أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1890.jpg?v=1778067387&w=220&q=100&f=webp

منى عبد المحسن العيبان

حين تتحدث المكاتب أكثر من أصحابها..!

تفرض عليّ طبيعة عملي زيارات متكررة لمكاتب عدد من القيادات والإدارات، ومع مرور الوقت أدركت أنني لا أدخل إلى "مكاتب" بالمعنى التقليدي فقط، أدخل إلى شخصيات كاملة، وإلى عقول إدارية يمكن قراءة الكثير عنها من تفاصيل المكان قبل أن يبدأ الحديث.


ومن خبرتي الإدارية أرى أن المكاتب لا تكذب. فكل زاوية فيها تحكي شيئًا عن صاحبها، عن طريقته في التفكير، وعن علاقته بالعمل، وعن مستوى انتمائه للمؤسسة، وحتى عن مقدار احترامه للناس الذين يعملون معه أو يزورونه.


هناك مكاتب تدخلها فتشعر أن المكان يؤدي وظيفة إجبارية لا أكثر، مكتب بلا طعم ولا لون ولا رائحة.


الأوراق مبعثرة، والملفات بلا هوية واضحة، والأدراج ممتلئة بكل شيء إلا النظام، والجدران صامتة كأنها لا تعرف ماذا تريد أن تقول.؟!


لا أثر لفكر إداري، ولا روح قيادة، ولا أي ملمح يدل على أن صاحب هذا المكتب يصنع مشروعًا أو يقود فريقًا أو يبني بيئة عمل حقيقية.!


وحين تجلس مع صاحبه، تدرك غالبًا أن الفوضى لم تكن في المكان وحده... بل في طريقة التفكير أيضًا.!


وفي المقابل، هناك مكاتب تسبقك إليها الحكاية قبل أصحابها. ما إن تدخل حتى تشعر أن كل شيء موضوع بعناية واحترام. ترتيب الملفات، وضوح الهوية البصرية، أناقة المكان، هدوء التفاصيل، جودة التنظيم، وحتى طريقة استقبال الزائر.


تشعر أن الاحترافية هنا ليست شعارات معلقة على الجدران، هي ممارسة يومية تظهر في أبسط الأشياء.


هذه النوعية من القيادات تفهم أن المكتب ليس مساحة شخصية فقط، إنما صورة للمؤسسة كلها.


الملفات المرتبة ليست ترفًا، هي انعكاس لعقل مرتب، والبيئة الأنيقة ليست مظهرًا، تشعرك باحترام للعمل وللناس.


وغالبًا ما يكون أصحاب هذه المكاتب أقل الناس ضجيجًا... لأن الإنجاز يتحدث عنهم.


وهناك نوع ثالث يقف في المنتصف.. لا هو بالفوضى الكاملة، ولا هو بالنموذج الملهم.


تشعر أن صاحبه مجتهد ويحاول أن يؤدي عمله بإخلاص، لكنه لم يطور أدواته بعد. يبذل الحد المقبول، ويؤدي مهامه اليومية، لكنه لا يملك تلك الروح التي تصنع الفرق. تجد الرغبة موجودة، لكن المهارة لم تكتمل، والطموح حاضر، لكن التطوير الذاتي غائب أو محدود.


وهؤلاء يمكن أن يصبحوا قادة حقيقيين لو منحوا أنفسهم فرصة أكبر للتعلم والتجربة والتطوير.


لكن النوع الأكثر إرهاقًا في بيئات العمل ليس الفوضوي فقط... بل ذلك المدير الذي توقف عن تطوير نفسه منذ سنوات، ويعتقد أن المنصب وحده يكفي ليمنحه الهيبة والنجاح.


هذا النوع لا يعمل بروح الفريق، ولا يؤمن بأن النجاح عمل جماعي.. يريد الجميع أن يعملوا لأجله، لا معه.


يتعامل مع المؤسسة وكأنها محطة مؤقتة لا بيتًا مهنيًا ينتمي إليه.


