، واختبر وفق أنظمتنا، ثم نصل معه إلى نهاية الرحلة فلا نستطيع أن نتفق على مستواه!


يحصل على 96% في الثانوية العامة، فنقول له: أنت متفوق. ويدخل اختبار القدرات لأكثر من مرة ويحصل على 74% كأفضل درجة، فتتغير الصورة. ثم يدخل الاختبار التحصيلي، فيخرج برقم ثالث. وحين يتقدم إلى الجامعة، نضع الأرقام الثلاثة في معادلة جديدة، ونخرج له برقم رابع اسمه «النسبة الموزونة»!


نحن أمام أدوات قياسية تقيس طالبًا واحدًا وتقدمان عنه صوراً مختلفة إلى حد كبير. وإذا كان هذا التفاوت يتكرر مع أعداد من الطلاب، فعلينا حينها ألا نحمّل الطالب وحده مسؤولية تفسيره، وإنما أن نراجع أدواتنا ومعاييرنا.


والسؤال الذي يستحق أن نطرحه بشجاعة: من نصدّق؟


هل المدرسة بالغت في تقدير الطالب طوال سنوات؟ أم أن اختبارًا معياريًا في ساعات محدودة لم يستطع أن يعكس مستواه الحقيقي؟


وإذا كانت لكل أداة فلسفتها وما تقيسه، فلماذا تبدو الفوارق أحيانًا كبيرة إلى درجة تجعل الطالب نفسه لا يعرف أين يقف؟


أنا مع اختبارات القياس، ومع وجود أدوات وطنية معيارية تحقق العدالة بين الطلاب، ولا أرى أن الحل في إلغاء اختبار القدرات أو التحصيلي. لكنني في الوقت نفسه أعتقد أن علينا ألا نتعامل مع الفجوة بين نتائج المدرسة وهذه الاختبارات وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التوقف.


لأن المشكلة ليست في وجود ثلاثة اختبارات، بقدر ما هي في وجود ثلاث رسائل مختلفة تصل إلى الطالب عن مستواه.!


نحن هنا لا نتحدث عن أرقام فقط، وإنما عن ثقة طالب بنفسه، وعن خياراته الجامعية، وعن تخصص قد يحلم به سنوات ثم يكتشف عند بوابة الجامعة أن الـ96 التي كان يحتفل بها لم تعد 96، وأن تعريف التفوق الذي عاش معه في المدرسة مختلف عن تعريفه عند القبول الجامعي.!


وهنا يأتي السؤال الأصعب:


إذا كانت الدرجة المدرسية لا تستطيع وحدها أن تخبرنا عن مستوى الطالب، فلماذا لا نراجع طريقة بنائها؟


وإذا كانت اختبارات القدرات والتحصيلي تكشف فجوات لا تظهر في نتائج المدارس، فلماذا لا تعود نتائجها إلى المدرسة باعتبارها أداة تطوير، لا مجرد بوابة للجامعة؟


درجة الثانوية هي حصيلة سنوات من الدراسة والاختبارات والواجبات والمشاركة والتفاعل، بينما تقيس الاختبارات المعيارية جوانب أخرى في وقت محدد وبأدوات مختلفة. ومن الطبيعي لذلك ألا تتطابق النتائج تمامًا، لكن ليس من الطبيعي أن نتعايش مع فجوات كبيرة دون أن نسأل عن أسبابها.!


أتصور أننا بحاجة إلى مشروع وطني لتقليص هذه الفجوة، يبدأ من تحليل نتائج كل مدرسة ومقارنتها بنتائج طلابها في القدرات والتحصيلي.


فالمدرسة التي يتخرج منها الطلاب بمعدلات مرتفعة باستمرار بينما تأتي نتائجهم المعيارية أقل بكثير، تحتاج إلى أن تسأل نفسها: ماذا نقيس؟ وكيف نقيس؟ وهل درجاتنا تعكس فعلًا مستوى أبنائنا؟


وفي المقابل، يجب أن نستمر في تطوير الاختبارات المعيارية نفسها، ودراسة قدرتها على قياس ما نريد قياسه فعلًا، ومدى اتساقها مع ما يتعلمه الطالب ومع المهارات التي يحتاجها في الجامعة والحياة.


ليس المطلوب أن يحصل الطالب على 95 في كل اختبار. الاختلاف طبيعي، لأن أدوات القياس مختلفة. المطلوب ألا تكون المسافة بين هذه الأدوات واسعة إلى الحد الذي تجعلنا أمام ثلاث صور متناقضة لطالب واحد.!


