تغيرت لدينا بشكل جذري أنظمة وسياسات كثيرة، وتطورت جوانب لا حصر لها، وحدثت مبادرات جريئة للتحديث بما يناسب مقتضيات الزمن واحتياجاته التي تفرضها التحولات المتسارعة في كل مجتمعات العالم، لكن مجالاً واحداً استمر ساحة للجدل وتنازع الأفكار والتوجهات واختلاف الرؤى والقناعات، وذلك ما جعله حقلاً ملغوماً يحذر كل المسؤولين الذين تعاقبوا عليه من إحداث تغييرات جوهرية إيجابية ملموسة، ومن كانت لديهم الشجاعة والحماسة لمحاولة التغيير، حتى لو كان طفيفاً، واجهوا حرباً ضروساً ممن نصّبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع في كل شؤونه، وذاكرة المجتمع ما زالت تحتفظ بقصص التشويه والتصفية المعنوية للذين حاولوا التغيير.

واضح أننا نتحدث عن التعليم، والتعليم العام تحديداً الذي يمثل الأساس للفرد، والنواة لمستقبله. وهنا لا يمكننا التقليل من التطور الكبير في المنشآت التعليمية وانتشارها في كل مدينة وقرية في المملكة، وتزويدها بأحدث التقنيات حتى أصبحت المملكة من أكثر الدول في نسبة تغطية المدارس لمساحتها الجغرافية وعدد سكانها، ولكن مع هذا التطور والتسارع الكمّي لم نستطع تطوير فلسفة وسياسات وإستراتيجيات التعليم كما يجب، وبما يتسق مع متطلبات العصر واحتياجات العملية التعليمية بكل أطرافها التي تشترك في معادلتها.

السياسة العامة للتعليم لدينا صدرت عام 1389 هـ، أي قبل 59 عاماً، ومنذ ذلك الحين يضاف لها بعض التحسينات الطفيفة في جوانب محدودة، شكلية وتقنية، لا علاقة لها بالجوهر. كل تغيير كان يبتعد عن بحث المشاكل الحقيقية المزمنة وفرض حلول عملية لها رغم توفر كل الإمكانات. ولو بحثنا في ما كانت تنشره صحافتنا وتتحدث عنه وسائل الإعلام وما يتداوله المجتمع لوجدنا أن التعليم هو القضية الأبرز، الكل يطالب بعلاج جوانب القصور فيه لكن النتائج كانت دائماً أقل من التوقعات.

لكل ما سبق ذكره، وكثير غيره، استبشر المجتمع بصدور المرسوم الملكي بالموافقة على نظام التعليم العام الجديد، الذي يهدف إلى (تعزيز إطار حوكمة التعليم العام، وتوفير الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، وتمكينه من رفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030). صدور هذا النظام يمثل نقلة كبرى في التعليم طال انتظارها، ويعكس الوعي الكبير للدولة بأهميته التي تُبنى عليها كل الآمال والطموحات الوطنية. والأمل أن يكون التطوير في التعليم عملية ديناميكية مستمرة لأننا نعيش الآن في زمن سلاحه الأقوى العلم والتعليم.