أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

عالي السكوت

كان للملاحق الثقافية دور رئيس في تصويب اعوجاج الحركة الأدبية، والتصويب يأتي من خلال مناقشة أي انحراف واستضافة المعنيين لإبداء آرائهم فيما يحدث ، وربما تدنى مستوى تلك الملاحق ، وأصبحت أقرب للمجاملات أو أنها تتطرق للمواضيع التي ليس بها حصحصة للحق ، وإنما أقرب للمهادنة، أو اليقين أن ليس هناك من يقرأ ، وفي كل الحالات عليها ألا تتخلى عن دورها الرئيس في تقويم أي اعوجاج ، وسبق وأن كتبت مقالة بعنوان: أين هي الملاحق الثقافية من هذا؟


كنوع من التنبيه لما يحدث من تسيب، والتهاون مع الإبداع ، فهل بالإمكان إخراج مبدع من خلال التجارب المختبرية التي تُجرى عليه لتحسن موهبته الناقصة ، أو المعدومة ؟ أنا ميال إلى التصديق ، وصدق المثل الشعبي الشهير: (الديك الفصيح من البيضة يصيح) ، أي أنه ليس بحاجة إلى تعليمه الصياح.


إزاء هذه التغريدة ، تداخل بعض المعنين بالشأن الأدبي ، بين مؤيد، ومعارض لفحواها ، وإن اجتمع الكل على أهمية وجود الموهبة في الأساس ، ومن هناك تبدأ مسؤولية المبدع في صقل موهبته ، وتثبيت أقدامه في الساحة الثقافية كمبدع حقيقي .. أحد الأصدقاء (من أدباء البلد) بعث إليّ برأيه، طالبا عدم ذكر اسمه، ومعللا أن الساحة لم تصل إلى مرحلة تقبل النقد، وإن حاججته ، بأن عمر الساحة ليس صغيرا أو مراهقا، فكانت إجابته على طرف لسانه، بل هي في حالة مراهقة كون جل الشباب يكتبون ولم يصلوا إلى ماوصلنا إليه من حصانة ضد النقد، ولم يصلوا إلى اقتناع بان لكل إنسان رأي خاص به لا يعمم ، ورأيه ليس لاغيا لأحد .. وكانت رسالة هذا الصديق الأديب جديرة بالوقوف عليها، وتحويلها إلى قضية أدبية في الملاحق الثقافية .


وهذا نص رسالة الصديق الأديب إذ بدأ بقوله: (وفق ذائقتي أعترف أن مستوى الإبداع الروائي المقدم حاليا متدنٍ للغاية.


وإن عمقت اعترافي سوف أجمع الأغنية، والشعر، واللحن في هذا التصنيف، وأرى أن المتسبب في هذا، حدوث فصل، أو قطيعة ما بين ما تم إنتاجه سابقا، ولاحقا..


وليس في هذا لوما، وإنما تقرير حالة ، والتأكيد إن لكل زمن إبداعه الخاص به، سواء أكان له خصوبة الاكتمال، أو شح أرض (تملحت).


وهنا انتهت رسالة صديقنا الأديب، ومطالبته بعدم ذكر اسمه هي حالة نكوص، وتجرد من المسؤولية الأدبية .


ومع ذلك لنضع سؤالاً كبيراً حملته الرسالة ، لماذا لا يتم مناقشة ضعف المنتج الإبداعي ، وهو سؤال مقيد بالذائقة، واختلافها ، ويصبح السؤال الأكثر تحرراً بان الذائقة تتغير بتغير الزمن وأدواته ، وللزمن أناسه الذين يعبرون عن حياتهم وتجاربهم بما يليق بهم وليس بما يليق برجال الزمن السابق، وهذه عقدة تنشأ من هذه الجدلية ، تؤكد أن الأدب الرفيع يظل رفيعا بالاستشهاد بأن الأدب الجاد الرفيع ظل عابرا للزمن ، خالدا لا يُنسى، وهذا الرأي في جدلية الحوار يسقط بالتذكير أن الأدب الخالد لم يكن في زمن أو فترة زمنية واحدة ، فكل فترة تنتج أدبها ، ومن يأتي لاحقا هو من يثبت الرفعة أو الانحطاط .. كل هذا الأسئلة وإجاباتها جديرة بحوارية بين الشباب أنفسهم.


وربما أقترح عودة التقويم من قبل من شهدت لهم الساحة الإبداعية بالإتقان بحيث يتم إجازة المواد الإبداعية من قبلهم كجواز عبور لمن أبدع في أي حقل من حقول الإبداع، ربما يكون اقتراحا غير مجد لكن ليس بيد من يفزع لنوعية الإبداع الساري سوى التمني.. ربما تستكين إلى أن لكل زمن ذائقة لا تتناسب مع الذائقة السابقة، ويصبح الأمر يستوجب السكوت .

