ردّت مصر على ما نشرته صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية بشأن مشروع محطة الضبعة النووية، مؤكدة أن ما ورد في التقرير من مزاعم حول وجود مشكلات فنية أو ملاحظات تتعلق بالسلامة لا يعكس حقيقة الإجراءات الفنية والرقابية المطبقة داخل المشروع.
وأكدت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، في بيان صدر مساء اليوم (الإثنين)، أن مشروع الضبعة يخضع لمنظومة رقابية متعددة المستويات، بإشراف الجهات المصرية المختصة وبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافضة ما وصفته بـ«الصورة غير الدقيقة وغير المتوازنة» التي قدمها التقرير.
رد مصري - روسي
وأوضحت الهيئة أن الصحفي الذي أعد تقرير «بوليتيكو» أرسل طلباً للتعليق إلى الهيئة والمقاول العام الروسي قبل نشر المادة، مشيرة إلى أن مراجعة محتوى التقرير أظهرت، من وجهة نظرها، افتقاره إلى التوازن والموضوعية.
وأضافت أن الجانب الروسي قدم رداً مفصلاً استند إلى ما وصفته بالحقائق للرد على الادعاءات الواردة في التقرير.
وتُنفذ محطة الضبعة بموجب الاتفاقيات الحكومية الموقعة بين مصر وروسيا، وعقد الهندسة والإنشاء والتوريد (EPC) المبرم مع هيئة المحطات النووية، فيما تخضع الأعمال لرقابة الجهات المختصة، وفي مقدمتها هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية.
25 ألف متخصص
وأكدت الهيئة أن الضبعة تُعد حالياً أكبر مشروع لبناء محطة طاقة نووية في العالم، لافتة إلى أن حجم المشروع وتعقيد أعماله الهندسية يستلزمان تطبيق منظومة دقيقة لمراقبة الجودة.
ويشارك في تنفيذ المشروع نحو 25 ألف متخصص من المقاول العام والشركات والمقاولين من الباطن ومعاهد التصميم وأجهزة الرقابة الحكومية.
وشددت على أن ظهور ملاحظات فنية أو حالات عدم مطابقة خلال تنفيذ مشروع بهذا الحجم أمر وارد وطبيعي، موضحة أن جميع الملاحظات تخضع لإجراءات تصحيحية وفحوص مستمرة، ولا تُعتمد أي مرحلة إنشائية قبل استكمال المعالجة الفنية والاختبارات اللازمة.
وأشارت إلى تطبيق إجراءات «عدم المطابقة» (NCRs) للتعامل المبكر مع أي ملاحظات هندسية، خصوصاً المتعلقة بأعمال الخرسانة.
منظومة صارمة للسلامة
ورداً على ما أثير بشأن السلامة، أكدت الهيئة أن تقييم السلامة في المشاريع النووية لا يستند إلى المشاهدة البصرية أو التقديرات الشخصية، وإنما إلى منظومة متكاملة تشمل تقييم المخاطر، وتصاريح العمل، وخطط الرفع، واعتماد المعدات، والإشراف الرقابي المستمر.
كما أكدت تطبيق نظام شامل للسلامة الصناعية والصحة المهنية وثقافة السلامة وجودة البناء، مع توثيق الأحداث التي تستوجب التسجيل وفق الإجراءات المعتمدة.
وتشمل منظومة الأمن داخل الموقع قواعد مشددة لتنظيم حركة الأفراد والمركبات، والتعامل الفوري مع أي محاولات لتجاوز تصاريح الدخول أو التصوير غير المصرح به أو إدخال مواد مخالفة للتعليمات.
إشادة الوكالة الذرية
واستندت الهيئة إلى عدد من التقييمات الدولية للتأكيد على سلامة الإطار الرقابي للمشروع، مشيرة إلى بعثة المراجعة المتكاملة للبنية التحتية النووية «INIR 2019» التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي أشادت بجاهزية مصر وبنيتها المؤسسية لتنفيذ برنامجها النووي.
كما استشهدت بتصريحات المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، خلال فعاليات تركيب أوعية ضغط المفاعلات في الوحدتين الأولى والثانية، التي أكد خلالها أهمية القدرات المؤسسية في مجالات السلامة والأمن والضمانات، وأشاد بالتعاون بين مصر والوكالة.
وفي يونيو 2026، أنهت بعثة المراجعة التنظيمية المتكاملة «IRRS» التابعة للوكالة أعمالها في مصر، بعد مراجعة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية وموقع محطة الضبعة.
وبحسب الهيئة، خلصت البعثة إلى امتلاك مصر إطاراً تنظيمياً ورقابياً شاملاً لأمان المنشآت النووية والإشعاعية، وأشادت بجاهزية وكفاءة الجهة الرقابية الوطنية في الإشراف على أعمال المشروع.
معدات رئيسية تصل إلى الضبعة
وفي مؤشر على استمرار تقدم الأعمال، أعلنت الهيئة وصول معدات طويلة الأجل إلى موقع الضبعة، من بينها أربعة مولدات بخار للوحدة النووية الأولى، إلى جانب مثبت الضغط «Pressurizer»، مع الاستعداد لبدء تركيب هذه المعدات الرئيسية قبل نهاية العام الجاري.
وأكدت أن أعمال الإنشاء مستمرة وفق البرنامج المحدد وتحت رقابة هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
مفاعلات الجيل الثالث
وتعتمد محطة الضبعة على مفاعلات من الجيل الثالث المطور «Generation III+»، التي تقول الهيئة إنها من أحدث تقنيات الأمان والكفاءة التشغيلية.
ويقوم التصميم على مفهوم «الدفاع في العمق»، عبر حواجز متعددة وأنظمة أمان سلبية يمكنها العمل اعتماداً على ظواهر طبيعية، من بينها الجاذبية، دون الاعتماد على الكهرباء في بعض وظائف الأمان.
ويتضمن التصميم الروسي كذلك «ماسك قلب المفاعل» (Core Catcher) لاحتواء قلب المفاعل والمواد عالية النشاط الإشعاعي في حال وقوع حادث شديد، إضافة إلى وعاء احتواء مزدوج الجدران مصمم، وفق الهيئة، لتحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة يصل وزنها إلى 400 طن وبسرعة 150 متراً في الثانية.
كما صُممت المحطة لمقاومة الزلازل والتسونامي والأعاصير والرياح.
إنجازات متواصلة
وشهد المشروع خلال الفترة الأخيرة عدداً من المراحل الرئيسية، كان أبرزها تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى في نوفمبر 2025، ثم الوحدة الثانية في يوليو 2026، بحضور مسؤولين مصريين وروس وشخصيات دولية معنية بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وفي ختام ردها، دعت هيئة المحطات النووية إلى التمييز بين المعلومات الفنية المؤكدة والادعاءات غير الموثقة، مؤكدة أن تقييم سلامة مشروع نووي بهذا الحجم لا يمكن أن يستند إلى انطباعات أو معلومات مجتزأة، وإنما إلى منظومة فنية ورقابية متكاملة تخضع لها جميع مراحل التنفيذ.