لا يقرأ، لا يتعلم، لا يراجع أدواته، ولا يحاول أن يواكب التغيرات، ثم يتساءل باستغراب لماذا تراجع فريقه ولماذا فقد الناس حماسهم حوله.!


الأصعب من ذلك كله، ذلك المكتب الذي تستقبلك فيه الشكوى قبل السلام. كل شيء عندهم خطأ:


الإدارة العليا مقصّرة، والزملاء لا يفهمون، والأنظمة معقدة، والإمكانات ضعيفة، والوقت لا يكفي. الجميع مسؤول عن التعثر... إلا هو.!


ومع الوقت، تتحول هذه العقلية إلى بيئة طاردة للإبداع. بيئة تستهلك الطاقات بدل أن تصنعها، وتبرر الإخفاق بدل أن تبحث عن الحلول. فالقائد الحقيقي لا يقضي عمره في تعداد الأعذار، بل في صناعة البدائل.


الحقيقة التي تعلمتها من كل هذه الزيارات أن الإدارة ليست منصبًا فقط، وليست بطاقة تعريف على باب مكتب، وليست صلاحيات وتوقيعات واجتماعات.


الإدارة وعي، وذوق، وانتماء، وقدرة على صناعة الأثر حتى في التفاصيل الصغيرة.


القائد الحقيقي يمكن أن تراه في هوية واضحة، في ترتيب ملف، وفي طريقة استقبال، وفي احترام المواعيد، وفي هدوء المكان، وفي روح الفريق التي تنعكس على كل من يعمل معه.


ولذلك أؤمن دائمًا أن ليس كل من رُشّح للإدارة أصبح مديرًا ناجحًا. فالقيادة لا تصنعها الرغبة وحدها، بل تصنعها المواقف والتجارب والقدرة على التعلّم والنضج وتحمل المسؤولية. وليتنا — في كثير من الأحيان — كإدارة عليا نختاره قبل أن يختارنا..!

00:00 | 14-05-2026

نحو عامٍ دراسي بلا مفاجآت.. دعوة لتنظيم التعاميم واستقرار القرار التربوي

في خطوةٍ لافتة تعكس توجّهاً نحو التخطيط بعيد المدى، أعلنت وزارة التعليم العام الماضي التقويم الدراسي لخمس سنوات قادمة. هذه الخطوة، في جوهرها، تمثّل نقلة نوعية في إدارة الزمن التعليمي، وتُعدّ إشارة واضحة إلى رغبة في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتخفيف حالة الارتباك التي قد تصاحب التغيّرات المفاجئة.

غير أن هذا الإنجاز-على أهميته- يظل ناقص الأثر ما لم يُستكمل بمنظومة تنفيذية متكاملة تُترجم هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي داخل الميدان التعليمي.

إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تُستثمر هذه الرؤية بعيدة المدى في بناء عام دراسي مكتمل المعالم منذ يومه الأول؟

ولماذا لا تلتزم الوزارة -مع عودة الهيئتين التعليمية والإدارية قبل بدء الدراسة- بتسليم الميدان حزمة شاملة من التعاميم والإجراءات التي تغطي تفاصيل العام الدراسي كافة، من خطط الأنشطة، وجداول الاختبارات، وتوزيع المناهج، إلى البرامج النوعية والمبادرات المركزية، بحيث لا يُترك مجال للتغييرات اللاحقة أو التعاميم المفاجئة؟

إن استقرار القرار يعزز جودة التنفيذ، فالعمل التربوي بطبيعته عمل تراكمي يعتمد على التخطيط المسبق والتنفيذ المتدرج. وعندما تتغيّر التعليمات أثناء العام الدراسي، فإن ذلك لا يربك الجدولة فحسب، إنما يخلّ كذلك بتوازن البيئة التعليمية، ويؤثر على جودة المخرجات. فالمعلم الذي يُفاجأ بتعديل في خطة المنهج أو آلية التقويم، سيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته، وقد يفقد جزءاً من تركيزه التربوي لصالح المعالجة الإجرائية. أما القائد المدرسي، فيجد نفسه منشغلاً بإعادة ضبط المسار بدلاً من تطوير الأداء.

