كان ملعبنا الترابي الكبير الواسع في حضنه يزهو بنا كل نهار، والطين كالحناء تزهو به أقدامنا. نركض حتى مغيب الشمس، يتناثر الغبار من خلفنا بما يشبه أعاصير مدارية فيتوارى خلف جبال «الملص» كأن شيئا لم يكن، ونعود من ملعبنا وفي دواخلنا ما لم ينته بانتهاء النهار.


حوش علوش تعني أرضا صغيرة مسورة ببعض الطوب الذي لا يتجاوز ارتفاعه مترا واحدا، وهي أرض لرجل يدعى علوش، وقد مررت بها مؤخرا فوجدتها تشبه ملعب كرة الصالات من حيث المساحة، فقلت يا إلهي كيف كانت تتسع لكل أبناء الحي. والملص سلسلة جبلية جنوب «وادي فاطمة»، أعرف أن جغرافيا المكان ليست لديكم بذات الأهمية، لكنني أوردتها على طريقة «معجزة كاستل دي سانغرو» للكاتب الأمريكي جو ماكغينيس الذي وصفه توم بوغرت في افتتاحية مراجعة الكتاب:


«نادٍ إيطالي مغمور لم تسمع به قط من منطقة مغمورة لم تسمع بها قط بلاعبين مغمورين لم تسمع بهم قط».


ربما الكرة كانت تمنح طفولتنا مساحة أكبر من الحوش وتأخذنا من بحرة قريتي الصغيرة إلى عالم لم نكن نعرف أسماء مدنه، لكننا نعرف كيف نلعب معه، وقد قيل: «وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى عالم أكبر».


بعد سنوات وجدت شيئا من طفولتنا في إهداء إدواردو غاليانو كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» إلى أطفال التقاهم في «كالييا دي لا كوستا»، كانوا عائدين من اللعب يغنون بما معناه:


«فزنا أو خسرنا استمتعنا على أي حال».


لم يكونوا أطفال قريته ولم نكن نعرفهم، لكنني شعرت أن الطريق الذي عادوا منه يمر من قريتنا ومن «حوش علوش».


بين طين بحرة وغناء أولئك الفتية الساكنين في قلب غاليانو بدأت أفهم كيف أصبحت كرة القدم تمثل إرثا إنسانيا بحتا يمنح كل مكان حكايته، وكيف استطاعت جمع تلك الحكايات في ذاكرة واحدة تنبض بالحياة يستطيع الفرد من خلالها أن يجد شيئا منها.


ولهذا تجدني في كل مرة أعتبر «كرة القدم» واحدة من أجمل وأرقى وأهم الفنون والآداب الإنسانية، فهي التي ولدت على الورق في القرن التاسع عشر ثم أعاد الناس إنجابها في الحارات والساحات حتى صارت فنا شعبيا يكتب بالجسد ويروى بالصوت ويحفظ في القلوب.


وحين أدافع عنها اليوم أعود إلى ذلك الطين الذي لم نكن نخجل منه وإلى غناء الأطفال الذين لم يجعلوا الخسارة سببا لإلغاء الفرح، ثم أنظر إلى إنفانتينو وتشيفرين وإلى المؤسسات التي تتوسع في بطولاتها وإلى الشاشات التي تتكاثر حول كل حركة وأسأل: من منح هؤلاء حق التصرف في المعنى الذي صنعناه نحن في نبض لعبتنا؟


ما يخيفني أن تكبر صناعة كرة القدم حتى تضيق بالإنسان الذي أحبها، وأن يأتي يوم يحتاج فيه أطفال «حوش علوش» وأطفال غاليانو إلى إذن مسبق من «وول ستريت» وانتظار مؤشر أسهمه كي يواصلوا الغناء.. يا رباه، المباراة تستطيع أن تنتج فرحين حتى ولو أنتجت فائزا واحدا.


