في لحظةٍ ما، فقدنا البوصلة. فلم يعد الطالب يعرف كيف يُقاس مستواه الدراسي، ولا المعلم كيف يُقوِّم، ولا ولي الأمر كيف يقرأ نتائج ابنه بثقة واطمئنان! تحوّل التعليم من مسار واضح المعالم إلى متاهة من الأنظمة والتجارب المتلاحقة التي لا تستقر على حال، حتى بات المشهد أقرب إلى حالة من الارتباك الجماعي منه إلى منظومة تعليمية ناضجة.

لسنا ضد التطوير، ولا نقف في وجه التحديث، لكن ما نعيشه اليوم لا يمكن وصفه بالتطوير بقدر ما هو تفكيك غير منضبط لمنظومة التقييم، حيث تتزاحم الاختبارات، وتتبدل الأوزان، وتتعدد النسب، وتظهر مواد تُقيَّم بلا اختبار، وأخرى يُضاعف وزن اختبارها، في مشهد أقرب إلى تركيبة حسابية معقدة منه إلى نظام تربوي متماسك.

ولعل أحد أبرز تجليات هذا الاضطراب ما شهدناه حتى في المسميات ذاتها؛ فالإدارة التي كانت تُعرف يوماً بـ«إدارة الاختبارات» أصبحت «القياس والتقويم»، ثم تحولت إلى «التحصيل المعرفي»، وكأننا أمام رحلة أسماء تشرق وتغرب بلا اتجاه واضح.

لم يتغير الاسم لأن المفهوم استقر، بل تغيّر لأن الرؤية لم تكتمل، فأصبح التغيير شكلياً في كثير من الأحيان، لا يمس جوهر الإشكال بقدر ما يعيد تغليفه بمصطلحات جديدة، بينما يظل الميدان على حاله من الحيرة والتشتت!

قبل أكثر من أربعة عقود، لم يكن التعليم مثالياً، لكنه كان واضحاً ومفهوماً للجميع. نظام بسيط يحدد 50 درجة للفصل، منها 15 لأعمال السنة و35 للاختبار النهائي، وفي نهاية العام يُحسم النجاح بوضوح دون تعقيدات أو تفريعات مرهقة. لم يكن الطالب بحاجة إلى آلة حاسبة ليفهم موقعه، ولا المعلم مضطراً لتفسير منظومة درجات معقدة، ولا ولي الأمر في حيرة من أمره أمام نتائج مبهمة.

اليوم تغيّر كل شيء إلا النتيجة، فلم يتحقق التقدم المأمول، بل تراجعنا في جوهر العملية التعليمية، في وضوح القياس، وعدالة التقييم، وثقة المجتمع في مخرجات التعليم.

أصبح لدينا اختبارات مدرسية تختلف من مدرسة إلى أخرى، واختبارات وطنية مثل نافس، واختبارات قدرات وتحصيلي وموهبة، وتقييمات تكوينية ومهارية، وقائمة تطول من المسميات، وكل اختبار يدّعي أنه يقيس جانباً من الحقيقة. لكن أي حقيقة هذه التي تتعدد أدوات قياسها إلى هذا الحد؟

هل نقيس الطالب فعلاً، أم نقيس المعلم، أم نحاول قياس المدرسة والنظام والمجتمع دفعة واحدة؟ المفارقة المؤلمة أن الطالب قد يتفوق في نظام ويتعثر في آخر، وينجح في اختبار ويخفق في آخر، وكأننا أمام أكثر من طالب في جسد واحد، بينما الحقيقة أن الخلل في أدوات القياس نفسها لا في الطالب.

بهذا التشتت، فقد الاختبار مكانته. لم يعد ذلك الحدث التعليمي الذي يُستعد له بجدية ويُدرك أنه محك حقيقي للفهم والتحصيل، بقدر ما أصبح مجرد عنصر ضمن منظومة متشعبة يمكن تعويضه أو الالتفاف عليه أو تذويبه داخل نسب وأوزان لا يفهمها كثيرون.