كذلك هذا الأمر سبجعل تمكين المدرسة يبدأ بالوضوح، فحين تُسلَّم المدرسة خريطة العام كاملة منذ البداية، فإنها تتحوّل من كيانٍ منفذ إلى كيانٍ مخطط وشريك في النجاح.

وضوح الرؤية يمنح الإدارات المدرسية القدرة على توزيع الجهود، وتوظيف الموارد، وبناء مبادرات داخلية تتناغم مع التوجهات العامة دون تعارض أو ارتباك. كما يعزّز ذلك روح المسؤولية المهنية، حيث تصبح المدرسة محاسبة على تنفيذ أجندة معلومة، لا على التكيّف مع متغيّرات طارئة.

وإصدار مثل هذا التنظيم سيعمل على الحد من الهدر الإداري والزمني؛ لإن التعاميم المتأخرة أو المتغيّرة تستهلك قدراً كبيراً من الوقت والجهد في إعادة الترتيب والتنسيق، وهو وقتٌ كان من الممكن استثماره في تحسين العملية التعليمية نفسها.

كما أن التعديلات المفاجئة قد تؤدي إلى إلغاء برامج أو تغيير خطط تم الإعداد لها مسبقاً، مما يمثل نوعاً من الهدر الإداري الذي يتنافى مع مبادئ الكفاءة المؤسسية.

وأظن أن هذا القرار يساهم في بناء الثقة بين الميدان والجهة المشرفة، حيث إن الثقة في الأنظمة التعليمية لا تُبنى فقط على جودة القرارات، ولكن على استقرارها ووضوحها. وعندما يعتاد الميدان على صدور تعاميم مفاجئة أو تغييرات غير متوقعة، فإن ذلك يخلق حالة من التوجس والترقب، ويضعف من حماس المبادرة. في المقابل، فإن الالتزام بخطة معلنة وثابتة يعزز الثقة، ويمنح العاملين شعوراً بالطمأنينة المهنية. فما نطمح إليه ليس مجرد تقويم دراسي مُعلن، بل نموذج تشغيلي متكامل يبدأ مع عودة الكوادر التعليمية، حيث تُقدَّم لهم «حقيبة العام الدراسي» متضمّنة: خطة توزيع المنهج لكل مادة دراسية، وجداول الاختبارات بمختلف أنواعها، مع روزنامة الأنشطة والفعاليات ذات العلاقة، بالإضافة إلى البرامج والمبادرات المركزية، والأدلة التنظيمية والإجرائية.

على أن يُقابل ذلك التزامٌ مؤسسي بعدم إصدار أي تعاميم إضافية أو تعديلات جوهرية خلال العام، إلا في أضيق الحدود وضمن حالات استثنائية واضحة ومعلنة.

إن استقرار العام الدراسي ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تربوية تضمن جودة التعليم، وتحفظ جهد المعلم، وتمنح الطالب بيئة تعليمية متزنة. وإذا كانت الوزارة قد خطت خطوة مهمة بإعلان التقويم لخمس سنوات، فإن الخطوة التالية الأكثر تأثيراً هي تحويل هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي يُنهي عصر المفاجآت، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: عام دراسي يُدار بعلم، ويُنفذ بثقة، ويُقاس بأثره الحقيقي في الميدان.

23:45 | 6-05-2026

حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة.. لماذا يفشل الحضور؟

حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة، تتكشّف أزمة الحضور المدرسي بوصفها واحدة من أكثر التحديات التربوية تعقيداً، لا لأنها مرتبطة بانضباط الطالب فقط، بل لأنها تعكس خللاً عميقاً في فلسفة التعليم وممارساته.