لإن بعد اثني عشر عامًا من التعليم، يستحق أبناؤنا «كلمة سواء» بين المدرسة والقياس والجامعة؛ معيارًا أكثر اتساقًا، ودرجة أكثر صدقًا، وصورة يعرف الطالب من خلالها أين يقف فعلًا.


فلا المدرسة ينبغي أن تمنحه ثقة زائفة، ولا الاختبار ينبغي أن يسلبه ثقة يستحقها.


فالدرجة ليست مكافأة نمنحها للطالب كي يسعد، وليست عقوبة نخفضها كي نثبت صرامتنا؛ إنها رسالة نقول له من خلالها: هذا مستواك، وهذه قدراتك، وهذا ما تحتاج إلى تطويره.


طالب واحد، ومنظومة تعليمية واحدة، ووزارة واحدة؛ فلماذا لا نقترب من معيار واحد يقول له بصدق:


هذا أنت.. وهذا ما تملك.. ومن هنا تبدأ.؟!

00:08 | 16-08-2026

لماذا لا نستثمر في المعلم؟

في كل مرة يثار فيها الحديث عن تطوير التعليم، تتكرر الكلمات ذاتها: الخطط، والإستراتيجيات، والمسارات، والحوكمة، والكفاءة، والمؤشرات، والدمج، وإعادة الهيكلة، والتحول الرقمي. وكأن مستقبل التعليم كله يكمن في اللوائح والبرامج والأنظمة.

لكن السؤال الذي يتوارى دائماً خلف هذا الضجيج الإداري هو: ماذا قدمنا للمعلم نفسه؟

فالمدرسة ليست مبنى، ولا منصة، ولا مؤشراً رقمياً، هي إنسان يقف كل صباح أمام طلابه، يحمل على كتفيه مسؤولية بناء الأجيال. وإذا كان الجميع يتفق على أن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، فلماذا لا ينعكس هذا الاتفاق في المزايا التي يحصل عليها؟

معظم الموظفين في القطاعات المختلفة يجدون أمامهم أبواباً متعددة لتحسين دخلهم؛ مكافآت، وبدلات، وحوافز، وبرامج تميز، وفرص استشارية، أو مزايا وظيفية متنوعة. أما المعلم، ففي الغالب لا ينال سوى راتبه الشهري، مهما اجتهد أو تميز أو ابتكر.

لماذا لم نفكر يوماً في صناعة مصادر دخل إضافية للمعلم ترتبط بخبرته ومهنته؟ لماذا لا يكون للمعلم نصيب من البرامج الوطنية، أو المشاريع التعليمية، أو المحتوى الرقمي، أو الاستشارات التربوية، أو المبادرات المجتمعية التي تستثمر خبراته؟ إن الاستثمار في المعلم ليس منحة، إنما استثمار في جودة التعليم نفسها.

ومن المؤلم أن يتحول بعض المعلمين إلى باحثين دائمين عن الجوائز المحلية أو الإقليمية والدولية، ليس لأن التنافس العلمي غاية بحد ذاته، وإنما لأن الجائزة قد تمنحهم عائداً مالياً يعوض شيئاً من احتياجاتهم. فالجوائز وجدت للاحتفاء بالتميز، لا لتصبح وسيلة لتحسين الدخل.

والأشد إيلاماً، أن يضطر معلم آخر إلى ممارسة عمل إضافي بعد انتهاء دوامه، أو في عطلاته، ليؤمن مستوى معيشياً أفضل لأسرته. حينها لا نخسر وقت المعلم فحسب، ولكن نخسر جزءاً من طاقته الذهنية، وشغفه، وقدرته على التجديد داخل الفصل الدراسي. فالمعلم الذي ينشغل بالبحث عن مصدر رزق آخر، لا لأنه يرغب، بقدر ما هو مضطر لذلك، يرسل لنا رسالة تستحق أن نتوقف عندها ونحن نتحدث عن جودة التعليم

والأمر لا يقف عند ذلك. فكل عام نحتفل بالمعلم، ونكتب عنه أجمل العبارات، ونقيم حفلات التكريم، ونمنحه الدروع والشهادات. لكنها، في النهاية، تظل مكافآت معنوية تنتهي بانتهاء المناسبة. أما التكريم الحقيقي فهو أن يشعر المعلم بأن مهنته تمنحه جودة حياة أفضل، وفرصاً أكبر، ومستقبلاً أكثر استقراراً.

