يحفظ لنا التاريخ العربي بأمانة شديدة معارك دموية نشبت بين قبائل الجزيرة العربية المتجاورة والمتباعدة لأسباب مفتعلة في الغالب الأعم أو استجابة لثارات قبلية من أجل ناقة أو شربة ماء، أو ردا على شاعر قبيلة ما هجا أعداء قبيلته أو من أجل شراك نعل..
ويبدو أننا لم نتخلص من الحمية القبلية البغيضة، هذا اليقين من بقائنا بين غبار المعارك القديمة يعود الينا في الالفية الثالثة بصورة حداثية تتناسب مع العصر ومقتنياته.. فبرنامج شاعر المليون الذي يبث من قناة أبو ظبي يقوم بإخراج وتجديد الثارات القديمة، ودعوة القبائل للتناحر من خلال رسائل 700 ، والمشاهد لهذا البرنامج سيكتشف أن كل شاعر ترك جماليات الشعر واهتم بمناداة رجالات قبيلته وحلفائها لمناصرته بالتصويت، وازاء هذه الحرب الطاحنة خرج رجال لدعم فرسانهم ليس بالسيف بل ببطاقات مكالمات مدفوعة الاجر وتوزيعها على المشاهدين لدعم ابن قبيلته، وكان أحدهم يحمل بطاقات بقيمة عشرة آلاف ريال سخرها للنفير ورفع الراية كي لا يخسر ابن قبيلته أمام ابن القبيلة الاخرى.
ويبدو أن شركة الاتصالات دخلت كحليف مناصر وقوي وقادر على تغيير وجهة المعركة كونها تمتلك سلاح الغاء خدمة 700 عن المناطق التي يكون بها الشاعر المنافس، فخلال يومين متتالين تم قطع هذه الخدمة عن أبناء قبيلة أحد الشعراء، في منطقة بعينها وفي يوم التصويت (هذا ما ذكرته إحدى الصحف المحلية وفي يومين متتالين).
ولا أعرف هل أدرك القائمون على هذا البرنامج أنه انحرف عن جماليات الشعر، وذهب لإيقاظ خصلة بغيضة قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعوها فانها منتنة).
إذا لم ينتبهوا فعليهم أن ينتبهوا ويتدبروا وسيلة لتقديم جماليات الشعر، واختيار الشاعر لمنتجه الشعري وليس لكونه ابن هذه القبيلة أو تلك.
ومثل هذه البرامج قد تؤدي إلى تقويض لبنية بعض مؤسسات المجتمع المدني الذي نسعى لخلقه في دول الخليج.
وقبل هذا وذاك لو استمر الوضع على ماهو عليه فهو اتهام صريح لتدني المفهوم الثقافي والرؤية الجمالية عند الشعراء الشعبيين، تلك التهمة التي تلاحقهم اينما حلّوا.
وهاهو برنامج بهذا الحجم يدلل على أن الشعراء الشعبيين أداة تقويض للعصرنة، وأن شعرهم ماهو الا استدعاء لصيحات المهلهل حين كان يعبر الاودية رغبة في الفرقة صائحاً: يالثارات كليب.
abdookhal@yahoo.com
أخبار ذات صلة