لم تعد المسألة في عدد الغياب بقدر ما أصبحت في سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم يعد الطالب يشعر بالحاجة إلى الحضور أصلاً؟


على مدى سنوات، اجتهدت الإدارات التعليمية في إطلاق المبادرات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الحوافز، ومع ذلك بقي الغياب يتسلل بهدوء، بل ويتصاعد أحياناً، ما يعني أن المشكلة لا تكمن في قلة البرامج، ولكن في طبيعة التجربة التعليمية ذاتها!


الطالب اليوم لا يغيب لأنه مهمل بالضرورة، يغيب لأنه لا يرى فرقاً حقيقياً بين أن يكون في الصف أو خارجه، وحين تصبح الحصة مجرد إعادة لما هو مكتوب في الكتاب، أو شرحاً يمكن تعويضه بسهولة عبر أي وسيلة، فإن الغياب لا يُشعره بالخسارة، فقد يبدو له خياراً منطقياً.


الأخطر من ذلك أن كثيراً من الطلاب يغيبون دون أن يشعروا بتراكم واجبات أو ضغط معرفي أو حتى قلق من الاختبارات، وكأن النظام التعليمي نفسه لم يعد يبني تدرجاً حقيقياً يجعل الحضور ضرورة لا بديل لها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الأسر، إذ لم يعد غياب الابن يثير القلق ذاته كما كان في السابق، حيث أصبح يُمرر أحياناً بسهولة، أو يُبرر بذرائع مختلفة، مما يُضعف أي محاولة مدرسية لبناء الانضباط.


المفارقة اللافتة أن الطلاب قبل عامين تقريباً انضبطوا بشكل كبير بسبب خبر غير مؤكد عن إحالة ولي الأمر للنيابة العامة ولحقوق الطفل في حال تكرار الغياب، وهو ما يكشف أن الأنظمة ليست غائبة، بل هيبتها هي التي تراجعت، وأن الطالب وولي الأمر يستجيبان حين يشعران بجدية التطبيق لا بمجرد وجود النص.


وحتى القرارات الأخيرة التي تربط الغياب بالرسوب، فإن أثرها يظل مرهوناً بمدى وضوحها وتطبيقها الفعلي، لا بمجرد الإعلان عنها.


وفي قلب هذه المعادلة يقف المعلم، ليس بوصفه سبباً مباشراً للأزمة، ولكن بوصفه عنصراً حاسماً في إعادة تشكيل قيمة الحصة، فحين تكون الحصة تقليدية، بلا تفاعل أو تحدٍ أو ارتباط بحياة الطالب، فإنها تفقد قدرتها على الجذب، أما حين تتحول إلى تجربة تعليمية حقيقية، فإن الطالب يشعر أن غيابه خسارة فعلية لا يمكن تعويضها بسهولة.


من هنا يتضح أن التعويل على الفعاليات والمغريات وحدها لا يمكن أن يكون حلاً مستداماً، فهي قد تنجح في جذب الطالب ليوم أو أسبوع، لكنها لا تبني دافعاً داخلياً دائماً، لأن القضية في جوهرها ليست في تحفيز الحضور، إنما في جعل الحضور ذا قيمة.


وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل لا ينبغي تأجيله: هل ما زال الحضور اليومي التقليدي هو الخيار الأمثل لجميع الطلاب؟ أم أننا بحاجة إلى الاعتراف بأن نموذج «مقاس واحد للجميع» لم يعد صالحاً في زمن تتسارع الفروق الفردية وتتنوع أنماط التعلم؟


الواقع يشير إلى أن بعض الطلاب لا يتفاعل مع الإيقاع المدرسي التقليدي، ليس ضعفاً، إنما اختلاف. وهنا تبرز الحاجة إلى مسارات تعليمية أكثر مرونة داخل المنظومة المدرسية، تتيح للطالب أن يتعلم وفق نمط يتناسب مع قدراته، مع الحفاظ على معايير واضحة للتقييم والانضباط.