وهناك سؤال آخر يستحق أن يُطرح بهدوء وموضوعية، خاصة مع توسع نماذج التوظيف عبر الشركات في بعض الأعمال المرتبطة بالتعليم، وما يتردد بين الحين والآخر عن التوجه نحو أنماط تعاقدية أكثر مرونة. فإذا كان هذا هو المسار المستقبلي، فلماذا لا تكون مهنة التعليم نموذجاً جاذباً للعقود لا أقل منها؟ ولماذا لا يتمتع المعلم بالمزايا التي اعتاد أن يحصل عليها أصحاب العقود في كثير من القطاعات الأخرى، من حوافز أداء، وتأمينات ومزايا تنافسية، وفرص نمو وظيفي أكثر مرونة؟ إن القضية ليست في نوع العقد بقدر ما هي في القيمة التي يمنحها المجتمع لمن يحمل رسالة التعليم. فإذا كنا نتطلع إلى استقطاب أفضل الكفاءات والمحافظة عليها، فإن أي نموذج وظيفي جديد يجب أن يبدأ من جعل مهنة التعليم أكثر جاذبية، لا مجرد تغيير شكل العلاقة الوظيفية.

وثمة سؤال لا يقل أهمية: إلى متى سيظل دوام المعلم وإجازاته تحت المجهر، وكأنهما المشكلة الكبرى في التعليم؟ فبين حين وآخر يظهر نقاش جديد حول البصمة، أو تمديد وقت الدوام، أو تقليص الإجازات، أو تشديد إجراءات الحضور والانصراف، بينما يغيب النقاش نفسه عن طبيعة المهنة وما تتطلبه من جهد ذهني ونفسي يمتد إلى ما بعد نهاية اليوم الدراسي.

فالمعلم لا يغادر عمله عندما يغلق باب الفصل؛ إذ يصحح، ويخطط، ويتابع، ويتواصل مع أولياء الأمور، ويحمل هم طلابه معه إلى المنزل. والمطلوب ليس إعفاء المعلم من الالتزام، فالالتزام أساس كل مهنة، وإنما أن ننظر إلى مهنته بوصفها من أكثر المهن استنزافاً للإنسان، وأن نبني أنظمة الدوام والإجازات على فهم طبيعة هذه الرسالة، لا على افتراض أنها وظيفة مكتبية يمكن قياسها بساعات الحضور وحدها.

لابد أن نعلم أن الإجازة السنوية أو الفصلية، هي حق إنساني قبل أن تكون ميزة وظيفية. ومع ذلك، يبقى المعلم من أقل الموظفين قدرة على اختيار توقيت إجازته، إذ تفرض عليه في وقت محدد لا يملك تغييره، مهما كانت ظروفه الأسرية أو الصحية أو الاجتماعية. وقد يكون هذا مناسباً لتنظيم العام الدراسي، لكنه لا يمنع من التفكير في حلول أكثر مرونة تمنح المعلم مساحة أوسع لإدارة حياته.

حتى برامج التطوير المهني تحتاج إلى مراجعة. فكم من معلم يدخل دورة تدريبية لأنها إلزامية لا لأنها ملهمة؟ وكم منها يُقدَّم في أوقات الإجازات، في الوقت الذي ينتظر فيه المعلم أن يستعيد شيئاً من راحته بعد دوام يوم مدرسي شاق أو بعد عام دراسي طويل؟ التدريب الحقيقي ليس ساعات حضور، هو تجربة معرفية ممتعة، يقدمها أفضل الخبراء، وتفتح أمام المعلم آفاقاً جديدة، لا أن تتحول إلى عبء إضافي.

لقد أنفقنا كثيراً على تطوير المناهج، والمنصات، والاختبارات، والأنظمة، وهذا أمر مهم، لكن الاستثمار الأكبر ينبغي أن يكون في الإنسان الذي يمنح كل هذه المشاريع الحياة. فالمعلم الراضي، والمحفَّز، والمطمئن مادياً ومهنياً، هو القادر على تحويل أي خطة إلى واقع.

ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال. بدلاً من أن نسأل: كيف نطور التعليم؟ لنسأل أولاً: كيف نجعل مهنة التعليم أفضل مهنة يمكن أن يحلم بها الشاب السعودي؟

فحين يصبح المعلم هو المشروع الأول، ستصبح بقية المشاريع أكثر نجاحاً، وأقل تكلفة، وأطول أثراً.

