يمثل الصقر «اسماً ووصفاً وقيمة» لدى الإنسان السعودي بمثابة شريك حياة وباب رزق ومكانة وتمكين فقد عاش طويلاً داخل تفاصيل الحياة والذاكرة واللغة والشعر، وانتقل حضوره من الآباء إلى الأبناء حتى أصبح جزءاً من الصورة التي يعرف بها المجتمع نفسه.
لهذا تجدني اليوم وفي حمى انطلاقة الموسم الرياضي الجديد مرافقاً لتفاصيل دقيقة في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور باعتباره قصة تتجاوز البيع والشراء، فهذا المزاد الذي ينظمه المركز الوطني للصقور خلال الفترة من 5 إلى 25 أغسطس يضع هذا الموروث داخل إطار حديث، يجمع الثقافة بالاقتصاد، والهواية بالإنتاج، والصقار بالمستثمر، والمزرعة السعودية بالمنتج القادم من دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الرياض، ويأتي الحدث هذا العام بوصفه أولى فعاليات المركز بعد صدور تنظيمه الجديد.
أرى أن هذه النقطة تستحق التوقف عندها، حماية الموروث لا تعني تجميده في صور الماضي، فالموروث الذي لا يستطيع التواصل مع الأجيال الجديدة يفقد جزءاً من حضوره مع الوقت، أما الصقارة في المملكة فقد اتخذت مساراً مختلفاً، حافظت على جذورها ووجدت في الوقت ذاته أدوات جديدة للتعبير عنها، من المزادات والمسابقات إلى مزارع الإنتاج والمنصات الإلكترونية والفعاليات التي تستقطب الصقارين من المملكة وخارجها.
الأرقام تقدم دليلاً واضحاً على حجم هذا التحول، سجل المزاد عام 2025 بيع 1103 صقور، وتجاوزت قيمة المبيعات 13 مليون ريال، بزيادة بلغت 23% في المبيعات و27% في عدد الصقور المباعة مقارنة بعام 2024، ووصل عدد المزارع المشاركة إلى 67 مزرعة من 23 دولة، بينها 19 مزرعة سعودية.
هذه الأرقام مهمة، لكنني لا أراها مجرد حصيلة مالية، عندما تتحول معرفة الصقار بالسلالات والمواصفات إلى طلب داخل سوق متخصصة، وعندما تجد المزرعة فرصة لبيع إنتاجها أمام جمهور يعرف قيمة ما تعرضه، وعندما يدخل المستثمر والمربي ومقدم الخدمات إلى الدائرة نفسها، فنحن أمام نشاط اقتصادي نشأ من داخل الموروث نفسه.
هذا المزاد الذي عرفه الصقار منذ سنوات؛ يضيف إلى المشهد تطوراً مستمراً، يمنح السوق قدرة أكبر على النمو والنجاح والتطور.