إن الاستمرار في فرض نمط موحد قد يُنتج حضوراً شكلياً دون أثر حقيقي، بينما فتح مسارات مرنة مبتكرة ومنظمة قد يعيد تعريف جودة التعلم، ويوجه الجهد التربوي نحو تحقيق نتائج فعلية بدل الاكتفاء بمؤشرات شكلية للحضور والانضباط.


وقد يكون من المجدي التفكير في نماذج مرنة (مثل يوم أو يومين عن بعد)، لكن بشرط أن تكون الأيام الحضورية عالية القيمة، لا تقليدية.


إن استعادة الحضور المدرسي لا يمكن أن تتحقق عبر التشديد وحده، ولا عبر الترفيه وحده، يتم ذلك عبر إعادة بناء التجربة التعليمية بحيث يصبح الغياب خسارة حقيقية يشعر بها الطالب، ويصبح الحضور استثماراً يومياً في ذاته، وعندها فقط يمكن أن تعود للمدرسة هيبتها، لا بوصفها مكاناً يُلزم الطالب بالحضور، ولكن بوصفها بيئة لا يستطيع الاستغناء عنها.

00:01 | 23-04-2026

حين تتحول الجوائز إلى غاية.. من يُنقذ التعليم من زحام التصفيق؟

في مشهدٍ يتكرر كل عام، تتزاحم منصات التتويج، وتلمع صور الفائزين، وتُعلّق اللافتات التي تعلن عن «إنجازات» المدارس في المسابقات الطلابية. نُصفّق طويلاً، نحتفي، ونمنح الجوائز، ثم.. ننسى أن نسأل السؤال الأهم: ماذا حدث داخل الفصل؟ ماذا تعلّم الطالب فعلاً؟


ليست المشكلة في المسابقات ذاتها، ولا في تكريم المتفوقين، فذلك جزء أصيل من ثقافة التحفيز. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الفوز هدفاً قائماً بذاته، يتقدم على التعلم، ويزاحم جوهر العملية التعليمية حتى يكاد يطغى عليه.


في كثير من المدارس، لم تعد المسابقة نشاطاً داعماً للتعلم، أصبحت مشروعاً قائماً بذاته، تُسخّر له الجهود، وتُعاد جدولة الحصص، وتُستنزف فيه طاقات المعلمين والطلاب.


يتحول الطالب من متعلّم يبحث عن الفهم، إلى متسابق يبحث عن منصة. ويجد المعلم نفسه في سباقٍ موازٍ: كيف يُخرّج فائزاً؟ لا كيف يُنشئ متعلماً.


لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد.. بل تتجاوزها إلى مستوى أكثر إقلاقاً.


ففي بعض القطاعات التعليمية، لم يعد «الفوز» نتاج بيئة تعليمية حقيقية، بل أصبح -في حالات متزايدة- نتيجة تعاقدات مع شركات متخصصة، تُقدّم خدمات «جاهزة» لإعداد الطلبة للمسابقات، وتضمن -بشكل أو بآخر- تحقيق الجوائز والتفوق. وهنا لا نتحدث عن دعمٍ تدريبي مشروع، بل عن صناعة موازية، تُدار بعقلية النتائج، لا بعقلية التعليم.


المفارقة المؤلمة، أن بعض المدارس لم تعد تُقيّم بناءً على جودة تعلم طلابها، أو عمق مخرجاتها، بل على عدد الجوائز التي تحققها. وكأننا -دون أن نشعر- استبدلنا مؤشرات التعليم الحقيقية، بمؤشرات دعائية لامعة.


لأننا حين يصبح «عدد الكؤوس» معياراً، فإننا نفتح الباب لتشوهات خطيرة:


مدارس تُجمّل صورتها خارجياً، بينما يعاني طلابها داخلياً. وميدانٌ تعليمي ينشغل بما يُعرض، أكثر مما يُبنى.


الأخطر من ذلك، أن هذه الثقافة تُعيد تعريف التفوق بصورة مشوّهة. التفوق لم يعد رحلة تراكمية من الفهم والمهارة، بل لحظة تتويج عابرة!