00:00 | 9-08-2026

حين تعيش الإدارة في الوهم... تموت المؤسسات بصمت

في كل بيئة عمل هناك معركة لا تُرى في التقارير الرسمية، ولا تظهر في العروض البراقة، ولا تتحدث عنها نشرات الإنجاز السنوية.


معركة يعيشها القائد الحقيقي حين يجد نفسه محاصراً بإدارة عليا لا تعرف الواقع، ولا تسمع الميدان، ولا تشعر بالمعاناة اليومية التي تُستهلك فيها الأعصاب والأعمار.


أسوأ ما يمكن أن يواجهه القائد ليس ضعف الفريق، ولا قلة الإمكانات، ولا حتى ضغط السوق، بل أن يعمل تحت إدارة تعيش في فضاء مختلف، تتحدث بلغة لا تشبه الناس، وتبني قراراتها على أحلام معلبة وشعارات محفوظة، بينما الأرض تحترق وتهتز تحت أقدام العاملين.


تجدهم مولعين بعبارة «التفكير خارج الصندوق»، وكأن الصندوق الحقيقي هو الواقع نفسه..!


يريدون حلولاً مبهرة، وقفزات خارقة، وتحولات فورية، بينما الموظف بالكاد يجد نظاماً مستقراً أو صلاحيات واضحة أو بيئة عمل آدمية تساعده على الإنجاز.


وحتماً الإدارة التي لا تنزل للميدان تتحول مع الوقت إلى ماكينة تنظير لا تمت للواقع بصلة.


اجتماعات طويلة، عروض ملونة، كلمات ضخمة عن الرؤية والاستدامة والابتكار، ثم حين تقترب من التفاصيل تكتشف أن لا أحدَ يعرف ماذا يحدث فعلاً داخل كيانات المؤسسة.


بعض القيادات العليا وليست التنفيذية، لا تدير المؤسسات، بل تدير الوهم!


يبيعون الحلم للمالكين، وللإعلام، وللموظفين، وأحياناً لأنفسهم أيضاً.


يتحدثون عن «التحول الكبير»، بينما الموظفون غارقون في التخبّط..


يتحدثون عن «تمكين الإنسان»، بينما أفضل الكفاءات تفكر يومياً في الاستقالة!


يتحدثون عن «ثقافة النجاح»، بينما بيئة العمل نفسها طاردة لأي شخص صادق يريد أن يعمل بضمير.


ثم تأتي اللحظة المعتادة في نهاية العام.


تتعثر المشاريع. تفشل الخطط. تتبخر الوعود. فتبدأ مسرحية التنصل الكبرى.


فجأة يصبح الخطأ خطأ «الفريق التنفيذي»، ويتحول القائد الميداني إلى كبش فداء، ويُقال بكل برود: «لم نجد فريقاً قادراً على تحقيق الرؤية».


أي رؤية هذه التي وُلدت أصلاً بعيداً عن الواقع؟


وأي خطط تلك التي صاغتها مكاتب مغلقة لا تعرف كيف يعيش الموظفون فعلاً؟


المؤلم أن كثيراً من المؤسسات لم تعد تثق بخبرة أبنائها، بل أصبحت تؤمن أكثر بالشركات الاستشارية التي تبيع الكلام الفخم في قوالب أنيقة.


ملايين تُدفع لدراسة «الواقع»، بينما الموظف البسيط كان قادراً أن يشرح المشكلة الحقيقية في عشر دقائق لو أن أحداً قرر الاستماع إليه. لكن الاستماع للفريق المجتهد متعب ومضيعة للوقت. أما التعاقد مع شركة استشارية فمريح؛ لأنه يمنح الإدارة العليا غطاءً أنيقاً للفشل القادم.


والكارثة أن هذه النوعية من القيادات لا تخسر المشاريع فقط، بل تخسر البشر!


تخسر القادة الحقيقيين الذين يمشون على الأرض. تخسر أصحاب الخبرة الذين يعرفون تفاصيل العمل. تخسر المخلصين الذين تعبوا وهم يحاولون حماية المؤسسات من الانهيار البطيء.


ومع الوقت، لا يبقى إلا المصفقون، الذين يجيدون ترديد المصطلحات الحديثة، والتقاط الصور، وكتابة التقارير الوردية، بينما الحقيقة في الداخل مختلفة تماماً.