منذ 20 ساعة

العقوبات حماية ونظام.. لحج آمن ومنظم

في الحج، لا تكفي النية الصادقة وحدها لصناعة موسم آمن؛ فالملايين من ضيوف الرحمن الذين يتجهون إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة يحتاجون إلى تنظيم دقيق، وعدالة واضحة، والتزام يحفظ حق كل حاج، وهنا تصبح العقوبات جزءاً من منظومة الحماية، فهي تصون الشعيرة، وتحمي الإنسان، وتمنع الفوضى قبل أن تبدأ، ومن يفهم معنى الحج، يدرك أن النظام في هذا الموسم عبادة سلوكية بقدر ما هو ضرورة تنظيمية.

وتحمي العقوبات حق الحاج، الذي سلك الطريق الصحيح، وحصل على التصريح، واحترم التعليمات، وهذا الحاج جاء ليؤدي نسكه في طمأنينة، ومن حقه أن يجد مساراً منظّماً وخدمات قادرة على استيعاب الأعداد المخطط لها، وحين يحاول آخرون دخول المشاعر دون تصريح، فإنهم يزاحمون النظاميين، ويضغطون على الحركة والخدمات، ويعرّضون أنفسهم وغيرهم لمخاطر كان يمكن تجنبها من البداية.

ومعرفة العقوبات مسؤولية قبل أن تكون خوفاً من الجزاء، فالغرامة المالية التي تصل إلى 20 ألف ريال بحق من يضبط مؤدياً أو محاولاً أداء الحج دون تصريح، وما يتبع ذلك من ترحيل المتسللين للحج من المقيمين والمتخلفين إلى بلادهم ومنعهم من دخول المملكة لمدة 10 سنوات، تحمل رسالة واضحة مفادها، طريق الحج يبدأ من التصريح والالتزام، أما من ينقل المخالفين إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، فقد تصل غرامته إلى 100 ألف ريال، لأن نقل المخالف لا يضر نفسه وحده، بل يفتح باباً واسعاً للإرباك والفوضى.

والشفافية في إعلان العقوبات تعزّز ثقة الناس في منظومة الحج، وعندما يعرف المواطن والمقيم والزائر القاعدة قبل أن يتحرك، تصبح المسؤولية أوضح، ويصبح القرار أسهل، ومن هنا تكتسب الحملة الوطنية الإعلامية لتوعية ضيوف الرحمن أهميتها، لأنها تجعل الرسالة قريبة من الجميع: الحج عبادة وسلوك حضاري، والالتزام بالتعليمات طريق السلامة والسكينة.

كما أن العقوبات المتدرجة تعبّر عن عدالة واضحة، فهناك فرق بين من يحاول أداء الحج دون تصريح، ومن ينقل المخالفين ويساعدهم على تجاوز النظام، والتدرّج هنا يربط حجم العقوبة بحجم الضرر، ويغلق الباب أمام من يستخف بالمخالفة أو يتعامل معها كفرصة عابرة.

الوعي بالعقوبات يبدأ من الفرد، ثم ينتقل إلى الأسرة والمجتمع. كل شخص يستطيع أن يكون جزءاً من الحل بنشر المعلومة الصحيحة، وتجنّب المخالفة، والتنبيه على خطورتها. كما أن الإبلاغ عن المخالفات عمل مسؤول، يحمي الحجاج، ويسهم في تطبيق العدالة، ويحافظ على أمن المشاعر وقدسيتها.

منذ يومين

كفاية شكوى

في جلسات عديدة يتم تناول سيرة من سير الفنانين، ويتم إلقاء التهم، إن فلاناً عطّل مسيرة فنان متميّز، ولولا محاربته لكان من أفضل المطربين، وهذه التهمة ومثيلاتها لا يمكن تصديقها لمن آمن بأن الفنان الأصيل لا أحد يغطي موهبته، من يقضي على الموهبة الجيدة الفنان نفسه بإهماله لموهبته، ولا يناضل من أجل الظهور. الفنان إمّا أن يناضل لإظهار موهبته أو يتلكأ ويخلق الأعذار لعدم نجاحه، وقد سبق أن كتبت مقالاً في هذا الجانب بعنوان «مين عذبك بتخلص مني!» بادئاً بهذا السؤال:

- هل بالإمكان أن يعطل شخص ما موهبة فذة، ويمنعها من الظهور؟

وعلّقت ذلك السؤال على ردهات الفن الغنائي تحديداً.. فموروث الذاكرة الغنائية يحتفظ بقصص عديدة بأن فنانة أو فناناً عطّل مواهب عديدة عاصرته خشية من أن يتفوق عليه أحدهم.

وجلّ المتابعين للفن الغنائي يحملون حكايات وحكايات في هذا الجانب، ومع مرور الزمن تتكشّف الحقائق أن كل ما قيل ليس صحيحاً.