طالبٌ لم يفز.. يُهمّش. وآخر فاز.. يُقدّم بوصفه النموذج، حتى وإن كان فوزه نتيجة تدريب مكثف على نمط محدد من الأسئلة أو المهام، لا انعكاساً حقيقياً لعمق معرفي.


وهنا تتسلل مفارقة صامتة: نُكافئ «النتيجة» أكثر مما نبني «الإنسان».


لقد أصبحنا -دون أن نشعر- نربي جيلاً يربط قيمته بالتصفيق، ويقيس نجاحه بعدد الجوائز، لا بقدرته على الفهم، والتحليل، والاستمرار في التعلم.


جيل قد يتفوق في منصة، لكنه يتعثر خارجها، لأنه لم يُمنح ما يكفي من الوقت ليخطئ، ليتأمل، ليتعلم بهدوء بعيداً عن ضجيج المنافسة.


إن الإفراط في المسابقات، وتضخم جوائز التفوق، لا يستهلك فقط الوقت والجهد، إنما يُعيد توجيه البوصلة التعليمية بالكامل. تصبح المدرسة مساحة لإنتاج «قصص نجاح سريعة»، بدل أن تكون بيئة لبناء عقول عميقة. ويصبح الإنجاز لحظياً، لا ممتداً.


ولنكن صريحين: كم من طالبٍ شارك في عشرات المسابقات وفاز، لكنه لا يملك مهارات أساسية في التفكير أو التعبير؟ وكم من مدرسةٍ حصدت الجوائز، لكنها تعاني ضعفاً في مخرجاتها التعليمية الحقيقية؟


المشكلة إذاً ليست في قلة الجهد، بل في سوء توجيهه. فنحن لا نحتاج إلى المزيد من المسابقات بقدر ما نحتاج إلى مزيد من «التعليم الحقيقي». نحتاج إلى فصلٍ هادئ، يُطرح فيه سؤال عميق، لا إلى منصةٍ صاخبة يُرفع عليها كأس. نحتاج إلى معلمٍ يُتقن بناء الفهم، لا إلى مدربٍ يُجيد تجهيز طالبٍ لمسابقة.


إن التعليم ليس عرضاً مسرحياً، ولا سباقاً قصير المدى. هو عملية بطيئة، تراكمية، تُبنى فيها العقول لبنةً لبنة. وكل ما يشتت هذه العملية -مهما بدا لامعاً- يجب أن يُعاد النظر فيه.


ليس المطلوب إلغاء المسابقات، ولكن إعادة وضعها في حجمها الطبيعي: نشاطٌ داعم، لا محور مهيمناً. أداة تحفيز، لا معيار تفوق. مساحة تجربة، لا منصة حكم.


كما أن جوائز التفوق بحاجة إلى مراجعة عميقة. فحين تتحول إلى حافز مادي ضخم، فإنها تُدخل الطالب في معادلة «العائد» بدل «القيمة»، وتُضعف الدافعية الداخلية للتعلم. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمعنى، لا للمبلغ.


في النهاية، السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:


هل نُعلّم أبناءنا.. أم نُدير لهم مواسم تنافس؟


شعار التعليم أولاً.. ثم كل شيء. ليس مجرد عبارة إنشائية، هو مبدأ يجب أن يُحمى. فحين ينشغل الميدان التعليمي بكل ما هو خارج جوهره، فإن الخسارة لا تكون في جائزة ضاعت، ستكون في جيلٍ لم يُبنَ كما ينبغي.


ولعل أخطر ما في الأمر، أن الضجيج قد يُخفي الخلل.. لكنه لا يُصلحه.

00:01 | 17-04-2026

تفكيك غير منضبط لمنظومة التقييم الدراسي لطلابنا!