هنا لا أريد اختراع ماض نقي لهذه اللعبة، فقد حملت العنصرية والعنف والاستبعاد والاستعباد وعرفت المال والنفوذ قبل «إنفانتينو» أو «تشيفرين» بزمن طويل، لكن قدرتها على إفساح مكان للناس هي ما منحها عظمتها وما يجعل إخضاعها المتزايد لحسابات الإنتاج خسارة تتجاوز الرياضة.


إن اللعب يسبق الثقافة ويسهم في تكوينها كما يرى يوهان هويزينغا في كتابه «اللاعب الإنسان» الذي وصف فضاءات اللعب بأنها «عوالم مؤقتة داخل العالم المعتاد». ومن هذه النافذة أرى أن ما ندافع عنه في كرة القدم أوسع من تسعين دقيقة، فنحن ندافع عن مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يفعل شيئا لأنه يحبه، ندافع عن الروح، عن البهجة، عن أشياء ليست مادية يمكن إثباتها في المعمل لكنها موجودة.


والمتتبع لكتاباتي يجدني دوما أفكر في كرة القدم بوصفها أحد الفنون الشعبية الكبرى التي كتبها الإنسان بجسده، ففي المراوغة اقتراح جمالي، وفي التمريرة جملة تنتظر من يكملها، وفي المدرج احتفال جماعي يجمع الغرباء حول أغنية واحدة وذاكرة تختزل صورة جماعية بالألوان، أما الهدف فهو حدث يستطيع أن يستوطن لسنوات في قلب إنسان ويصبح جزءا من عمره بغض النظر عن لوحة النتائج.


أفكر في اللعبة من خلال قدرتها على ابتكار المعنى داخل حدود مشتركة، مثلما يعرف قارئ القصيدة لغتها ثم يفاجئه ما يفعله الشاعر بها، ولعل هذا يفسر لماذا يحتفظ الناس بمراوغة لم تنته بهدف، ولماذا يختلف تاريخ اللعبة الذي نحمله في وجداننا عن سجل البطولات الذي تحفظه المؤسسات.


إن بساطتها إحدى أدوات عدالتها حين تستطيع أن تعيد صنعها بوسائل قليلة وأن تنقلها إلى شارع آخر وبلد آخر وطفولة أخرى، وهذه قابلية نادرة في الفنون الجماعية: أن يشاهد الطفل أعظم اللاعبين ثم يخرج ليحاول فعل الشيء نفسه.


ولأن هذا الفن يعيش داخل قواعد تمنحه مساحته، فإن الدفاع عن لحظاته الجميلة يقودنا إلى الدفاع عن القوانين التي تتيح حدوثها. ما يفعله الطفل بالكرة وما يفعله نجمه أمام العالم ينتميان إلى لعبة واحدة، وأي تغيير في قواعدها يمس تلك الصلة بينهما.


والمجلس الدولي لكرة القدم يعترف بهذه القيمة في فلسفة قوانينه حين يؤكد أهمية وحدة القانون بين كأس العالم ومباراة أطفال في قرية نائية، ويجعل قدرة الصغار على تقليد ما يشاهدونه سببا لحماية عالمية اللعبة.


وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش حول التقنية من هذا الوعد بالذات، فأنا مع إنصاف هدف صحيح ومع حماية لاعب من ظلم يستطيع التصوير كشفه، لكن بين تصحيح الخطأ وإعادة تعريف التجربة مسافة تستحق التوقف عندها. لقد صار المشجع أحيانا يحتفل ثم يراجع حقه في الاحتفال وكأن الفرح دفعة مؤقتة يجوز استردادها.


وإذا كانت التقنية تغير علاقتنا بلحظة الفرح، فإن الروزنامة تغير علاقتنا بانتظارها. حين ارتفع عدد منتخبات كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبا وعدد مبارياتها إلى 104، بعد 32 منتخبا و64 مباراة في النسخة السابقة، وحين أقيمت كأس العالم للأندية 2025 بمشاركة 32 فريقا وبجوائز بلغت، بحسب فيفا، مليار دولار، أصبحت هذه الأرقام جزءا من حياة لاعب يركض أكثر ومشجع يتابع أكثر ومدينة تستقبل مباريات أكثر ووقت يتوزع على جدول يزداد ازدحاما.