والمتابعون هم من يصيغون تلك الحكايات، ومع ترديدها تتحوّل إلى حقيقة في أذهان الناس، فمثلاً كثيرٌ من الناس ترسّخ في بالهم أن المطربة أسمهان كانت الحادثة المرورية التي أودت بحياتها، حادثة مدبّرة، وأن أم كلثوم هي من دبّرت تلك الحادثة، ومضت السنون وذلك الوهم ساكن في ذاكرة الناس.. وسمعنا، وقرأنا قصص العداء المبطّن ما بين عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وأن حليم وضع السلم بالعرض لكي يمنع فريد من الظهور، وأنه حاول اعتراض طريق هاني شاكر، وقرأنا العدائية بين الفنانات وأن كلاً منهن تتربص بالأخرى؛ لكي تمنعها من الظهور والنجاح، ولو بسطنا حكايات العداء المحكي بين: (فايزة أحمد، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وشادية)، فلن تنتهي الحكايات، هي حكايات ليس لها أي تأكيد في حقيقة الواقع، فمن ذكرتهن، ظهرن، وخلدن أعمالاً عظيمة، ولو أنهن استسلمن لشعورهن بالمظلومية لما غنت أي منهن، ولما قدّمن أعمالاً خالدة.

هذا الأيام ارتجت منصة (x) بأقاويل عن ثمة قوى حاربت أو عملت على تعطيل أسماء فنية عن مواصلة فنها!

وهي تهمة تبرر تقاعس من لم يواصل الجهد والتحدي في تقديم فنه، فالنجاح ليس أن تُعرف بل في مواصلة الجهد في أن تظل ناجحاً.

والشعور بالمظلومية لا يحقّق نجاحاً، فذاك الشعور يثبط عزيمة البحث عن طرق النجاح، ويجعل الطريق مغلقاً دائماً لمن لديه ذلك الشعور.

يقال إن النجاح هو المحافظة على القمة، ومن لديه أعذار في عدم مواصلة النجاح فليرح نفسه، وليرح الناس من شكواه.

00:05 | 21-05-2026

وصلت؟

«الإنسان ابن لغته»، هذا تعريف مبسّط عن كينونة وجوهر أي كائن بشري في هذه البسيطة.

في أحد حواراتي مع روائي أمريكي كان الحديث عن اللغة، وكيف نتعامل معها كأناس، وفي العمق كيف للغة الأم تأثيرها على الوجدان، وطرأت في بالي وأنا أتحدث معه، قلت له أن آليات التفكير بين الشعوب ترتكز أساساً على دلالات اللغة الأم في داخلك، ضارباً مثالاً بطريقة الكتابة، قلت له: أنت تكتب من الشمال بينما أنا اكتب من اليمين، وهذه الآلية تجعل تفكيري مؤسساً على طريقة معينة، وتفكيرك مؤسساً على طريقة مقابلة، وحين تتوحد لغتنا، تكون اللغة التي نتحدث بها سهلة لمن تكون لغة الحديث هي لغته الأم، فلو أخذنا مفردة بعينها من لغتي ولغتك، ستكون تلك المفردة عميقة في وجدانك إن كانت المفردة من لغتك، وتكون في وجداني ليست بالعمق الذي شعرت به أنت.

وانتقلت به إلى ميدان عالمية لغة ما (ولتكن الإنجليزية) التي يتحدث بها بطلاقة، وسألته: لو تم تفوق لغة أخرى على الإنجليزية، وأصبحنا نتحدث بها، ولتكن الصينية ذات المنتج العالمي، وترقت لغة ذلك المنتج لتكون لغة المنتج هي لغة عالمية، كيف تكون هذه اللغة مع وجدانك كروائي؟ هل تستطيع نقل مشاعرك كما هي بتلك اللغة؟

توقف قليلاً، ونفي مقدرة أي لغة أخرى على نقل وجدانه كما يشعر به في خاطرة.

وذكرت موقفنا وحوارنا مع بعضنا (وبيننا مترجم)، ذاكراً له أن حوارنا يصل بعضنا ببعض كتعريف بما نفكر به، وليست في نقل حميمة ما أشعر به، وكذلك أنت، أي أن لغته الإنجليزية العالمية لم توصل ما يشعر به تماماً مع رجل لا يجيد نفس اللغة، في حوارنا المطول اتفقنا على «أن الإنسان ابن لغته».

وكل الفنون الإبداعية تزدهر بلغتها، وإن أصبحت اللغة العالمية هي المسيطرة فلتكن في الجوانب الاقتصادية، أما أن تكون هي لغة بديلة للتعبير بما أشعر ويعترك في داخلي، ستكون تلك اللغة العالمية عاجزة عن إخراج ما أشعر به تماماً.

أتحدث عن مقدرة الإنسان بتعبير عن وجوده، ووجود أبناء جلدته، أما المحادثة هي حادثة حتى ولو بالإشارة.

