ثمة هزائم لا تنتهي مع صافرة الحكم، بل تبدأ بعدها، هكذا بدا خروج المنتخب السعودي من كأس العالم، خروجًا رياضيًا حمل خيبة حلمٍ كان يتجاوز نتيجة مباراة، ويمس سؤالًا أكبر: ماذا كان يمكن أن نقول للعالم لو بقينا أكثر؟


خرجت السعودية من دور المجموعات بعد تعادلها مع الأوروغواي، وخسارتها أمام إسبانيا، ثم تعادلها السلبي مع الرأس الأخضر، لتنهي مشوارها بنقطتين فقط، وفي الجهة الأخرى من الحكاية، كان منتخب الرأس الأسود ينهض من تحت الرماد ويولد بين الكبار، فيما كتبت النرويج فصلًا معاكسًا تمامًا: منتخب صغير في التاريخ المونديالي، عرف كيف يحوّل لحظة الانتصار إلى أسطورة وطنية، سجّل هالاند هدفي الفوز على البرازيل، وقاد بلاده إلى ربع النهائي لأول مرة، فيما تحوّل احتفال «تجديف الفايكنغ» و«إيقاع رو» إلى صورة عابرة للحدود، كأن النرويج قدّمت تاريخها للعالم في لقطة واحدة.


هنا لا تبدو كرة القدم مجرد كرة، حيث نستحضر مقولة الصحفي والكاتب البرازيلي نيلسون رودريغيز عن منتخب بلاده: «البرازيل هو الوطن منتعلًا حذاء»، بوصف المنتخب رمزًا وطنيًا وصورة ذهنية خالدة لدى الشعب البرازيلي. زرت عددًا من دول الفايكنغ، منها السويد والدنمارك مهد إمبراطورية الفايكنغ، حيث تحضر مجسمات الفايكنغ والأساطير الإسكندنافية هيئة الأقزام «التروّل»، تلك الكائنات ذات الطابع الغرائبي والأخلاقي المتلبس، التي يحملها السائحون كتذكار من تاريخ تلك البلاد.


أما اليوم، فقد قلبت النرويج المشهد، وأصبح الفايكنغ مصدر اعتزاز بعد أن عُرف طويلًا في الذاكرة التاريخية بصورة المحارب الهمجي، إذ لم تحتفل النرويج بهدفين في مرمى البرازيل فحسب، بل احتفلت بسردية كاملة: وهي صورة البطل الواحد الجالس في قلب المشهد، الهداف إيرلينغ هالاند الذي ظهر امتدادًا لذاكرة قديمة، بقدمين تسجلان في الحاضر، وأذرع الجماهير تجدف في التاريخ.


وهنا يطل السؤال المؤلم: ماذا لو كانت السعودية مكان النرويج؟ ماذا لو عبر المنتخب السعودي إلى الأدوار المتقدمة؟ ماذا لو امتلكنا تلك اللحظة التي تشرح نفسها بالصورة قبل الكلمات؟ كيف كان سيبدو الاحتفال السعودي في ملاعب العالم؟!


ربما كان الاحتفال السعودي سيولد من قلب الهوية: صفوف خضراء في منتصف الملعب، لاعبون يتقابلون لبدء العرضة، راية تُغرس في الوسط، وخطوة جماعية تضرب العشب كما تضرب الطبول ذاكرة المكان، أيدٍ مرفوعة كرمز، ومشهد يقول للعالم إن هذا الانتصار يحتفل به وطن كامل كما جدّف النرويجيون بتاريخ الفايكنغ. كان يمكن أن تكون للسعودية لحظتها الخاصة، المشهد الذي كان يمكن أن يحدث، ضياع لقطة كانت ستنتقل من المدرجات إلى الشاشات، ومن الشاشات إلى الذاكرة العالمية، لقطة تقول إن السعودية تأتي إلى كأس العالم بتاريخها، وإيقاعها، ورايتها، وصوتٍ يعرفه أبناؤها قبل أن يشهده العالم.


لقد علّمتنا النرويج أن المنتخب حين يفوز لا يرفع النتيجة وحدها، بل يرفع إرث بلاده، وأن الاحتفال الذكي قد يصبح أحيانًا أقوى من الهدف نفسه، لذلك تبدو الحسرة السعودية أكبر، لأننا خسرنا فرصة أن نرى العالم يصفق لصورة سعودية خالصة، تبدأ من العرضة، وتمر بالراية، وتنتهي بمدرجات تردد إيقاعًا واحدًا: «نحمد الله جت على ما نتمنى»، ربما سيأتي ذلك اليوم؛ يوم لا نسأل فيه: كيف احتفلت النرويج بالفايكنغ؟ بل يسأل العالم: كيف جعلت السعودية من العرضة لغة عالمية للنصر، قُرعت طبولها على براميل النفط.