انتهى مؤخراً عرس الموروث الكبير المتمثل في مهرجان مولاي خادم الحرمين الشريفين للهجن 2026، وفي الحقيقة يذهب كثيرون إلى أن الجوائز المليونية في سباقات الهجن هي المؤشر الأبرز للدخل والمكاسب، وأن منصة التتويج تمثل ذروة العائد الاقتصادي لهذه الرياضة. هذا الفهم، رغم شيوعه، يظل قاصراً عن إدراك الصورة الكاملة، بل ويغفل جوهر التحول الحقيقي الذي تعيشه منظومة الهجن اليوم.


فالقيمة الاقتصادية الأهم لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في الطريق إليها مع الاتساع الأفقي لإنتاج وتربية وتدريب الهجن، وهو القطاع الذي يمثل العمود الفقري لهذه الصناعة. هنا تُصنع الثروة بهدوء، بعيداً عن الأضواء، حيث تتوسع قاعدة المنتجين والمربين والمضمرين، وتتضاعف حلقات القيمة من الانتخاب، والرعاية، والتطوير، وصولاً إلى التسويق والبيع حتى أن البعض شكل علامته التجارية داخل هذا السوق وأصبحت بعض (العزب) وهو الاسم الذي يطلق على أماكن الملاك ليس لديهم اهتمام بالسباق أكثر من اهتمامهم بالإنتاج خاصة أن الهجن لا تقوم على انتقال وراثي للانتصار من مطية إلى أخرى بل يدخل في ذلك التدريب والتجريب والتمكين وهو ما يحدث الفرق، كما أن اختيار المطية القادرة على الفوز يرضخ وبشكل ما لحسن الطالع وتفرد مطية عن أختها على الرغم من أن سلالتهما واحدة.


الفائزون الذين نراهم على منصات التتويج هم في الحقيقة رأس السهم فقط، أما جسد المنظومة فيقوم على شبكة واسعة من المنتجين الذين لولاهم لما وُجد هذا التميز ولا تحققت تلك النتائج. كثير من هؤلاء يحققون مكاسب بالملايين عبر بيع إنتاجهم للمؤسسات الكبرى، أو للأسماء المعروفة التي تتكرر في مشاهد التتويج، في دورة اقتصادية ذكية تعيد توزيع القيمة داخل القطاع وهي الهدف الأهم للإنسان مالك الهجن البسيط الذي اعتاد عيش حياته مع حلاله وتحمل ظروفه على مر السنوات نتيجة هذه العلاقة الأبدية مما جعله يشعر وبشكل مباشر بقيمة ما تمثله هذه الأحداث في رفع سعر البيع والإقبال على الهجن كما لا يفوتني أن الكثيرين ممن عرفتهم عبر هذا القطاع اتجه أو بدأ في التفكير للاتجاه نحو الإنتاج والبيع والشراء.


سباقات الهجن، بهذا المعنى، لم تعد حدثاً موسمياً أو تنافساً عابراً، بل تحولت إلى سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الميدان، مروراً بالمزارع والعزب ومراكز الإنتاج، ولا تنتهي عند الكأس أو الصورة التذكارية. إنها صناعة تُبنى على الاتساع لا على الاستثناء، وعلى القاعدة لا القمة فقط.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على حجم الجائزة، بل على حجم القاعدة المنتجة، واتساع دائرة المشاركة، وتحويل الهجن من رياضة تراثية إلى اقتصاد حيّ، قادر على الاستدامة، وجاذب للاستثمار، وحافظ لقيمة الموروث بروح العصر.


فالسباق، في جوهره، ليس شوط المكسب بل منظومة تم بناؤها في ضوء هذه المكاسب سعى فيها الاتحاد السعودي للهجن لتوزيع الأشواط والمسابقات على مختلف مناطق المملكة وأسهم بشكل احترافي في نشر فكرة الربح وتكوين الثروة والاستثمار في القطاع ليكون متاحاً للجميع.