لم تخسر وزارة التعليم مرحلة كما خسرت المرحلة الثانوية. وقد تبدو هذه الجملة قاسية، لكنها تصبح أقل قسوة حين ننظر إلى ربع قرن من التغييرات التي تعاقبت على هذه المرحلة دون أن تمنحها فرصة للاستقرار.
تبدلت الأنظمة، وتغيرت المسميات، وتعاقبت المشاريع، بينما بقي الطالب هو الثابت الوحيد في كل هذه التجارب، يدفع وحده ثمن كل انتقال من رؤية إلى أخرى، ومن نظام إلى آخر.
جيل كامل عرف الثانوية العامة مدرسةً لها شخصية وهيبة ورسالة. كانت ثلاث سنوات واضحة المعالم، يعرف الطالب فيها طريقه، ويعرف المعلم رسالته، ويعرف ولي الأمر ما ينتظر ابنه.
كان التخصص العلمي أو الأدبي قراراً تربوياً يسبقه توجيه واستعداد وميول، لا نتيجة لتشابك اللوائح وتبدل المسارات. وكانت المدرسة أكثر من فصول دراسية؛ كانت مجتمعاً تربوياً حياً، تتشكل فيه الشخصية كما تتشكل المعرفة، وتولد فيه الثقة بالنفس قبل أن تتراكم الدرجات. في الإذاعة الصباحية، وفي النشاط، وفي الحوار، وفي المنافسات، وفي علاقة الطالب بمعلمه ومديره، كانت هناك مدرسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه شهادة.
وكانت السنة الثالثة تمثل ذروة ذلك البناء. لم تكن اختبارات الوزارة سهلة، لكنها كانت واضحة وعادلة؛ الجميع يخضع للاختبار نفسه، والجميع يعلم أن المدرسة هي التي علّمت، وهي التي قيّمت، وهي التي تتحمل مسؤولية مخرجاتها. لذلك كانت الشهادة الثانوية تحمل وزناً تربوياً واجتماعياً يتجاوز الورقة التي تُطبع عليها.
ثم بدأ شيء يتغير، حتى اختفت الثانوية التي عرفناها!
ليست المشكلة أن المرحلة الثانوية تطورت، فالتعليم لا يعيش بلا تطوير، وإنما المشكلة أن التطوير تحول إلى حركة دائمة لا تعرف الاستقرار. الثانوية المطورة، ثم النظام الفصلي، ثم المقررات، ثم المسارات، وكل مشروع كان يُقدَّم بوصفه الحل المنتظر، ثم يرحل قبل أن يُمنح الوقت الكافي لقياس أثره، ليأتي مشروع آخر يبدأ من جديد.
ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال: أي الأنظمة أفضل؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا لم تستقر المرحلة الثانوية يوماً حتى تبني هويتها وتراكم خبراتها؟
لكن الخسارة الكبرى لم تكن في تغيير الأنظمة، بل في تغيير فلسفة المرحلة نفسها.
لقد بدأنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، نسحب الوظائف الأساسية من المدرسة، ثم نستغرب بعد ذلك أنها فقدت مكانتها. كلما فقدنا الثقة في قدرة المدرسة على أداء مهمة، نقلنا تلك المهمة إلى خارجها. لم نعد نكتفي بما تقيسه المدرسة، فأنشأنا اختبارات أخرى. ولم نعد نكتفي بما تبنيه المدرسة من خبرات، فأصبحت المنصات والبرامج الخارجية جزءاً من رحلة الطالب اليومية. ولم نعد نكتفي بما تغرسه المدرسة من قيم المشاركة، فتحولت ساعات العمل التطوعي لدى كثير من الطلاب إلى متطلب إداري يُنجز في منصة أكثر مما يُعاش في بيئة المدرسة.
وهكذا لم تعد المدرسة مركز المشروع التعليمي، بل أصبحت واحدة من محطاته.
وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة. فالطالب يدرس في مكان، ويُقاس في مكان آخر، ويستعد في مراكز تدريب، ويجمع إنجازاته في منصة، ثم يُطلب من المدرسة أن تتحمل وحدها مسؤولية بناء شخصيته ومستواه العلمي. أي عدالة تربوية في أن تتوزع أدوات صناعة المستقبل بين جهات متعددة، ثم تبقى المدرسة وحدها موضع المساءلة؟
الأخطر من ذلك أن الرسالة التي تصل إلى الطالب لم تعد كما كانت. حين يعلم منذ الصف الأول الثانوي أن شهادته ليست الكلمة الأخيرة في مستقبله، وأن الطريق إلى الجامعة سيمر باختبارات أخرى خارج مدرسته، فإنه يبدأ، من حيث لا يشعر، في إعادة ترتيب أولوياته. تصبح المدرسة واجباً يومياً، بينما يصبح المستقبل الحقيقي في مكان آخر. ولا يحتاج أحد إلى أن يقول له ذلك صراحة؛ فالنظام كله يهمس له بهذه الرسالة كل يوم.
