قامت رواية ترمي بشرر على تجسيد مشهدية انتفاء الطبقة الوسطى أو تلاشيها، ومنظرو السياسة الاقتصادية دائما يحذرون من كشف أو جرح أو تعرية (السلك) الموصل ما بين الطبقتين الاجتماعيتين الثرية والفقيرة لأن ضمور رقة سماكة تلك الطبقة يؤدي إلى كوارث اجتماعية لا حصر لها.
ومن استشعر فداحة ملامح أو تفاصيل رواية ترمي بشرر فسيجد أنما هي جزء ضئيل من مشهدية المجتمع كمحصلة لالتقاء الطبقتين: الغنية جدا، والفقيرة جدا:
حسنا، ألفنا إقامة المنتديات والمهرجانات التي تنتهي بتوصيات عملية رائعة على المستوى الكتابي والطموح للوصول إلى الأهداف المحركة للأمام.
ألفنا هذا، ومعه ألفنا موات تلك التوصيات على أرض الواقع وعدم خروجها من الأدراج مما يبقي الحال على ما هو عليه، ولو أن التوصيات المبثوثة من هنا وهناك تحولت إلى مشاريع واقعية لما ظللنا نلوك مشاكلنا على مستويات متعددة.
ولأننا نعيش عصرا يمثل المال فيه دور الدم الذي يجب أن يصل إلى كل نقطة من نقاط جسد المجتمع ليظل هذا المجتمع حيا نشطا، تصبح أي توصية مالية هي (روشتة) علاج يجب عدم إهمالها.
هل تذكرون التوصيات التي خرجت من منتدى جدة التجاري الأول الذي نظمته غرفة جدة، تلك توصيات مضى عليها زمن ولم تتحرك من موقعها الكتابي فقد كانت تطالب بالتركيز على زيادة حجم الأموال الحكومية لتمويل المشاريع والشركات التجارية وتطوير الإدارة المالية وزيادة رأس مال الصناديق الحكومية لتمويل المشاريع الحكومية والخاصة مع دعم أعمال الصناديق المتخصصة في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتخفيف شروط التمويل الخاص بها ومنح تراخيص إضافية للمصارف الأجنبية للعمل في المملكة، وبرغم من كون هذه المطالب مطالب تجذب القطاع الحكومي جذبا لمساعدة القطاع الخاص، وهي عملية مقلوبة، حيث كان من المفترض أن يكون القطاع الخاص هو الداعم للقطاع الحكومي وليس العكس إلا إذ كان الأمر متعلقا بالانتهاء من القوانين والضوابط التي من شأنها تسهيل العملية الاستثمارية فهي بهذا تكون مطالب مشروعة يجب أن تنقاد لها المرافق الحكومية على وجه السرعة وهذا ما لم يحدث.
وثمة توصيتان كان من الضروري العمل بهما بالسرعة القصوى وإحداهما مطالبة البنوك بأهمية التركيز على تقديم القروض لمشاريع التنمية والبنية التحتية عوضا عن القروض لأغراض الاستيراد والاستهلاك الخاصة بالمواطنين، فهذه التوصية مثلا هي بالأهمية بمكان، حيث ظلت البنوك جهات ربحية لا تقوم بدورها الاجتماعي أو الوطني وإنما تفرغت لاستنزاف الأفراد في قروض طويلة ليس لها عائد على البلد إن لم تكن معطلة للحياة على مستوى الفرد وانعكاسات هذا على الحياة الاستثمارية، وعند وجود توجيه أو إلزام لهذه البنوك بتقديم قروض للمشاريع ذات الجدوى الاستثمارية سيكون هناك معنى لتغافلنا عن أرباحها المهولة مقابل إيجاد مشاريع صغيرة ومتوسطة تخدم البلد وتمتص أعدادا من القوى البشرية العاطلة عن العمل.. أما أن تظل هذه البنوك تمارس دورها (المنشاري طالعة واكلة نازلة واكلة) فهذا هو التسيب بعينه.
ونقطة أخرى مهمة في هذه التوصيات -أهملت أيضا- تتمثل في دعم جهود الجمعية الوطنية لحماية المستهلك والاهتمام بالطبقة الوسطى والعمل على عقد منتدى خاص بالطبقة الوسطى وحمايتها باعتبارها أساسا ومصدر قوة لقاعدة الاقتصاد.
فهذه التوصية هي توصية ملحة في ظل تآكل الطبقة الوسطى، ويعرف المنظرون ماذا يعني تآكل هذه الطبقة، وتحول المجتمع إلى طبقتين فقط.
فاجعة رواية ترمي بشرر ..
1 نوفمبر 2015 - 19:25
|
آخر تحديث 1 نوفمبر 2015 - 19:25
تابع قناة عكاظ على الواتساب