الطالب الآن بات يتعامل مع الاختبار بعقلية حسابية بحتة، يسأل كم يحتاج ليحقق درجة معينة بعد احتساب التقييم والمشاريع والمشاركة، وكأن الهدف لم يعد التعلم، بل إدارة الدرجات.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن التعليم حين يتحول إلى لعبة أرقام يفقد روحه، وحين يفقد الاختبار هيبته يفقد الطالب دافعيته، وحين تتعدد أدوات القياس دون اتساق تضيع العدالة!

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الأدوات للقياس والتقييم، نحتاج وضوحاً في الرؤية وشجاعة في القرار. نحتاج إلى إعادة الاعتبار للاختبار كأداة رئيسة لقياس التحصيل، اختبار واضح وعادل يُبنى على أهداف دقيقة ويقيس الفهم لا الحفظ، والمهارة لا التلقين.

كما نحتاج إلى تقليل هذا التضخم في أدوات التقييم، بحيث يكون لكل أداة دور محدد ومفهوم، لا أن تتداخل الأدوار وتتكرر القياسات وتُستهلك الجهود دون أثر حقيقي. فالتعليم لا يتقدم بكثرة الاختبارات، ولكن بجودة القياس، ولا يُبنى بتعدد النماذج، وإنما باتساقها وانضباطها.

إن الإصرار على التعقيد تحت شعار التطوير لا يصنع تعليماً أفضل، يصنع نظاماً هشاً يفقد ثقة الميدان، ويُربك الطالب، ويُرهق المعلم، ويُدخل الجميع في دائرة من الشك في النتائج.

والمسؤول اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس اختباراً للطلاب، بقدر ما هو اختبار للقرار التربوي التعليمي ذاته، بين الاستمرار في هذا التشتت أو التوقف لإعادة بناء منظومة تقييم واضحة وعادلة تعيد للتعليم هيبته ومعناه. فالتعليم ليس ساحة تجارب مفتوحة بلا نهاية، والطلاب ليسوا حقول اختبار لفرضيات متغيرة، بل هم أمانة ومسؤولية، وأي خلل في قياسهم هو خلل في مستقبلهم.

ويتساءل كثيرون عن اختفاء الرسوب للطلاب من مدارسنا؟!

وأقولها بكل حسرة، إن اختفاء الرسوب لم يكن نتيجة تطور تربوي خالص أو منهجية تعليمية مبتكرة، بل في جانب منه انعكاسٌ لقلقٍ متزايد من الأرقام والمؤشرات، حيث أصبح النجاح الجماعي معياراً إدارياً يُقاس به أداء المدرسة، لا مستوى التعلم الحقيقي. هكذا تحوّل الرسوب من أداة تشخيص وتقويم إلى عبءٍ يُراد التخلص منه، وكأن بقاء الطالب دون إتقان هو الهدر الحقيقي، لا انتقاله دون أساسٍ متين.

في جوهره، لم يكن الرسوب يوماً عقوبة، كان فرصة لإعادة البناء؛ لحظة صادقة يواجه فيها الطالب فجواته، ويُمنح وقتاً إضافياً للنضج العلمي والمهاري. إن التجربة الإنسانية تثبت أن التعثر الواعي قد يكون أكثر أثراً من النجاح السريع، لأنه يرسّخ الفهم، ويُعيد ترتيب العلاقة مع المعرفة.

أما حين يُلغى الرسوب تماماً، فإننا لا نلغي الفشل، ولكننا نؤجله ونرحّله إلى مراحل لاحقة تكون كلفته أعلى، سواء في الجامعة أو سوق العمل. التعليم الحقيقي لا يخشى من إعلان الضعف، بل يخشى من تجميله.

لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح: كفانا عبثاً. آن الأوان أن نعيد للاختبار مكانته، وللتقييم معناه، وللتعليم وضوحه، قبل أن نجد أنفسنا أمام جيل يحمل أرقاماً عالية، لكنه يفتقد أبسط معايير القياس الحقيقي!