حين يولد الطفل لا يحتاج إلى دورة لاكتشاف ذاته، ولا إلى اختبار ميول، ولا إلى استبيان يقيس شغفه. يولد وفي داخله بذور فطرية مدهشة؛ فضول لا ينتهي، وأسئلة لا تتوقف، وموهبة تنتظر من يكتشفها ويمنحها الماء والضوء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من الذي أفسد هذه الفطرة؟ ومن الذي جعل آلاف الأطفال يعبرون سنوات الطفولة والمراهقة وهم لا يعرفون ماذا يحبون، ولا فيما يبدعون، ولا أين تكمن مواطن تميّزهم؟

من السهل أن نوجه أصابع الاتهام إلى المدرسة. فالمدرسة الحديثة، في كثير من الأحيان، أصبحت منشغلة بالمنهج أكثر من الإنسان، وبالدرجات أكثر من المواهب، وبإنهاء المقررات أكثر من اكتشاف القدرات. يدخل الطالب بفضول طفل، ويخرج أحياناً بعقل يحفظ الإجابات النموذجية فقط. كم من رسام أُجبر على أن يكون حافظاً، وكم من مبدع في الحكاية أو المسرح أو الرياضة لم يجد من يقول له يوماً: «أنت موهوب».

لكن تحميل المدرسة وحدها المسؤولية يبدو ظلماً للحقيقة. فالأسرة أيضاً تغيّرت كثيراً. كان الأب والأم يوماً ما أكثر حضوراً في تفاصيل حياة الأبناء؛ يعرفان أصدقاءهم، ويشاركانهم اللعب، ويلاحظان نقاط قوتهم وضعفهم.

أما اليوم فقد أصبح كثير من الآباء والأمهات غارقين في دوامة العمل أو الانشغال أو حتى الشاشات الخاصة بهم. صار الهاتف الذكي في بعض البيوت أقرب إلى الطفل من والديه، وأصبحت الهدية الأسهل جهازاً جديداً لا وقتاً جديداً.

ثم يأتي الدور الأخطر: الجو العام الذي يحيط بالطفل. نحن نعيش عصراً يتنافس فيه الجميع على خطف انتباهه. شركات الألعاب الإلكترونية، ومنصات الفيديو القصير، وتطبيقات التواصل، كلها تعمل ليل نهار كي يبقى الطفل أطول وقت ممكن أمام الشاشة.

لم تعد المنافسة على وقته فقط، بل على عقله وخياله واهتماماته. الطفل الذي كان يركض في الحي، ويبني من الرمل مدينة، ويفكك لعبة ليعرف كيف تعمل، أصبح يقضي ساعات طويلة يتلقى المتعة جاهزة بضغطة زر.

المشكلة ليست في التقنية ذاتها، فهي أداة يمكن أن تكون نافعة ومذهلة. المشكلة أننا استسلمنا لها. منحناها مهمة التربية والترفيه والإشغال، ثم استغربنا حين تراجعت القراءة، وضعفت الهوايات، وانكمش الخيال.

أصبح كثير من الأطفال يعرفون أسماء المؤثرين أكثر مما يعرفون أسماء العلماء والأدباء والمخترعين. يحفظون مراحل لعبة إلكترونية معقدة، لكنهم لا يعرفون ما الذي يحبون فعله في حياتهم الحقيقية.

المؤلم أن الطفل لا يطلب الكثير. إنه يحتاج إلى من يجلس معه، يستمع إليه، ويمنحه فرصة للتجربة. يحتاج إلى ملعب، وكتاب، ومسرح، ومختبر، وفرشاة رسم، وإلى شخص يقول له: جرّب. فالطفولة ليست مرحلة لاستهلاك المحتوى، بل لاكتشاف الذات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من المذنب؟ بل من يعلق الجرس؟ من يبدأ بإعادة الاعتبار للطفل بوصفه مشروع إنسان لا مجرد مستخدم صغير للأجهزة؟

نحتاج إلى مدرسة ترى الموهبة قبل الدرجة، وتبحث عن التميّز الفردي قبل النتائج الجماعية. ونحتاج إلى معلم يدرك أن أعظم أثر يتركه ليس في ورقة اختبار، بل في اكتشاف طالب لم يكن يعرف أنه قادر على الإبداع. ونحتاج إلى أسرة تستعيد حضورها وهيبتها، لا بالصوت المرتفع والرقابة فقط، بل بالقرب والاهتمام والمشاركة.

كما نحتاج إلى خطاب اجتماعي جديد يعيد للقراءة مكانتها، وللهوايات قيمتها، وللأنشطة الثقافية والرياضية والفنية حضورها الطبيعي. فالأمم لا تُبنى فقط بالمتفوقين أكاديمياً، بل بالمبدعين والمخترعين والفنانين والمفكرين وأصحاب الشغف.

لقد نجحت الشاشات في سرقة جزء كبير من وقت أطفالنا، لكنها لم تنتصر بعد. ما زالت الفطرة موجودة، وما زالت المواهب مختبئة خلف طبقات من الانشغال والضجيج. وما زال بإمكان الأسرة والمدرسة أن تستعيدا دورهما إذا أدركنا أن القضية ليست قضية أجهزة وهواتف، بل قضية إنسان يتشكل.

فالطفل الذي لا يكتشف موهبته مبكراً قد يعيش عمراً طويلاً يبحث عن نفسه. أما الطفل الذي يجد من يؤمن به ويمنحه فرصة التعبير عن فطرته، فإنه غالباً لا ينجح فقط، بل يضيء الطريق لغيره.

وربما كان السؤال الذي يجب أن نغادر به: كم موهبة خسرناها لأننا انشغلنا بإسكات الطفل بدلاً من الإنصات إليه؟