ولإنفانتينو حجة ينبغي مناقشتها بإنصاف، فالتوسع قد يفتح المسرح العالمي أمام فرق وجماهير ظلت طويلا خارج الدائرة الأوروبية الضيقة، وقد يتيح موارد وفرصا جديدة. كما استند إلى إتاحة مشاهدة بطولة الأندية مجانا حول العالم، وفي ذلك مكاسب لا يجوز محوها لمجرد الاختلاف معه.


لكن السؤال: أي توسع نريد ومن يضع حدوده ومن يضمن ألا تتحول زيادة المشاركة إلى زيادة في الاستهلاك وحده؟ هل تتسع المنافسة فعلا أم تتسع واجهة العرض؟ وهل يصل العائد إلى بناء ملاعب وفرص مستقرة خارج النخبة أم تصبح المشاركة العالمية موعدا لزيارة مركز اقتصادي يزداد قوة؟


وفي أوروبا يقود ألكسندر تشيفرين مؤسسة قدمت توسيع دوري الأبطال باعتباره طريقا إلى مزيد من الفرص والتنافس. منذ موسم 2024–2025 أصبح دور الدوري يضم 36 فريقا ويلعب كل فريق ثماني مباريات بدلا من ست في دور المجموعات السابق، مع ملحق إقصائي لبعض الفرق قبل ثمن النهائي. وكل مباراة تضاف إلى هذا الجدول تحتاج مكانا في جسد اللاعب ووقتا في حياة المشجع.


نحن نعرف أن مصالح فيفا ويويفا تختلف وتتزاحم بطولاتهما، لكن اللاعب الذي يركض في المسابقتين يحمل جسدا واحدا والمشجع الذي يشاهدهما يعيش يوما واحدا من أربع وعشرين ساعة. وحين توسع كل مؤسسة بطولاتها كما لو أن الوقت والجسد قابلان للتمدد بلا نهاية تظهر الفاتورة في مكان آخر، في لاعب لا يجد وقتا كافيا للتعافي وفي مشجع تتزاحم أمامه المباريات حتى تفقد المناسبة الكبرى ندرتها.


وفي المقابل نكتشف مفارقة مؤلمة، نطور أدوات أدق لرؤية جسد اللاعب أثناء المباراة ثم نترك راحته بين المباريات خاضعة للتنازع على الوقت. تؤكد ذلك اعتراضات نقابات اللاعبين، وقد اتخذ بعضها إجراءات قانونية ضد قرارات فيفا المتعلقة بالروزنامة، لكن الاعتراض الذي لا ينتج حدودا ملزمة يبقى أضعف من ماكينة تستطيع إصدار موعد جديد ثم تدعو الجميع إلى التكيف معه.


لقد قلت لهم في أكثر من لقاء إن الإفراط في العرض يأكل الرغبة التي يعيش عليها المشجع العاشق، فالانتظار جزء من قيمة المباراة وندرة اللقاء تمنح اللقاء وزنه، وحين تمتلئ الأيام بالمناسبات الكبرى تصبح كلمة «الكبرى» نفسها بحاجة إلى تفسير. قد تنمو الإيرادات فترة بينما يتآكل الاستعداد العاطفي الذي أنتجها، وتتحول اللعبة من موعد ننتظره إلى محتوى متاح بلا توقف، وعندها يصبح السؤال عن مقدار الرغبة التي تبقى لنا في مشاهدتها.