في لحظةٍ ما، فقدنا البوصلة. فلم يعد الطالب يعرف كيف يُقاس مستواه الدراسي، ولا المعلم كيف يُقوِّم، ولا ولي الأمر كيف يقرأ نتائج ابنه بثقة واطمئنان! تحوّل التعليم من مسار واضح المعالم إلى متاهة من الأنظمة والتجارب المتلاحقة التي لا تستقر على حال، حتى بات المشهد أقرب إلى حالة من الارتباك الجماعي منه إلى منظومة تعليمية ناضجة.

لسنا ضد التطوير، ولا نقف في وجه التحديث، لكن ما نعيشه اليوم لا يمكن وصفه بالتطوير بقدر ما هو تفكيك غير منضبط لمنظومة التقييم، حيث تتزاحم الاختبارات، وتتبدل الأوزان، وتتعدد النسب، وتظهر مواد تُقيَّم بلا اختبار، وأخرى يُضاعف وزن اختبارها، في مشهد أقرب إلى تركيبة حسابية معقدة منه إلى نظام تربوي متماسك.

ولعل أحد أبرز تجليات هذا الاضطراب ما شهدناه حتى في المسميات ذاتها؛ فالإدارة التي كانت تُعرف يوماً بـ«إدارة الاختبارات» أصبحت «القياس والتقويم»، ثم تحولت إلى «التحصيل المعرفي»، وكأننا أمام رحلة أسماء تشرق وتغرب بلا اتجاه واضح.

لم يتغير الاسم لأن المفهوم استقر، بل تغيّر لأن الرؤية لم تكتمل، فأصبح التغيير شكلياً في كثير من الأحيان، لا يمس جوهر الإشكال بقدر ما يعيد تغليفه بمصطلحات جديدة، بينما يظل الميدان على حاله من الحيرة والتشتت!

قبل أكثر من أربعة عقود، لم يكن التعليم مثالياً، لكنه كان واضحاً ومفهوماً للجميع. نظام بسيط يحدد 50 درجة للفصل، منها 15 لأعمال السنة و35 للاختبار النهائي، وفي نهاية العام يُحسم النجاح بوضوح دون تعقيدات أو تفريعات مرهقة. لم يكن الطالب بحاجة إلى آلة حاسبة ليفهم موقعه، ولا المعلم مضطراً لتفسير منظومة درجات معقدة، ولا ولي الأمر في حيرة من أمره أمام نتائج مبهمة.

اليوم تغيّر كل شيء إلا النتيجة، فلم يتحقق التقدم المأمول، بل تراجعنا في جوهر العملية التعليمية، في وضوح القياس، وعدالة التقييم، وثقة المجتمع في مخرجات التعليم.

أصبح لدينا اختبارات مدرسية تختلف من مدرسة إلى أخرى، واختبارات وطنية مثل نافس، واختبارات قدرات وتحصيلي وموهبة، وتقييمات تكوينية ومهارية، وقائمة تطول من المسميات، وكل اختبار يدّعي أنه يقيس جانباً من الحقيقة. لكن أي حقيقة هذه التي تتعدد أدوات قياسها إلى هذا الحد؟

هل نقيس الطالب فعلاً، أم نقيس المعلم، أم نحاول قياس المدرسة والنظام والمجتمع دفعة واحدة؟ المفارقة المؤلمة أن الطالب قد يتفوق في نظام ويتعثر في آخر، وينجح في اختبار ويخفق في آخر، وكأننا أمام أكثر من طالب في جسد واحد، بينما الحقيقة أن الخلل في أدوات القياس نفسها لا في الطالب.

بهذا التشتت، فقد الاختبار مكانته. لم يعد ذلك الحدث التعليمي الذي يُستعد له بجدية ويُدرك أنه محك حقيقي للفهم والتحصيل، بقدر ما أصبح مجرد عنصر ضمن منظومة متشعبة يمكن تعويضه أو الالتفاف عليه أو تذويبه داخل نسب وأوزان لا يفهمها كثيرون.

