حين يصل طالب أو طالبة إلى نهاية المرحلة الابتدائية وهو لا يقرأ بطلاقة، أو يكتب فقرة مليئة بالأخطاء، أو يعجز عن التعبير عن فكرة بسيطة بلغة سليمة، فهذه ليست مشكلة طالب، هي مشكلة نظام تعليمي ينبغي أن يتوقف أمام نفسه بشجاعة.


ليس من المقبول أن نقنع أنفسنا بأن هذه حالات فردية، بينما الميدان التربوي يشهد، عاماً بعد آخر، تراجعاً ملحوظاً في مهارات القراءة والكتابة لدى أعداد ليست قليلة من الطلاب والطالبات. والمعلمون والمعلمات يعرفون ذلك، وأولياء الأمور يلمسونه، والجامعات بدأت تستقبل أثره، وسوق العمل سيدفع ثمنه لاحقاً.


وأقول هذا من واقع تخصصي في اللغة العربية، ومن خلال سنوات طويلة قضيتها في تدريسها. لقد أصبحت أؤمن أن اللغة العربية خسرت كثيراً حين فقدت هويتها بوصفها مجموعة مهارات متكاملة، لكل واحدة منها وقتها وأهميتها، وتحولت إلى منهج واحد يحاول أن يفعل كل شيء في وقت لا يكفي لشيء.


كان الخط درساً يُربّي الصبر والدقة، ولم يكن مجرد تحسين للشكل. وكان الإملاء تدريباً يومياً يصنع الثقة في الكتابة، لا اختباراً عابراً. وكانت القراءة مشروعاً متدرجاً لبناء قارئ، لا مجرد نصوص تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها. وكان التعبير مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يفكر قبل أن يتكلم، وكيف يرتب أفكاره قبل أن يكتبها. ثم تأتي القواعد والنحو والأدب والبلاغة بعد أن يقف الطالب على أرض لغوية صلبة.


أما اليوم، فقد ازدحمت المهارات داخل كتاب واحد، وضاق الزمن عنها جميعاً، فخرجت مهارات أساسية من الصفوف الأولى وهي لم تكتمل بعد. وحين يضعف الأساس، لا ينبغي أن نستغرب ضعف البناء كله.


ليس المطلوب أن نحشو الطلاب بمعلومات أكثر، بقدر أن نمنحهم وقتاً أطول لإتقان المهارات التي لا غنى عنها. فاللغة لا تُكتسب بسرعة، ولا تُبنى بالمشروعات والأنشطة وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، والتكرار، والتقويم المستمر، والتدرج الذي يحترم طبيعة التعلم.


إن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع ضعف القراءة والكتابة بوصفه مشكلة معلم، أو طالب، أو أسرة. الحقيقة أن القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية منهج، وأولويات، وفلسفة تعليم وقرار من جهة أعلى. فاللغة العربية ليست مادة ضمن الجدول، هي الأداة التي يتعلم بها الطالب جميع المواد الأخرى. وإذا تعطلت الأداة، تعطل ما بعدها.


لسنا بحاجة إلى الدفاع عن اللغة العربية لأنها لغة القرآن فحسب، بل لأنها لغة التفكير أيضاً. فالطالب الذي لا يقرأ جيداً لن يفهم جيداً، والذي لا يكتب جيداً لن يعبر عن نفسه جيداً، والذي لا يمتلك لغة قوية لن يمتلك أدوات التعلم التي يحتاجها في كل تخصص، مهما كان.


لقد آن الأوان أن نسأل السؤال الذي تجنبناه طويلاً: هل حققت طريقة تقديم اللغة العربية اليوم النتائج التي كنا نطمح إليها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا نخشى المراجعة؟


مراجعة المناهج ليست اعترافاً بالفشل، هي احترامٌ للنتائج. والقرارات التربوية لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بما تصنعه في عقول الطلاب والطالبات.


أعيدوا للغة العربية شخصيتها. أعيدوا للخط مكانته، وللإملاء حضوره، وللتعبير مساحته، وللقراءة زمنها، وللكتابة تدريبها. لا لأننا نريد استنساخ الماضي، ولكن لأننا نريد مستقبلاً يتخرج فيه الطالب والطالبة وهما يمتلكان أول حق من حقوقهما التعليمية: أن يقرآ، وأن يكتبا، وأن يفكرا بلغتهما بثقة واقتدار.


ولنتذكر أن كل إصلاحٍ تعليمي يبدأ من اللغة، وكل تعثرٍ فيها يمتد أثره إلى كل مادة، وكل جامعة، وكل مهنة، وكل مستقبل. فليس مؤلماً أن يخطئ الطفل في القراءة، المؤلم أن نعتاد هذا الخطأ حتى يصبح طبيعياً!