إننا كإعلاميين ربما سنكون شركاء بالصمت المطبق الذي يحاصرنا. والصحافة الرياضية التي يساعدنا «جياني ميرلو» من موقعه فيها على رواية اللعبة للناس، عليها أن تسأل أيضا عما تصنعه هذه التحولات بحياة من يلعبون ومن يشاهدون. ما قيمة أن نحسن رواية اللعبة إذا فقدنا القدرة على مساءلة من يقررون مستقبلها؟


كرة القدم بحاجة إلى حدود يشارك في وضعها من يحملون كلفتها، وإلى ضمانات ترافق نموها، من حق ملزم للاعب في الراحة وتمثيل مؤثر للجمهور وتقييم معلن لأثر التغييرات التقنية على تجربة اللعب وحساب للتضامن يقيس ما بني فعلا خارج النخبة قبل الاحتفال بما وزع من أموال.


وأي توسع كبير وكل تغيير جوهري في القانون يجب أن نتعامل معه كقرار يمس إرثا ثقافيا حيا، فيسأل أصحابه: ماذا يضيف إلى اللعبة وماذا يأخذ منها ومن دفع الثمن ومن شارك في الموافقة؟ فالقدرة على تنظيم بطولة لا تكفي وحدها لمنح سلطة تغيير المعنى الذي يراه الناس فيها.


إن كرة القدم ميراث صنعه أناس كثيرون لم يتركوا أسماءهم على أوراق تأسيسها، وأصحاب المناصب مؤتمنون عليها خلال مدة خدمتهم، وحين تنتهي ولاياتهم سيبقى الطفل محتاجا إلى مساحة يلعب فيها والجمهور محتاجا إلى سبب يذهب من أجله إلى الملعب.


ربما لم يعرف أطفال غاليانو في «كالييا دي لا كوستا» ولا رفقاء دربي في «حوش علوش» شيئا عن نمو الإيرادات ولا تقنية المعلومات، لكنهم عرفوا كيف يعود الجميع من المباراة بشيء يستحق الغناء.


فأنا هنا أضع أمام إنفانتينو وتشيفرين وفريقيهما وأمام حراس القانون والإعلاميين، ومن بينهم «جياني ميرلو»، سؤالا صعبا أرهقتني إجابته: ماذا سيبقى لأطفال الغد بعد أن ننتهي من بيع كل ما نستطيع بيعه؟


أخبركم أحبتي، يصف الناس باريس ببرج إيفل ولندن بساعة بيغ بن وروما بالكولوسيوم ويستدلون على المدن بمعالمها، أما نحن أهل كرة القدم فلنا جغرافيا أخرى. نعرف العالم بأمسية باولو روسي وليلة بيليه ويد مارادونا، نؤرخ المدن بما حدث فيها ونحفظ أسماءها لأن كرة مرت منها وتركت فينا ما بقي أطول من المباراة.


ولها معالم لا يستطيع سائح أن يقف أمامها ليلتقط صورة لكنها قائمة في ذاكرة الملايين، هدف لم يصدقه أحد ومراوغة أخرجت مدرجا كاملا من مقاعده وحارس انحنى يجمع الكرة من شباكه، فيما انحنت مدينة بأكملها معه. حتى «يد مارادونا» بما تحمله من مخالفة وجدل بقيت معلما في هذه الذاكرة، فاللعبة تحفظ جمال الإنسان وتناقضاته معا.


هذا بعض ما أعنيه حين أقول إن كرة القدم إرث إنساني. لقد أضافت إلى المدن ذاكرة وإلى الناس صلة وصنعت معالم من لحظات عابرة ثم عهدت بحراستها إلى القلوب، وحين يتقرر مستقبلها في غرف الاستثمار ينبغي أن يكون لهذه الذاكرة مقعد أيضا.


أعود إلى «حوش علوش» فأجد أن ما بقي منه في داخلي أوسع من الأرض التي مررت بها مؤخرا، وأن غناء أطفال غاليانو ما زال يتسع لفائز وخاسر يعودان معا. فمن يملك ولاية ذكرياتنا ومعايشة حياتنا وقرار مستقبلنا إلا كرة القدم؟