اللغة العالمية لتبادل المصالح المادية وليست لإثبات وجودك والتعبير عمّا يدور في خلدك كمشاعر تنطق بها لغتك الأم.. وصلت؟

00:15 | 18-05-2026

استدراك يقف في الحنجرة

الدخول إلى سراديب الرواية أثناء الكتابة هي حالة لا يمكن الحديث عنها كتفاصيل، سواء أكانت مشاهد أو كلمات، ربما الثابت في مخيلة الروائي هو الأفكار من حيث البناء، والنقض؛ فالشخصيات الروائية المتعددة تمكّن الروائي من خلط الأفكار، وانحياز كل شخصية لأفكارها بحيث لا يكون العمل مؤدلجاً، فالأفكار المؤدلجة تكون صلدة ولا تقبل ما يناقضها، وفي هذه الحالة يتم إيجاد الحجج من قبل شخصيات مقابلة لتعرية ما لم لا يسقط بالحوار.

والذي يدخلك في سجال مع ذاتك ومع القارئ، ما يحدث بعد النشر، فأنت ككاتب تقف على مشاهد كُتبت بصورة مذهلة تدهشك، حتى يمكن أن تقول: كيف استطعت كتابة هذا المشهد، وفي الوقت نفسه يقف القارئ على نفس المشهد (مسفهاً) تلك المشهدية، وعلى الطرفين يجد الكاتب مساندين لرأيه، وكذلك القارئ (هنا يحدث تمايز بين ذائقة الكاتب والقارئ وجهاً لوجه).

وسابقاً، كنت قد وضعت تغريدة من رواية أنفس، هذا نصها:

«... وعندما تضع كائناً في جوفك يكون هو كمال نقصك، ويصبح النداء عليه كلما ابتعد هو الشعور بفراغ روحك منه».

واضعاً هذا السؤال:

«فهل ثنوى رابط كل هذه النفوس المتقافزة في الصدر وكأنها حبات فشار لا تستقر الا بعد أن تفسق».

وبين السؤال، والمحتوى، تنافرت المداخلات بحيث لم يستقر أي من المتداخلين على طرفي معادلتي: القارئ والكاتب.

حقاً، وجدت أن المنطقة الوسطى هي التي استقطبت الأعداد الكبيرة.

هل هذا يعني أن الذائقة مستقرة في حالة الوسطية؟

وبهذه الكيفية يصبح الأمر مختلطاً بين ثقة الكاتب وتعالي القارئ في عدم الانسياق لما استشعر به الكاتب بعد الكتابة، بمعنى آخر نقض الاتفاق؛ لأن بين الكاتب والقارئ اتفاقاً ضمنياً بأن الكاتب هو المسير للعمل، وعندما يتدخل القارئ في النقض يكون موقفه إخلالاً ببنود العقد.

وهذا ما يعلل موقف القارئ من أي عمل روائي مهما كانت روعته، وذلك النقض نلحظه جميعاً، من خلال انفلات كلمة (لكن)، فمهما كان الروائي مجيداً إلّا أننا نجد المدح مقترناً بالاستدراك، فيقال لك: العمل جميل لكن...

و(لكن) هذه هي التي تقف في حنجرة كل منا!

00:00 | 17-05-2026

رفض تهافت الأفلام والمسلسلات

أحياناً وعندما تشاهد فيلماً أو مسلسلاً تصيح أو تهمس أو تتذمر بجملة قصيرة:


- نحن ليس هكذا..


وهذه الجملة تعد رفضاً للمضمون الذي تشاهده، وذلك المضمون يحمل (استبلاهنا) أو مفارق للحياة الاجتماعية التي نعيشها.. نعم الفن إحدى القوى النافذة للتغلغل في المجتمعات، وليس جديداً القول إن الدول الكبرى استخدمت هذه الوسيلة خلال فترات زمنية مختلفة، ومتباعدة في تقوية وجودها.. ومن تابع تاريخ الفنون سيجد لكل فن أداة ثقب، وتمكين في تلك المجتمعات.. ونحن نقرأ عن عباقرة الموسيقى، أو الفن التشكيلي، أو الرواية، أو الشعر، أو المسرح، نجد أنها نهضت بأدوار عظيمة في بناء تلك الدول، والصعود بدولها إلى المراتب المتقدمة في سلم التحضر؛ ولأن صناع الفنون عملة نادرة، أخذت كل دولة تصدر رموزها كقوى ناعمة تفاخر وتتسامى بها إلى مصاف التحضر.. ونجد أن تلك الفنون تمثل درعاً واقياً لكينونة ثقافة وتاريخ البلد، ومن يتذكر مقاومة فرنسا للمد الأمريكي ثقافياً من خلال السينما، حين غزت أمريكا فرنسا سينمائياً حتماً، سيتذكر في الحال، القرار الفرنسي المقرر على الدور السينمائية أن لا تعرض إلا الأفلام الفرنسية.. ولأنني ذكرت فرنسا في هذا السياق، يمكننا تذّكر تغريدة وزير الثقافة الفرنسي حين كان ينعى فيها فقيد جمهورية فرنسا المغني شارل آزنافور ويصفه بنعوت عدة، مؤكداً أن ذلك المغني حمل فرنسا في كل أغانيه..


