-A +A
حمود أبو طالب
نوهت في تغريدة قبل يومين عن دور الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في إنقاذنا من كوارث ماحقة كانت تحدث سابقاً، وأشرت أن لي قصصاً كثيرة ربما أسجلها كاملة يوماً ما، لكني سوف أسليكم أو ربما أغمكم بقصتين فقط من عشرات القصص. ذات مرة جاءنا طبيب هندي أحضرته شركة تشغيل المستشفى الذي كنت أعمل مديراً طبياً له بوظيفة استشاري أول نساء وولادة، لم يكن معه سوى صورة لشهادة زمالة كندية مزورة فقط، ولا شيء غير ذلك. قابلته لمدة خمس دقائق فتيقنت أن لا علاقة له بطب النساء والولادة، بل ربما بالطب أساساً. طلبت وضعه في سكن المستشفى مع المراقبة وشددت على رئيس القسم بإحضاره في الجولة الصباحية على المرضى وجس نبضه وإبلاغي برأيه فأكد لي أن الطب في السماء وهو في الأرض. أبلغت المسؤولين في المنطقة وتجاوزتهم إلى الوزارة بل وتواصلت بطريقتي مع جهات رسمية لضبطه، لكن تم تهريبه اليوم التالي سراً عن طريق الشركة، والله أعلم أين ذهب.

وذات مرة أحضرت شركة تشغيل سبع ممرضات حرصت بعد مقابلتهن على امتحانهن عمليا مع رئيسة التمريض، وأقسم بالله أنهن بعد الضغط عليهن اعترفن أنهن كنّ يشتغلن عاملات نظافة في أحد مستشفيات الأرياف المصرية ولا علاقة لهن بالتمريض، أوقفتهن وكتبنا محضراً بذلك وأبلغنا الوزارة، لكن الكارثة أنني فوجئت بهن بعد مدة وبمحض الصدفة يعملن في مستشفى آخر، أبلغت المسؤولين فيه بالقصة وقلبتُ الدنيا رأساً على عقب، وفي النهاية تلقيت إنذاراً بعدم التدخل في شؤون لا تخص نطاق عملي.


أجزم أن كثيراً من الزملاء مروا بتجارب مشابهة، لكن كان الحبل على الغارب والدنيا سداح مداح كما يقال، وبإمكان أي نصاب أن يعمل في القطاع الصحي لعدم وجود جهة ضبط وفحص وتمحيص، ولوجود فاسدين يغضون الطرف عن هذه الجرائم مقابل تلويث ذممهم. ولكن عندما نقارن الوضع القائم الآن بوجود الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بما سبق فوالله إن الفرق هائل، والذين عملوا في الإدارة الصحية سابقاً ولاحقاً يستطيعون تأكيد ذلك، والذين يشتكون الآن من صرامة وشدة الهيئة في معاييرها إنما يسجلون شهادة لها وليس ضدها، لأن هذا المجال يتعلق بالصحة والمرض، بالحياة والموت.

تخيلوا فقط أن الهيئة أوقفت منذ إنشائها ٣٥ ألف ممارس صحي غير مؤهل للممارسة، وصنفت أكثر من ٥٨١ ألف ممارس يخدمون المجتمع الآن بكفاءة وفق المعايير والاشتراطات التي يجب أن تتوفر في الممارس الصحي كل في مجاله، وربما لا يتخيل البعض العمل الهائل الذي يقوم به فريق عمل الهيئة المكون من أفضل الكفاءات الوطنية، تخيلوا كيف هو حالنا لو لم تكن هذه الهيئة موجودة، رغم أي ملاحظات عليها.

habutalib@hotmail.com