الطالب الآن بات يتعامل مع الاختبار بعقلية حسابية بحتة، يسأل كم يحتاج ليحقق درجة معينة بعد احتساب التقييم والمشاريع والمشاركة، وكأن الهدف لم يعد التعلم، بل إدارة الدرجات.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن التعليم حين يتحول إلى لعبة أرقام يفقد روحه، وحين يفقد الاختبار هيبته يفقد الطالب دافعيته، وحين تتعدد أدوات القياس دون اتساق تضيع العدالة!

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الأدوات للقياس والتقييم، نحتاج وضوحاً في الرؤية وشجاعة في القرار. نحتاج إلى إعادة الاعتبار للاختبار كأداة رئيسة لقياس التحصيل، اختبار واضح وعادل يُبنى على أهداف دقيقة ويقيس الفهم لا الحفظ، والمهارة لا التلقين.

كما نحتاج إلى تقليل هذا التضخم في أدوات التقييم، بحيث يكون لكل أداة دور محدد ومفهوم، لا أن تتداخل الأدوار وتتكرر القياسات وتُستهلك الجهود دون أثر حقيقي. فالتعليم لا يتقدم بكثرة الاختبارات، ولكن بجودة القياس، ولا يُبنى بتعدد النماذج، وإنما باتساقها وانضباطها.

إن الإصرار على التعقيد تحت شعار التطوير لا يصنع تعليماً أفضل، يصنع نظاماً هشاً يفقد ثقة الميدان، ويُربك الطالب، ويُرهق المعلم، ويُدخل الجميع في دائرة من الشك في النتائج.

والمسؤول اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس اختباراً للطلاب، بقدر ما هو اختبار للقرار التربوي التعليمي ذاته، بين الاستمرار في هذا التشتت أو التوقف لإعادة بناء منظومة تقييم واضحة وعادلة تعيد للتعليم هيبته ومعناه. فالتعليم ليس ساحة تجارب مفتوحة بلا نهاية، والطلاب ليسوا حقول اختبار لفرضيات متغيرة، بل هم أمانة ومسؤولية، وأي خلل في قياسهم هو خلل في مستقبلهم.

ويتساءل كثيرون عن اختفاء الرسوب للطلاب من مدارسنا؟!

وأقولها بكل حسرة، إن اختفاء الرسوب لم يكن نتيجة تطور تربوي خالص أو منهجية تعليمية مبتكرة، بل في جانب منه انعكاسٌ لقلقٍ متزايد من الأرقام والمؤشرات، حيث أصبح النجاح الجماعي معياراً إدارياً يُقاس به أداء المدرسة، لا مستوى التعلم الحقيقي. هكذا تحوّل الرسوب من أداة تشخيص وتقويم إلى عبءٍ يُراد التخلص منه، وكأن بقاء الطالب دون إتقان هو الهدر الحقيقي، لا انتقاله دون أساسٍ متين.

في جوهره، لم يكن الرسوب يوماً عقوبة، كان فرصة لإعادة البناء؛ لحظة صادقة يواجه فيها الطالب فجواته، ويُمنح وقتاً إضافياً للنضج العلمي والمهاري. إن التجربة الإنسانية تثبت أن التعثر الواعي قد يكون أكثر أثراً من النجاح السريع، لأنه يرسّخ الفهم، ويُعيد ترتيب العلاقة مع المعرفة.

أما حين يُلغى الرسوب تماماً، فإننا لا نلغي الفشل، ولكننا نؤجله ونرحّله إلى مراحل لاحقة تكون كلفته أعلى، سواء في الجامعة أو سوق العمل. التعليم الحقيقي لا يخشى من إعلان الضعف، بل يخشى من تجميله.

لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح: كفانا عبثاً. آن الأوان أن نعيد للاختبار مكانته، وللتقييم معناه، وللتعليم وضوحه، قبل أن نجد أنفسنا أمام جيل يحمل أرقاماً عالية، لكنه يفتقد أبسط معايير القياس الحقيقي!

00:03 | 10-04-2026