خمسة أيام بين مرتفعات أرمينيا كانت كافية لتغيير نظرتي إلى هذا البلد. قصدته بحثاً عن تاريخه وآثاره، وعدت محملاً بانطباعات صنعتها الطبيعة والناس بقدر ما صنعتها الحجارة العتيقة. فمن الكاتدرائيات البازلتية والأديرة المنحوتة في الصخور إلى الجبال والبحيرات، تبدو أرمينيا وكأنها طبقات متراكمة من الزمن، تتكامل معها ضيافة دافئة لا تغيب عن أي محطة.

أرمينيا.. رحلة في ذاكرة الحجر والطبيعة

بدأت الرحلة في يريفان، العاصمة التي تتلون مبانيها بحجارة التوف البركانية، وتنبض بالحياة حتى ساعات الليل. ومع غروب الشمس، تتحول شوارعها وساحاتها إلى مشهد هادئ يختلط فيه التاريخ بالحياة اليومية. أما المطبخ الأرمني، فكان جزءاً من التجربة منذ الليلة الأولى؛ أطباق تقليدية، وخبز «اللافاش» الذي يحتل مكانة خاصة في الثقافة المحلية، وأجواء تجعل الزائر يشعر بكرم الضيافة منذ اللحظة الأولى.

وفي صباح اليوم التالي، زرنا مجمع ومتحف النصب التذكاري للإبادة الجماعية الأرمنية في تسيتسرناكابيرد، وهو موقع يفرض على زائره لحظات من الصمت والتأمل، قبل أن نواصل الطريق نحو إقليم كوتايك، حيث يقف معبد غارني فوق مرتفع يطل على وادٍ سحيق، في واحد من أبرز المشاهد التاريخية والطبيعية في البلاد. وعلى مقربة منه، تكشف «سيمفونية الحجارة» عن أعمدة بازلتية سداسية الشكل مصطفة بدقة لافتة، في لوحة يصعب تصديق أن الطبيعة وحدها هي من رسمتها.

ولم تقتصر التجربة على مشاهدة المناظر الطبيعية، بل تضمنت قيادة الدراجات الرباعية فوق المسارات الجبلية، ثم زيارة ورشة تقليدية لمشاهدة إعداد خبز اللافاش داخل التنور الطيني، في تجربة عكست جانباً من الموروث الثقافي الأرمني. كما شكل دير غيغارد، المنحوت في قلب الجبل والمسجل ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، محطة مختلفة، حيث يمتزج الصمت بجمال العمارة المنحوتة في الصخر.

ومن هناك اتجهنا شمالاً إلى بحيرة سيفان، التي تبدو أشبه ببحرٍ تحيط به الجبال على ارتفاع يقارب ألفي متر فوق سطح البحر. وخلال جولة بالقارب الشراعي، بدت المياه الزرقاء والهواء البارد جزءاً من تجربة يصعب نسيانها. ثم قادتنا الطريق إلى ديليجان، التي يطلق عليها الأرمن «سويسرا أرمينيا» بفضل غاباتها وشوارعها الهادئة وطابعها الجبلي، قبل أن نصل إلى إقليم لوري، حيث قضينا ليلة وسط الطبيعة في فندق يطل على الجبال، أعقبها صباح هادئ استكشفنا خلاله المنطقة على ظهور الخيل، في واحدة من أكثر لحظات الرحلة سكينة.

أما غيومري، ثاني أكبر مدن أرمينيا، فقدمت وجهاً مختلفاً للبلاد؛ مدينة تحتفظ بعمارتها الحجرية وتاريخها، رغم ما مرت به من زلازل، وتشتهر بروح الدعابة التي تميز سكانها. وفي اليوم الأخير، زرنا إتشميادزين، مقر الكنيسة الرسولية الأرمنية، وكاتدرائية زفارتنوتس المدرجة على قائمة التراث العالمي، حيث تكشف هذه المواقع عن جانب مهم من التاريخ الديني والثقافي للبلاد.

ما خرجت به من هذه الرحلة أن أرمينيا تجمع في مساحة واحدة بين التاريخ والطبيعة والمغامرة. فهي تمنح عشاق الثقافة مواقع تاريخية مدرجة على قائمة اليونسكو، وتوفر لمحبي الأنشطة الخارجية تجارب مثل ركوب الخيل والإبحار وقيادة الدراجات الرباعية، كما تناسب العائلات بفضل قرب المسافات بين معالمها وكرم الضيافة الذي يرافق الزائر في كل محطة. ولم تكن أكثر ما علق في الذاكرة الآثار وحدها، بل أيضاً خبز اللافاش الخارج من التنور، وزرقة بحيرة سيفان، وهدوء لوري، وروح غيومري، والصمت الذي يلف دير غيغارد.

وللمسافرين من السعودية، أصبحت زيارة أرمينيا أكثر سهولة مع استمرار إعفاء المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول حتى الأول من يوليو 2027، وهو ما يجعلها وجهة قريبة ومناسبة، خاصة خلال أشهر الصيف، مع أهمية التحقق من أحدث شروط الدخول عبر الجهات الرسمية قبل السفر.