وأحتاج أن أعرج قليلاً لتأكيد أن ذائقتنا الفنية الغنائية مرتفعة بما يتسامى مع قمم الغناء العربي، وللتأكيد على تلك الذائقة ما قامت به هيئة الترفيه، في أنشطة سابقة، فليس هناك بلد يقوم بإنعاش الذاكرة الفنية الأصيلة، كما قامت به هيئة الترفيه في موسم الرياض سابقاً، فمن خلال ليالٍ استحضرت فيها روائع الفن الغنائي من خلال عباقرته، خصصت ليالي لتكريم من طرز الذاكرة العربية بالروائع التي لا تنسى.. ولو أردنا ذكر تلك الليالي وتكريم رموزها، فلن نتعب ونحن تستذكر ما الذي أحدثته الرياض من إنعاش الذاكرة، والتسامي بعودة الذائقة السامية للفن.


هذا الدور الراقي هو تقدير، وتثمين لمن صاغ الوجدان العربي: كلمة، ولحناً، وأداء، وكذلك استشهاد أن البلد الذي يقوم بهذا التكريم ما هو إلا بلد حريص على إبقاء الفن راقياً..


كما يمكن قياس ذائقتنا الفنية من خلال مواطنينا، فهم في هذا الجانب ينطبق عليهم المثل الشهير (لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب)..


وعودة لبدء، وللتأكيد على أهمية الدراما والسينما كوعاء ضامن لكينونة البلد ثقافياً وعمقاً تاريخياً، ولربما نهضت الفنون المحلية بأدوارها وفق الإمكانات المتاحة سابقاً، والذي جد في حقولنا الثقافية هي السينما، وكذلك الدراما، وهما قوتان ناعمتان فاعلتان، يمكن استيعاب تلكؤ أدوارهما بسبب الجدة أو بسبب تهافت الإدراك عن خطورتهما في استنهاض الكينونة الثقافية للبلد، ففي السابق كنا نتعذر بغياب السينما، ونتغاضى عن هزال الدراما كون المنشغلين بها وتحديداً (طاش ما طاش) يقومون بدور تنويري مناهض للتشدد الديني، أما الآن، ومع قفزات البلد لا نريد تهريجاً، وإنما نريد فنّاً يقاس بما تم تحقيقه على أصعدة كثيرة.


وأنا لست وصيّاً على رفض ذلك التهافت، وإنما أعبّر عن ذائقتي لما أشاهده ولا يرضيني. نعم الحياة مستمرة بالغث والسمين لكن من لدية ذائقة تعب في تنميتها عليه رفض الأفلام أو المسلسلات المتداعية.

00:00 | 14-05-2026

ورش الزينة

أصبحت عيادات التجميل ركناً أساسيّاً في حياة المرأة، التي قد تكون كاملة الصحة إلا أنها نزيلة تلك العيادات، فمهما جملتها في وجهها أو جسدها تراخى ولا بد من شده أو تثبيته؛ لكي لا يتساقط أو يترهل، وقد كتبتُ كثيراً عن طوفان الجمال النسائي في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو جمال اصطناعي قفزت به أدوات الزينة إلى درجة عالية من التزييف، وقلت إن التاريخ الإنساني عرف الزينة والتزين منذ أزمان سحيقة، ولم يتوقف الإنسان في بحثه عن الصورة التي ترضيه وتظهره جميلاً أمام الآخرين.


وقد حملت لنا الحفريات- عبر العصور السحيقة- أنواعاً مختلفة من وسائل الزينة وفي أغلبها الأعم كانت أدوات تخص المرأة.


وهذه الإشارة لا تعني بتاتاً أن الرجل لم يكن باحثاً عما يظهره جميلاً، وإن كان ثمة فرق فإن وسائل التجمّل عند الرجل تكون تعزيزاً لمظاهر مقايس الرجولة في نوع السلاح أو الركوبة أو الملبس أو الخواتم، وفي حالات الحروب كجدع الأنف أو تركيب أدوات خشبية للأطراف السفلية، وكانت أنواع الطيب محدودة، بينما كانت أدوات الزينة عند المرأة في أغلبها مؤلمة، إذ تتعرّض إلى معاملة صارمة بحيث تكون هيأتها متسقة مع مقاييس الجمال التي يرنو إليها الرجل، وقد عانت المرأة كثيراً من أجل اكتساب إعجاب الرجل، فأخضعت نفسها لعمليات الوخز والنقش في وجهها، والضغط على قدميها أو وسطها وحملت طيوب الأرض على رأسها، وأفنت جبال الكحل في عينيها، أما أدوات التجمّل المساندة لم تقف عند حد ملابسها وطيبها ومجوهراتها حتى إذا تطورت عمليات التجميل لم تعد هناك امرأة إلا شاغلتها نفسها أن تقوم بتغيير جزء أو أجزاء من شكلها العام، فراجت عمليات التجميل حتى بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة، وتحوّلت إلى مجال استثماري، إذ تخبرنا الإحصاءات أن السعودية تحتل مركزاً متقدماً في كل ما يتعلق بأدوات التجميل، وجاءت عمليات التجميل لتضاعف من استحواذ هذا السوق على جزء كبير من الإنفاق ليمثل ضغطاً على دخل الفرد؛ ولأن هذا الإنفاق هو حرية شخصية لم يرافق هذا الاستهلاك الطاغي أي نوع من أنواع الترشيد، أو التوعية، وكان من الضروري جدّاً أن تتحرك الجهات المعنية بوضع استراتجية لهذا الإنفاق الباذخ، وكذلك التحذير مما يحدث من استغلال للسيدات الباحثات عن الجمال وهن يقدمن على عمليات تجميلية لها آثار سلبية على حياتهن على المدى المتوسط، والبعيد.