المؤسسات بكل تخصصاتها لا تنهار دائماً بسبب قلة المال، بل تنهار أحياناً بسبب فائض الوهم.


وحين تصبح الإدارة العليا منفصلة عن الناس، فإن كل شيء يتحول إلى عرض مسرحي ضخم: أهداف لا تُحقق، خطط لا تُنفذ، اجتماعات لا تنتهي، وموظفون يزدادون إنهاكاً يوماً بعد يوم.


القائد الحقيقي لا يحتاج أن يفكر «خارج الصندوق» طوال الوقت. أحياناً كل ما يحتاجه أن ينزل إلى الأرض، أن يسمع، أن يرى، أن يعيش الواقع كما هو، لا كما يظهر في شرائح البوربوينت؛ لأن المؤسسات لا تُدار بالشعارات، ولا بالأحلام المباعة بالجملة، ولا بالتنظير الفج.


المؤسسات تُدار بالبشر، وحين نخسر البشر، نخسر كل شيء.


ومن أكثر المشاهد قسوة داخل المؤسسات، أن تتحول «كفاءة الإنفاق» إلى سكين يُسلَّط فقط على الموظفين والقيادات الوسطى، بينما تبقى امتيازات الإدارة العليا منطقة محرّمة لا يقترب منها أحد.


ففجأة تبدأ قرارات التقشف: تقليص حوافز، إلغاء بدلات، تجميد ترقيات، ضغط على الرواتب، وتحميل الموظفين أعباء إضافية تحت شعارات «إعادة الهيكلة» و«رفع الكفاءة».


لكن المثير للسخرية أن هذه الصرامة المالية لا تصل أبداً إلى المكاتب العليا، ولا تمس المكافآت الضخمة، ولا العقود الفاخرة، ولا النسب التي تُصرف وكأن المؤسسة حق خاص لفئة محددة.


الأسوأ أن بعض الإدارات تتعامل مع الموظفين وكأنهم بند تكلفة يجب خنقه، لا بشراً يحملون المؤسسة على أكتافهم كل يوم.


يرون أن النجاح الحقيقي هو كم استطاعوا اقتطاعه من جيوب من تحتهم، لا كم استطاعوا بناء بيئة تحفظ الكرامة والعدالة والانتماء.


وحين يشعر العاملون أن التقشف لا يُطبق إلا عليهم، وأن «الكعكة» محفوظة دائماً للأعلى، فإن الولاء يموت بصمت، ويتحول العمل إلى مجرد حضور بارد بلا روح؛ لأن الإنسان قد يتحمل التعب، لكنه نادراً ما يغفر الظلم.


ولهذا، فإن مسؤولية إنقاذ المؤسسات لا تقع على الموظفين وحدهم، ولا على القادة الميدانيين الذين يُستنزفون كل يوم وهم يحاولون ترميم ما تُفسده القرارات البعيدة عن الواقع.


المسؤولية الحقيقية تبدأ من مجالس الإدارات والمساهمين؛ لأن الصمت الطويل على القيادات المنفصلة عن الميدان لا يصنع نجاحاً، بل يصنع انهياراً مؤجلاً.


على مجالس الإدارات أن تسأل بصدق: هل تصلنا الحقيقة كما هي، أم كما يريد البعض تلميعها؟


هل تُقاس النتائج بواقع المؤسسة، أم بعدد العروض والاجتماعات والشعارات؟


هل تُحمى الكفاءات، أم تُدفع بصمت نحو الاستقالة والإحباط؟


وهل أصبحت بعض المناصب العليا وسيلة لحماية الامتيازات الشخصية أكثر من كونها مسؤولية أخلاقية ومهنية؟


المؤسسات لا تحتاج مزيداً من الخطب الحالمة، تحتاج قيادات تمشي على الأرض، تعرف الناس، وتفهم الألم قبل أن تكتب الخطة.


وحين تغيب الرقابة الحقيقية، وتُترك المؤسسات رهينة للوهم والتنظير وحماية المصالح، فإن الخسارة لا تكون في الأرقام فقط، بل ستكون في البشر الذين كانوا يوماً قادرين على صنع الفرق ثم غادروا بصمت.


فالموظف قد يصبر على ضغط العمل، وعلى قلة الموارد، وعلى صعوبة الطريق، لكنه لا يستطيع أن يعمل طويلاً تحت إدارة لا تراه، ولا تسمعه، ولا تشعر أصلاً بوجوده.

00:00 | 2-08-2026