من الممكن أن يبدأ الأمر باجتماع لا يبدو مهماً. يغلق مديرك الباب، وينزوي مع اثنين من المقربين منه، ثم يبدأ الحديث عن موظف غائب. لا تكون الغاية مناقشة أدائه أو حل مشكلة مهنية، بل البحث عن رواية يمكن أن تسيء إليه: معلومة مبتورة، تفسير مغرض، أو شائعة يجري تمريرها بهدوء إلى بقية الفريق. في ملعب الأطفال، قد نسمي هذا «لعب عيال». لكن ماذا نسميه عندما يحدث خلف باب مكتب مدير؟

في علم السلوك التنظيمي، ليست الشائعات والنميمة مجرد كلام عابر. فقد بحثت دراسات في استخدامها داخل بيئات العمل كوسيلة للتهميش الاجتماعي وإضعاف الآخرين وممارسة الهيمنة، خصوصاً في سياقات التنمر الوظيفي.

ومن هنا تصبح فكرة Lynn Taylor أكثر إثارة للاهتمام. ففي كتابها Tame Your Terrible Office Tyrant الصادر عام 2009، تصف Taylor ما تسميه Terrible Office Tyrant (TOT): المدير الذي يتصرف، خصوصاً تحت الضغط، بطريقة تذكّر بسلوك طفل صغير. والكتاب مبني على مقابلات وأبحاث مع عاملين ومديرين وعلماء نفس، ويقوم على مقارنة مباشرة بين سلوك الأطفال والمديرين عندما يفقدون القدرة على ضبط أنفسهم.

وتقول الفكرة الأساسية للكتاب إن كلاً من الطفل والمدير تحت الضغط قد يجد صعوبة في ضبط قوته أو التفكير بعقلانية. ومن أوجه التشابه التي تذكرها Taylor: نوبات الغضب، والتطلب، والعناد، والتقلب، والأنانية، والاحتياج والتذمر.

لكن Taylor لا تضع هؤلاء المديرين في قالب واحد. فالمدير غير السوي قد يكون Bratty Behavior: المتبجح، والمتنمر، وكثير المطالب، والمتجاهل، والاندفاعي والمتذمر. وتضم هذه الفئة في فصول الكتاب سلوكيات مثل التفاخر والتنمر والمطالبة والتجاهل والاندفاعية.

ومن الممكن أيضاً أن يبدو مهزوزاً Little Lost Lamb؛ كالمدير المرتبك أو المتقلب أو كثير الأسئلة، الذي يحتاج إلى الطمأنة والتوجيه، بدلاً من المدير الذي يحاول فرض سيطرته على الجميع.

لكن هذا الكتاب ليس وحده من ربط فكرة «الطفل الكبير» ببعض المديرين. ففي أدبيات الموارد البشرية والسلوك التنظيمي تظهر تعبيرات مثل Childlike / Childish Workplace Behavior وChildish Behavior / Childishness at Work لوصف سلوكيات طفولية في بيئة العمل: كالتذمر، والتجهم عند عدم الحصول على المطلوب، والوشاية، وتشكيل الشلل، ونشر الشائعات، والخروج غاضباً، ونوبات الغضب.

وفي مسح لـ CareerBuilder بالتعاون مع Harris Poll عام 2015، شمل أكثر من 3000 موظف بدوام كامل وأكثر من 2000 مسؤول توظيف وموارد بشرية في الولايات المتحدة، قال 77% من الموظفين إنهم شاهدوا سلوكاً طفولياً في مكان العمل.

وهنا تتغير دلالة العبارة. فالطفل قد يشكل شلة لاستبعاد طفل آخر. والمدير المهزوز قد يفعل الشيء نفسه. والطفل قد يوشي بغيره، والمدير المرتبك قد ينقل شائعة. لكن عندما يدمن المدير ذلك، تظهر مشكلة مختلفة تماماً: فالطفل يملك رغبة، أما المدير فيملك سلطة.

وهذه هي المفارقة التي تجعل تشبيه Taylor أكثر من مجرد طرفة إدارية. فالمدير الذي يغضب قد يحول غضبه إلى قرار. والذي يتجاهل موظفاً يستطيع تحويل التجاهل إلى عزلة مهنية. والذي يستخدم الشائعة قد يملك القدرة على منحها شرعية بحكم موقعه.

وفي المقابل، قد يكون «الطفل الكبير» ليس متنمراً أصلاً، بل خائفاً ومتردداً ومتقلباً؛ وهو ما تضعه Taylor في خانة Little Lost Lamb.

في الحالتين، المشكلة واحدة في جوهرها: سلوك طفولي دخل إلى مكان يفترض أن تحكمه قواعد الكبار. فالطفل يتعلم مع الوقت كيف يضبط غضبه ورغباته. أما في المكتب، فقد يكون السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يحصل الطفل على مكتب المدير؟