هذا ما كتبته سابقاً والملفت أن كل التحذيرات مما يقمن به النساء من عبث في أجسادهن لم يصل إلى درجة الكف، بل تمادين في ذلك حتى غدت كل امرأة (مشكوك في أمرها).. والشك في عدم وجود امرأة طبيعية أي أننا أصبحنا نعيش مع نساء (مجمعات) في ورش الزينة..


وأذكر أنني وجهت تنبيهاً لجميع السيدات بأن عملية تجميلية بعشرة أو عشرين ألفاً لن تكون محصلتها الجمالية كعملية بمليون ريال.


وهناك ملاحظة جوهرية تتمثل في أن النساء أصبحن نسخة واحدة من جمال مزيف.


إن إعادة هذا (الهذر)- اشعر أنه (هذر)- يصب في قلب مجتمعنا المغرم بالتجمّل الشكلي، بينما ينسى التجمّل في أمور أخرى كثيرة. وفي الجانب التجميلي لن ينفع (الهذر)، ولن تنفع نصيحة: (ضرورة الثقة بالنفس)، ولن ينفع السؤال: ماذا تريدين من جمال بعد وصولك الستين عاماً؟، وتصبح النصيحة والسؤال من سقط المتابع، الذي لا يلتفت إليه أحد، ولا يحمله أحد.

00:02 | 13-05-2026

لا تقل شيئاً.. ضع يدك على فمك!

كلما سمعت أخباراً مختلطة لا تحمل مصداقية تناقل الخبر، تذكرت مقولات عديدة عما يفعله الشارع العام من تصدر الأقوال المشكوك بها، وهذا الأمر طبيعي حينما تستوحب ما يحدثها (القوالون)، ولا يزال في النفس ترجح بين مقولات عديدة إلا أن الزمن يثبت أن المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها، ولأني ما زلت على يقين بأن كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص، وقد كتبت مقالاً سابقاً بعنوان «في حنايا النفس زوايا أرحب»، وهو مقال رديف لمقالة أخرى بعنوان «سقوط السقوط»، والكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية، تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات، ولأن الواقع متغير تستجيب المقالة الصحفية للانجرار مع المتغيرات اليومية، وليس هناك مقال صحفي استطاع الصمود لسنة أو سنتين خاصة إن كان تعليقاً على حدث سيار.. لننتقل خطوة لتغير الموقع في هذا المقال.

كان الفلاسفة (عبر الأزمان) يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط، مكونين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص، وعادة يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات، وهذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد على العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.

وفي العصور الماضية، تمّت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النير وتم اتهامهم بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فسادة، هذه التهم تحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالماً قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكراً وقف مناهضاً لأفكار قديمة، وفعلاً تقوم فئة (السمعية) أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أو رديئاً.

وإزاء أو اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح وقد جرت العادة اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة على هؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم، ولم يخر الناس أو يستكينوا، بل نهضوا، وهمهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين.

فقال العامة، إن المفكرين ما هم الا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم.. هنا يصبح الحكمان ساقطين كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.

وفي زمن متأخر ظهرت مفردة النخبة، وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين، ومثقفين، وأدباء. ومفردة النخبة كان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية ولهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغير أكثر من غيرهم.

وحدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتاب والمفكرون واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون)، وكذلك تم (تقسيم مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية والنخبة الاجتماعية.....).

وهذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجددة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدمة البرواز.

وعندما كتب غوستاف لوبون عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931) كتابه (سيكولوجية الجماهير) نقله إلى العربية المفكر هاشم صالح.

فهذا الكتاب يعتبره الدارسون هو الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي.. ومن البديهي أن (لوبون) حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير نفسية ثابتة، فالمتغيرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيرات جوهرية، فالناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها أسقطت مفردة النخب، فهل انتصر العامة على تلك العقول التي تعبر نفسها مسيرة للمجتمعات؟

وعودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً، وإزاء السؤال الأخير أجد من الجسارة القول، إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل..

وما زالت في حنايا النفس أقوالٌ تحتاج الى مساحة أرحب.

