عندما يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب متوعداً بضرب إيران بقوة، ويرد الحرس الثوري بصواريخ باليستية تستهدف دول المنطقة، يتبادر إلى الأذهان سؤال واحد: هل انزلق الإقليم أخيراً نحو مواجهة شاملة ومفتوحة؟ أم أن ما نشهده ليس سوى الفصل الأكثر خطورة من فرض شروط اللحظات الأخيرة؟

التدقيق في كواليس هذا الصدام يضعنا أمام فرضية تعيد قراءة المشهد كأعلى درجات الخداع الإستراتيجي بالذخيرة الحية.

فالمواجهة العسكرية الراهنة، الممتدة من غارة الضاحية الجنوبية لبيروت إلى بنك الأهداف في جاسك وبندر عباس وقشم، قد لا تكون مقدمة للانفجار الكبير، بل هي «الدخان الكثيف» والمطلوب بشدة لإخفاء اللمسات الأخيرة على صفقة تاريخية كبرى يبدو أنها بلغت مراحلها الأكثر حساسية خلف الستار، خصوصاً أن المؤشرات المتراكمة توحي بأن الأسابيع القادمة قد تحمل لحظة الحسم المنتظرة. فكيف يقصفون بعضهم بعضاً بينما تنضج «الطبخة السرية» في الكواليس؟

ترمب وإيران: الحاجة المشتركة للاستعراض

تصعيد الساعات الماضية يكمن في أن الطرفين، واشنطن وطهران، بحاجة ماسة إلى هذا الضجيج العسكري قبل التوقيع النهائي. إدارة ترمب المحكومة بحسابات سياسية وعسكرية دقيقة، وازنت بين رغبته في تجنّب الحروب المفتوحة وبين حتمية الرد لردع الاستهدافات الأخيرة، وهنا رَجَحَت كفة الضغوط المقنعة التي قادها وزير الخارجية ماركو روبيو، مدعوماً بوزير الحرب ورئيس الأركان، لحسم الموقف نحو خيار الرد القوي والمتناسب. فالقصف الأمريكي لا يهدف إلى تدمير إيران بل إلى صناعة مشهد «المنتصر» وحرمان طهران من تحصيل أي أفضلية تفاوضية.

في المقابل، تتحرك القيادة الإيرانية في مضيق هرمز تحت ضغط اقتصادي ثقيل وحسابات سياسية شديدة التعقيد، لكنها تدرك أن التنازل عن الملف النووي أو القبول بقيود أوسع على أدوار الأذرع الإقليمية، والاعتراف بترتيبات السلام الجارية برعاية أمريكية (كما يحدث في لبنان حالياً)، هو تجرع لكأس سمّ سياسي لا يمكن تسويقه داخلياً دون مبرر ضخم. لذلك، بدا إسقاط طائرة الأباتشي، إذا ما استقرت الرواية النهائية على مسؤولية الحرس الثوري عنه، أقرب إلى مشهد تحتاجه طهران داخلياً لتقول لجمهورها إنها قاومت حتى اللحظة الأخيرة.

حروب التبرير الدبلوماسي

تكشف الجغرافيا البحرية للحادثة الأخيرة عن أبعاد بالغة الحساسية، فسقوط مروحية الأباتشي قبالة سواحل سلطنة عُمان عزّز الاتهام الأمريكي لطهران بأن الهجوم كان متعمّداً ومخططاً له. ورغم نجاح القوات الأمريكية في تنفيذ أول عملية إنقاذ بحري، فإن الخوف الإيراني من العواقب دفع وزير خارجيتها عباس عراقجي إلى بذل جهود مكثفة للتخفيف من وطأة الحادثة، حيث سارع إلى تبريرها دون أن يغفل لغة القوة حين أشار إلى أن مضيق هرمز ليس مياهاً دولية بل معبراً مشتركاً بين بلاده وسلطنة عُمان، في محاولة لنزع الشرعية عن الوجود الأمريكي هناك، مؤكداً أن طهران التي تفضل الدبلوماسية تجيد أيضاً التحدث بلغات أخرى. وهذا التناقض الدبلوماسي يعكس بدقة رغبة إيران في توسيع هامش المخاطرة لتعويض الاختلال الحاد في ميزان القوى، مراهنة على أن ترمب مقيد بخشيته من حرب مفتوحة ترفع أسعار الطاقة وتربك ترتيباته الداخلية.

الأسواق وفصل المسارات خلف الستار

بينما تنشغل الشاشات بعدد الصواريخ الإيرانية التي جرى اعتراضها فوق دول الخليج، وتتحرك أسواق النفط لتتجاوز أسعار البرميل حاجز الـ100 دولار، تدير القنوات الخلفية الباكستانية والعُمانية اللجان التقنية المشتركة بهدوء تام لتفكيك القضايا الشائكة المعلقة. ما تسرب لشبكة «بوليتيكو» من أروقة البيت الأبيض حول عقلية «فصل المسارات» يعري اللعبة بالكامل، فالرد العسكري والمفاوضات خطان منفصلان يمكن أن يسيرا معاً في وقت واحد.

القصف المتبادل هو «أداة تسعير» يرفع فيها كل طرف سقف مكتسباته قبل التوقيع النهائي، وحقيقة الأمر أن الطرفين يتبادلان لكمات مدروسة بعناية فائقة وتحت سقف مرسوم يمنع انزلاق المنطقة إلى نقطة اللاعودة التي تؤذي مصالح واشنطن أو تخنق ما تبقى من قدرة طهران على البقاء، بدليل أن الرد الإيراني الأخير جرى استيعابه واحتواؤه بسرعة دون إحداث أضرار استراتيجية تغير مسار التفاوض البارد.

ملامح الشرق الأوسط الجديد

هذا التصعيد المحكوم بالوعيد اليومي يمثل الإعلان الفعلي عن نهاية الشرق الأوسط القديم وولادة واقع بنيوي مختلف يكسر المعادلات السابقة بالكامل.

الجولة العسكرية الأخيرة قد تكون الممر الذي يحتاجه ترمب لتسويق أي صفقة تاريخية قادمة، كما قد تمنح طهران فرصة لالتقاط ما يكفي من أوراق القوة لحفظ ماء وجهها الإقليمي قبل الدخول في مرحلة جديدة.

المشهد يتجه بسرعة نحو إغلاق الحسابات المعلقة، وأياً كانت التفاصيل التقنية للاتفاق المرتقب، فإن عواصف البارود الراهنة ليست سوى المخاض الدامي لترتيبات إقليمية جديدة يُعاد فيها رسم حدود النفوذ، وتأمين الممرات المائية، وضبط هوية المرحلة القادمة بالحديد والنار في ربع الساعة الأخير.