تحول مشهد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في «الساعة الأخيرة» عن توجيه ضربة عسكرية لإيران إلى جزء روتيني من ديناميكية التفاوض تحت النار التي تحكم علاقة الطرفين. وبالتالي، فإن السؤال الذي يشغل المراقبين اليوم ليس «لماذا تراجع ترمب تحت الضغط العربي الثلاثاء الماضي؟، بل ما الذي سيحدث عندما تنتهي مهلة الأيام القليلة التي منحها الأربعاء لرد طهران، وقبل أن تبدأ مهلة الـ30 يوماً التي تقترحها مسودة الوسطاء؟».

المؤشرات الحالية تكشف أننا أمام اصطدام حتمي بين إستراتيجيتين عسكريتين واقتصاديتين وصلتا إلى خط النهاية. الـ30 يوماً المطروحة في المسودة الباكستانية هي نافذة أمان مؤقتة تسابق الانفجار، في ظل تمسُّك كل طرف بأوراق قوته الأخيرة.

هرمز بين القانون والقوة

التحول الأبرز في السلوك الإيراني تمثَّل في الإعلان السريع لوزارة الخارجية عن آلية جديدة في مضيق هرمز بالتنسيق مع هيئات دولية متخصصة. طهران، التي تدرس الرد الأمريكي المنقول عبر إسلام آباد، تسعى لفرض أمر واقع ميداني قبل الجلوس إلى أي طاولة.

هذه الآلية الجديدة تعني انتقال إيران من التهديد التقليدي بإغلاق المضيق عسكرياً، إلى إستراتيجية السيادة الجبائية والتحكم القانوني، بحيث تحاول شرعنة فرض رسوم، أو تفتيش، أو قيود ملاحة كأداة ضغط اقتصادي مقنن يوازي سلاح العقوبات النفطية الأمريكية. والهدف الإيراني واضح: تجريد واشنطن من تفوقها العقابي المطلق عبر خنق شريان الطاقة العالمي بالقانون الدولي لإجبار الأسواق والبيت الأبيض على القبول بمهلة الـ30 يوماً دون شروط مسبقة.

الضربة المؤجلة

في المقابل، يدرك ترمب هذه اللعبة جيداً، لذا جاءت تصريحاته الأربعاء الماضي حاسمة وقاطعة: «الاتفاق أولاً ثم رفع العقوبات». واشنطن ترفض منح أي إعفاءات نفطية مسبقة، وتريد انتزاع التزام إيراني مكتوب ومبدئي في غضون أيام قليلة (ما سماه الإجابات الصحيحة) كشرط أساسي للسماح ببدء مفاوضات المسودة الباكستانية.

إذا جاء الرد الإيراني مخيباً للشروط الأمريكية، فإن الخيار العسكري لن يكون حرباً شاملة، بل ضربات جراحية محدودة وموجهة، تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية أو خطوط الملاحة لكسر الآلية الجديدة في هرمز قبل تثبيتها، فالعواصم الإقليمية تخشى استهداف منشآتها في أي رد فعل إيراني عشوائي، وبالتالي فإن أي تحرك عسكري أمريكي سيكون منضبطاً بدقة لعدم تفجير كامل المنطقة، مع الحفاظ على خطوط الرجعة الدبلوماسية.

كواليس المسار الباكستاني

هنا يبرز مجدداً دور الوسيط الباكستاني الذي يتحرك بين عاصمتين مثقلتين بالشروط، إسلام آباد بتقاطعها النووي وحدودها المشتركة وعلاقاتها العميقة مع الخليج وواشنطن، لا تقدم حلولاً سياسية عاطفية، بل تبحث عن ضمانات أمنية متبادلة لتأمين الـ30 يوماً.

ما يحدث خلف الكواليس الآن هو محاولة صياغة معادلة خفض تصعيد ميداني مؤقت، حيث تضغط باكستان لإقناع طهران بتأجيل تفعيل آلية هرمز الجديدة، مقابل إقناع واشنطن بمنح إعفاءات نفطية محدودة جداً لشركاء محددين (مثل الهند أو الصين) طوال فترة المفاوضات لضمان جدية المسار.السيناريوهات المرتقبة

بناءً على هذا التقاطع المعقّد، تتجه الأزمة نحو قبول الطرفين بصيغة إعلان نوايا غامض، يتيح هذا السيناريو لترمب الادعاء بأنه حصل على الإجابة الصحيحة التي تضمن تفوقه العقابي، بينما يمنح إيران فرصة التقاط الأنفاس وفتح ممر الـ30 يوماً التفاوضي لتفكيك العقوبات تدريجياً، أو تمسُّك طهران بآلية هرمز واعتبارها خطاً أحمر، ومقابلة واشنطن ذلك برفض قاطع ومباشر.

وهذا سيعني انتقال المواجهة فوراً من أروقة الدبلوماسية الباكستانية إلى مياه الخليج عبر حرب ظل بحرية وتبادل الضربات، دون الانزلاق إلى الحرب الشاملة التي لا يريدها أحد.

إنهاك بسبق أي تسوية

الطرفان وصلا إلى نقطة إنهاك متبادل للأوراق التقليدية؛ الولايات المتحدة استنفدت قدرة العقوبات على الإخضاع، وإيران استنفدت قدرة التهديد العسكري التقليدي على الردع، والوقوف عند هذه النقطة بات مكلفاً للجميع.

فإما أن ينتج هذا الإنهاك مخرجاً دبلوماسياً اضطرارياً يبدأ بتجميد متبادل للشروط المسبقة، أو أن الطرفين سيذهبان نحو صدام يهدف ببساطة إلى اختبار قدرة كل طرف على تحمّل الضربات، قبل العودة الحتمية إلى طاولة الوساطة الباكستانية بشروط أقل تعنتاً.