00:12 | 12-05-2026

خلط الليل بالنهار

تناقل الأخبار والسير والأحداث يحدث من غير تمحيص، وذات يوم كتبت عن خشيتي من إعادة كثير من الأحداث والسير على ألسنة الشباب كما حدث معنا في بداية حياتنا، وظللنا الجزء الأكبر من أعمارنا ننفي ونوضح أن ما يتم ترسيخه في المجتمع قولاً ضعيفاً أو مكذوباً أو مشوّهاً، والآن نسمع ونرى تناقل تلك الأحداث أنها صحيحة، وهذه آفة ما يتم قراءته من غير تبيّن.


وكتبت مقالة بعنوان (الاستعادة والنسيان)، بدأت بهذا السؤال:


هل التاريخ في حالة اجترار؟


وقبل الإجابة فإن عملية الاجترار حالة تميّز الحيوان المجتر عن بقية المخلوقات، وتؤكد علوم الحيوان أن عملية الاجترار هذه تحدث كون المعدة في وصفها التشريحي في المجترات تعتمد على إعادة المضغ والخلط مع اللعاب مع التنبيه العصبي للاجترار، وأنها حركة دودية معكوسة يُرتجع بوساطتها الطعام المهضوم جزئياً والمبتلع سابقاً والمتجمع في الكرش والشبكية إلى الفم ليعاد مضغه وخلطه باللعاب، ثم يُعاد بلعه.


هذه المعلومة العلمية المقتبسة من مكان ما، احتجتها لأبدأ مقالتي هذه بهذا السؤال: هل نحن كائنات مجترة، سواء في الأكل أم في التفكير أو في أحداث الحياة، ويبدو أن ما مضى من أحداث حياتية نقوم باجترارها، فعشرات الأخطاء التاريخية حدثت، وتم البناء عليها، وما زالت الكتابات تلوك تلك الأخطاء، وظل كثير من الكتاب يفنّد ويحلل أسباب ونتائج ما أفضت إليه الأخطاء التاريخية.


ولأن الحياة ليس لها رغبة في تعطيل حركيتها للأمام، فهي لا تلتفت للخلف مهما كانت جسامة ما حدث، ولأن الحياة مثل المقبرة لا ترد حيّاً جاء إليها، هي أيضاً لا تقبل أن تُدفن في مقبرة الماضي.


فما جدوى الكتابة عن ماضٍ لن يستطيع استعادة حيويته؟


وكيف يمكن مجابهة حجة من يقول إن الكتابة عن التاريخ القديم، كمن يريد فلسفة دوران الماء في النافورة!


وكثير ممن يخطو للمستقبل يسقط حجج الباحثين عن تبيان كيف حدث الخطأ التاريخ في زمن ما، فهؤلاء يحملون حجية أن الزمن دفن ما مر به، فلماذا النبش في جثمانٍ قُبر، وقد خلف ذرية نسته، وانطلقت الى الأمام؟!


أما المتمسكون بالكتابة عن تلك الأخطاء التاريخية يحملون حجية ضرورة إبلاغ الأجيال بما حدث من خطأ جعل الحاضر يظهر على ما هو عليه الآن.


وهي حجية المؤدلجين الذين يرغبون دوماً في إعادة دولاب الأيام إلى نقطة الارتكاس.


فما حدث من خطأ قبل مئات السنوات لا يصلح الآن تقويمه، فكل الأحداث الزمكانية اجتازت تلك الأزمان، وتم دفع ضريبه الأخطاء، وكذلك دفع ضريبة التصويب.


ولو ضربنا مثالاً بسيطاً لذلك الخطأ التاريخي، كموقعة الجمل، أو صفين، أو انتصار المعتزلة في زمن المأمون، أو حكم المتوكل، أو سقوط الخلافة العثمانية، أو تقسيم سايس بيكو، أو سقوط برجي التجارة الدولية في 11 سبتمبر، أو ليلة سقوط بغداد، أو اكتشاف مؤامرات الإخوان أو أي حدثٍ حدث بالأمس، يكون حكم الواقع عليه أن ما حدث أصبح ماضياً، وأن الحاضر سيرمم كل الأخطاء لكي يأتي الغد.


فما يحدث اليوم هو الواقع، وأي حدث يحدث ويغيّر في اليوم يصبح هو المستقبل.


حكمنا على مجريات الأحداث يعتبر من مشاغل اليوم، والأقاويل التي تقال بعد مضي اليوم أصبحت تاريخاً نعيش به غداً.


التصويب هي عجلة ضخمة اسمها الحياة تدرس ما يصادفها لتبدو حكايات الغد.


سؤالي ألا تلاحظون أننا نعيد اجترار أحداث التاريخ على أنها واقع حقيقي لما حدث في مختلف الأزمان ؟


وصدقاً أن توثيق ما يحدث دليل دامغ على صحة الأحداث، ليس كمكتوب كما حدث في العصور قديمة العهد حين لم يكن هناك إلا قرطاس وقلم، أما الآن فإن مسألة التوثيق لديها وسائل عدة: المصور والمسجل، ربما يأتي أحدكم ليقول: إن الذكاء الاصطناعي قلب الطاولة، فالحياة الآن ليست اجتراراً، بل تغير الحقيقة وتثبيتها على ما لم تكن عليه.