وحين تضعف قيمة الشهادة الثانوية في معادلة القبول، تضعف معها مكانة المدرسة نفسها. وتتعرض المدارس لضغوط متزايدة حتى لا يشعر طلابها بأن سنواتهم الثلاث ذهبت هباءً، فيتسع في بعض البيئات قدر من التساهل في منح الدرجات، لا لأن المعلمين فقدوا مهنيتهم، ولكن لأن النظام نفسه جعل الشهادة أقل قدرة على حسم مستقبل الطالب.
وهنا لا يعود الرقم معبراً بالقدر نفسه عن مستوى التعلم، بقدر ما يصبح أحياناً محاولة للتخفيف من شعور الطالب بأنه سيبدأ معركة جديدة خارج المدرسة. والمشكلة ليست في المعلم ولا في المدير، وإنما في منظومة قللت من أثر الشهادة، ثم استغربت أن تتغير النظرة إليها.
ولعل أخطر ما حدث خلال هذه السنوات أن الأسرة نفسها بدأت تنظر إلى المدرسة بعين مختلفة. قبل أعوام، كان الأب يقول لابنه: اجتهد في المدرسة، فهي طريقك إلى الجامعة.
أما اليوم، فكثير من الأسر تبدأ حديثها مع أبنائها بسؤال مختلف: متى ستلتحق بدورة القدرات؟ ومتى ستبدأ الاستعداد للتحصيلي؟ قد تكون هذه الدورات نافعة، لكن تحولها في وعي المجتمع إلى الطريق الأهم للمستقبل يكشف أن مركز الثقل انتقل من المدرسة إلى خارجها. وهذه ليست ملاحظة على الطلاب أو الأسر، بل مؤشر يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.
أما الطالب، فقد أصبح يحمل فوق كتفيه ما لم تحمله أجيال سابقة. يدرس مقررات المدرسة، ويستعد لاختبارات أخرى، ويلتحق بالدورات، ويلاحق المنصات، ويجمع ساعات التطوع، ويعيش تحت ضغط المقارنات، ثم نطالبه في الوقت نفسه أن يستمتع بأجمل سنوات عمره، وأن يبني شخصيته، وأن يكتشف ميوله، وأن يحافظ على صحته النفسية.
لقد تحولت المرحلة التي كان يفترض أن تكون مصنعاً للإنسان إلى مرحلة مثقلة بالاستحقاقات، يركض فيها الطالب من مهمة إلى أخرى، حتى غابت متعة التعلم، وتراجع الشعور بأن المدرسة هي المكان الذي تُصنع فيه الحياة قبل أن تُصنع فيه الشهادة.
وليس المقصود من هذا كله رفض التطوير، ولا التقليل من قيمة القياس، ولا الاعتراض على العمل التطوعي، فلكل منها أهداف يمكن أن تضيف قيمة حقيقية.
لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأدوات إلى بديل عن المدرسة، وحين يصبح كل مشروع جديد خطوة إضافية في سحب الدور الذي أنشئت المدرسة أصلاً لتقوم به. فالتعليم لا يُقاس بعدد المنصات، ولا بعدد المبادرات، ولا بعدد الأنظمة التي نتنقل بينها، يُقاس بقدرته على بناء إنسان واثق بنفسه، مؤمن بمدرسته، معتز بمعلمه، وقادر على الانتقال إلى الجامعة وهو يشعر أن السنوات التي قضاها في الثانوية كانت هي التي صنعته.
الثانوية العامة ليست ثلاث سنوات تسبق الجامعة، بل هي آخر محطة يتشكل فيها الإنسان قبل أن يتخصص. فيها تُبنى الثقة، وتتضح الميول، وتترسخ المسؤولية، ويتعلم الشاب والفتاة كيف يواجهان الحياة قبل أن يواجها التخصص. فإذا ضعفت هذه المرحلة، فلن تعوضها جامعة، ولن يصلحها برنامج تدريبي، ولن تعيد إليها أي منصة ما فقدته من روحها.
بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ربما لم يعد السؤال الذي نحتاجه هو: ما النظام القادم؟ بل سؤال أكثر شجاعة وصدقاً: كيف نعيد المدرسة إلى قلب المشروع التعليمي؟ كيف نستعيد الثقة في المرحلة الثانوية؟ وكيف نجعل الطالب يشعر أن مستقبله يبدأ من فصله الدراسي، لا من خارجه؟
إن التاريخ لا يتذكر أسماء الأنظمة التعليمية بقدر ما يتذكر الأجيال التي صنعتها. والوطن لا يخسر حين يغيّر اسم نظام، لكنه يخسر كثيراً حين تضيع المرحلة التي كانت تصنع إنسانه. ولذلك فإن الثانوية العامة لا تطلب اليوم مشروعاً جديداً، ولا مسمى جديداً، ولا دليلاً إجرائياً جديداً؛ إنها تطلب شيئاً واحداً فقط.. أن نعيد إليها الثقة التي سحبناها منها، لأن المدرسة التي نفقد الثقة بها، لن يثق بها طالب، ولن ينهض بها وطن.


