كشف فريق من علماء الآثار، بقيادة خبراء إيطاليين، عن بقايا مبنى أثري ضخم يبلغ طوله نحو 100 متر وعرضه أكثر من 50 متراً، في منطقة جانديال قرب مدينة تاكسيلا التاريخية شمالي باكستان، في اكتشاف قد يسهم في إعادة فهم التخطيط العمراني والحياة الدينية والاجتماعية لحضارة غاندارا القديمة.

وأعلنت السلطات الأثرية الباكستانية أن أعمال التنقيب كشفت عن جدران ضخمة لمبنى ظل مجهول التفاصيل لأكثر من قرن، فيما لا يزال الباحثون يحاولون تحديد عمره ووظيفته الأصلية، وما إذا كان منشأة دينية أو مبنى عاماً.

مبنى غامض ظل دون دراسة لأكثر من 160 عاماً

ويقع المبنى المكتشف، الذي أطلق عليه الباحثون اسم «جانديال دي» (Jandial D)، خارج أسوار مدينة سيركاب الأثرية، مقابل معبد جانديال الشهير بطرازه المعماري المستوحى من المعابد اليونانية القديمة.

ورغم أن عالم الآثار البريطاني ألكسندر كننغهام أشار إلى الموقع لأول مرة عام 1864، فإنه ظل دون دراسة أثرية تفصيلية، كما اعتبره عالم الآثار جون مارشال عام 1911 مجرد كومة من الأطلال لا تستحق اهتماماً كبيراً.

لكن أعمال التنقيب التي بدأت منتصف أغسطس 2026 كشفت عن بقايا منشأة ضخمة، ترتفع بعض جدرانها المكتشفة إلى متر واحد على الأقل، ما دفع الباحثين إلى إعادة تقييم أهمية الموقع التاريخية.

بعثة إيطالية تقود أعمال التنقيب

ويقود أعمال التنقيب عالم الآثار الإيطالي لوكا ماريا أوليفييري، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في إقليم خيبر بختونخوا الباكستاني، وبدعم من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي.

وأوضح المدير العام للآثار والمتاحف في الإقليم، الدكتور عبدالصمد، أن ضخامة المبنى وموقعه يجعلان منه اكتشافاً مهماً، خصوصاً أنه يقع على امتداد الطريق القديم الذي كان يربط البوابة الشمالية لمدينة سيركاب بمناطق حضارة غاندارا.

وأشار إلى أن الأبحاث القادمة ستركز على تحديد طبيعة المبنى وعلاقته بالمعبد المجاور، وما إذا كان جزءاً من مجمع ديني أو إداري أو منشأة ذات وظيفة أخرى.

موقع يكشف تداخل الحضارات القديمة

وتُعد تاكسيلا من أبرز المراكز الحضارية القديمة في جنوب آسيا، إذ شكلت ملتقى للتجارة والمعرفة والتبادل الثقافي بين شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى وبلاد فارس والعالم اليوناني.

ويتميز معبد جانديال القريب من موقع الاكتشاف بعناصر معمارية يونانية، بينها الأعمدة الأيونية، وهو ما يعكس التأثيرات الحضارية المتعددة التي شهدتها المنطقة عبر قرون.

ويرجح الباحثون أن المعبد المعروف يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد تقريباً، لكنهم يؤكدون أن هذا التاريخ لا يمكن نسبته تلقائياً إلى المبنى المكتشف حديثاً، الذي لا يزال عمره قيد البحث.

هل كان معبداً أم منشأة عامة؟

ورغم الحجم الكبير للمبنى، لم يتمكن علماء الآثار حتى الآن من تحديد الغرض الذي شُيّد من أجله.

ويبحث الفريق في احتمالات استخدامه منشأة دينية أو مبنى عاماً، إلى جانب دراسة تصميمه المعماري وطبيعة المواد المستخدمة في بنائه.

وأكد المسؤولون أن تحديد وظيفة المبنى يتطلب مزيداً من الحفريات والفحوص العلمية، ومقارنة النتائج بالمنشآت المعروفة في المنطقة.

ويأمل الباحثون أن تسهم الاكتشافات القادمة في تقديم صورة أوضح عن الحياة العمرانية في تاكسيلا القديمة، والكشف عن جوانب جديدة من التفاعل بين الحضارات التي تعاقبت على المنطقة.