مع البحث والتنقيب والمعرفة الحقيقية لن يحدث الاجترار، تعيش رجب ترى العجب، فقط أريد القول: عش لحظتك فما مضى ماضياً وما سوف يأتي مستقبلاً، حياتك هي اللحظات المعاشة، وليس ما سبقها أو ما يلحق بها.

00:02 | 11-05-2026

طفل بلا رحم ينجيه!

في جميع مراحل الوجود نحن محتاجون إلى رحم يحمينا من الأخطار التي خارج محيطنا، وتتعدد تلك المخاطر وفق سيرنا في الحياة، إلا أن الطفل ومنذ ولادته بحاجة إلى رعاية فائقة، رعاية جسدية في البدء ورعاية فكرية إلى أن يصل مرحلة الرشد، وإذا كانت المطالبة برعايته في السابق مهمة، فالآن اختلف المحيط وأصبحت الرعاية الفكرية أكثر صعوبة لاختلاف الوسائل، وسرعة المتغيرات، ودخول مؤثرات عديدة لا يمكن تفادي أثرها، فكيف نخلق رحماً حافظاً لهذه الطفولة.


كنت ضيفاً على جمعية أدب الطفل وثقافته، وانطلقت في حديثي عن مجموعتي القصصية (حكاية المداد) والتي كتبتها قبل ثلاثين عاماً، حين كان محور مهرجان الجنادرية عن أدب الطفل، في تلك الأيام كنت مشرفاً على صفحة الطفل بجريدة عكاظ، والتي كانت تصدر يومياً، بمحررين في سن الطفولة، وهم من يقومون بتوفير المادة الصحفية لصفحتهم، وكان نشاطهم ملفتاً حتى أنهم أجروا لقاءً صحفياً مع الوزير محمد أحمد الرشيد (رحمه الله) والذي أصدر قراراً وزارياً لجميع مدارس المملكة بالتعاون مع صفحة الطفل في «عكاظ» (وتلك الصفحة قام محرروها بأعمال صحفية منتقاه وتحتاج إلى كتابة خاصة عن تلك الفترة)، في ذلك الزمن فاتحني الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين (رحمه الله) إن كان لدي قصص لنشرها وتقديمها لمحور الطفل في الجنادرية، فكتبت مجموعة (حكاية المداد).. وكان حديثي منصباً على أدب الطفل ومعوقاته من وجة نظري..


ذاكراً أن الطفولة كنز الأسئلة المجردة، والمخيلة الخصبة التي لا يحدها حد، تلك المخيلة الخصبة تجف مع الدخول إلى التعليم، فكلما كبر طفل يتم تهجين ذاكرته (بما يجب فعله والتفكير فيه) ذاكراً أن التعليم عبودية، والعلم حرية، ولأن الطفل (في العالم العربي) تم تحييد عقله وأسئلته، وتحويله إلى جهاز تسجيل، حتى إن الأدب الذي كُتب له كان أدباً توجيهياً وليس محفزاً للأسئلة، كما أن كاتب الطفل مسلوب، فلم يقدم أدباً منطلقاً بل أدبا سجين مخيلة كلسية، وكما عجزنا عن تصنيع لعبة أو فلم كرتون تم اختطاف أطفالنا منذ ذلك الزمن من خلال الألعاب وأفلام الكرتون.. ربما كنت حاداُ عندما قلت تم اختطاف الطفل سابقاً وآنياً، آنيا بصورة الاتصالات وتقدم التقنية والتي أصبح العالم يتغير يومياً، بحيث تحولت الثقافة إلى مادة سائلة تتفلت كل لحظة بما تخلقه التقنية والبرامج المتغيرة يومياً، والثقافة السائلة تحتاج إلى معلمين قادرين على مسايرة الثورات التقنية بمعارفها المستجدة، وهذا يستوجب قلب المثلث، فقد دأب العالم العربي إلى إسناد المواد التعليمية لمراحل تعليم أطفالنا إلى معلمين متواضعين في علومهم، وآن الأوان لوزراء التعليم في العالم العربي إسناد تعليم الأطفال إلى الأساتذة الأكاديميين ذوي التخصص في العلوم الطبيعية، هؤلاء هم من يستطيع إنقاذ أطفالنا من الاستلاب المحموم للتقنية وما تصدره من معارف مستحدثة.


هذه خطوة أولى لتصويب ما يحدث لطفل في المدارس التي أصبحت عاجزة بمعلميها عن اللحاق بعجلة الزمن السريعة والمتغيرة في معطيات المعرفة، ويلي ذلك خطوات جبارة على المعنيين بالطفل تجهيز وإعداد المناخ الجيد لتثمين عقلية ومخيلة الطفل التي لا تُحد، لذا نظراً للثقافة الصلبة التي سادت علينا الإسراع بالطفل الى الثقافة السائلة.

00:00 | 10-05-2026