على وقع مساع حثيثة تقودها باكستان ودول إقليمية لإيجاد «مخارج آمنة» للتهدئة، والإعلان الأمريكي عن تعليق مشروع الحرية مؤقتاً، دخلت المنطقة مرحلة «الاختبار العسير»، حيث تُوضع الهدنة في ميزان الأفعال لا الأقوال، لتحديد مصير التفاهمات الهشة التي راهن الكثيرون على صمودها كستارٍ واق في وجه العواصف الإقليمية.

فما نشهده اليوم هو إعلان صريح عن انتهاء مفعول المسكنات السياسية، والبدء في جراحة دبلوماسية دقيقة ومعقدة.


هرمز.. ساحة الرسائل المشفرة


المشهد في المضيق اليوم يعكس حالة من «الانفجار المنضبط». فإيران بفرضها قواعد اشتباك جديدة تعتمد على مبدأ السيادة الكاملة أو الإغلاق الجزئي للممر الملاحي، لم تكن تتحرك في فراغ، بل كانت تبعث برسالة مشفرة تسبق القمة الصينية-الأمريكية المرتقبة منتصف مايو. والرسالة الإيرانية واضحة: لا يمكن استبعاد طهران من أي معادلة استقرار إقليمي دائم، وأن أي هدنة لا تضمن رفعاً فعلياً وملموساً للضغوط الاقتصادية عنها، ستظل هدنة قلقة و«تحت رحمة الأمواج».


هذا الضغط الميداني الإيراني قوبل بمرونة أمريكية مفاجئة عبر منصة «تروث سوشيال»، إذ أعلن الرئيس دونالد ترمب تعليق العمل بـ«مشروع الحرية» مؤقتاً، استجابة لطلب باكستان، في خطوة تعكس ما يشبه استراحة محارب تكتيكية لاختبار نوايا طهران حيال التوصل إلى اتفاق شامل، غير أن هذه الإشارة رغم أهميتها لا تعني تحولاً إستراتيجياً كاملاً في الموقف الأمريكي، بقدر ما تفتح «نافذة فرصة محدودة» ضمن سياق ضغط مستمر، خصوصا مع بقاء الحصار قائماً بالكامل. وهو ما يبقي الهدنة في موقع هش، ويجعل من جولة «إسلام آباد 2» المتأخرة المسار الإلزامي لتفادي انزلاق أوسع.


الاقتصاد السياسي والرهانات الكبرى


معركة هرمز ليست بمعزل عن لغة الأرقام. فحين تتأرجح أسعار النفط فوق حاجز الـ100 دولار، وتتضاعف تكاليف التأمين البحري والشحن، تتحول الهدنة من ترف سياسي إلى مطلب اقتصادي ملح للمجتمع الدولي. الدول العربية الواقعة على ضفتي الممر، تجد نفسها اليوم في عين العاصفة. فالاستقرار الذي تحتاجه الرؤى الاقتصادية الطموحة يتناقض جذرياً مع حالة «العسكرة» القائمة في أهم شريان للطاقة في العالم.


في هذا السياق، كشف «اختبار هرمز» عورة ما يسمى بـ«الاعتماد المتبادل». الصين، التي تعتمد بشكل شبه كلي على انسيابية هذا الممر، لم تعد قادرة على ممارسة دور «المتفرج الإستراتيجي» أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية الناعمة. والحراك الصيني يشير إلى أن بكين تدرك جيداً أن سقوط الهدنة في هرمز يعني تعطلاً قسرياً لطريق الحرير، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن التنين الصيني مستعد لدفعه، خصوصا في ظل ملفات شائكة ومعقدة أخرى تخوضها مع الإدارة الأمريكية. وهذا يفسر سر الضغوط الصينية المتزايدة، بالتنسيق مع الجانب الباكستاني، للدفع نحو انعقاد «إسلام آباد 2».


باب المندب.. الجبهة الموازية


صورة الاختبار العسير لا تكتمل دون النظر إلى باب المندب. فالتزامن الدقيق بين التصعيد في هرمز والتحركات الميدانية المتوترة في البحر الأحمر يؤكد فرضية «الجغرافيا السياسية الموحدة». الهدنة في اليمن باتت اليوم رهينة بشكل مباشر لما قد تسفر عنه المواجهات في الخليج. إن استخدام «أمن الممرات المائية» كأداة ضغط سياسي وميداني في الملفات الإقليمية يفرغ أي اتفاق بري من محتواه، ويجعل من استقرار المنطقة كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة أو المقايضة المنفردة.


هذا الترابط العضوي يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة مفادها بأن أي هدنة لا تشمل بشكل صريح «أمن الممرات المائية» هي هدنة منقوصة ومحكوم عليها بالفشل عند أول اختبار حقيقي. فالتطورات الأخيرة أثبتت أن محاولات عزل الصراعات البرية عن التوترات البحرية كانت وهم سياسي. فالبحر أضحى اليوم الأداة الأقوى للفصل والمقايضة السياسية القاسية، حيث تُستخدم الجغرافيا كبديل عن طاولة المفاوضات التي لم تفتح أبوابها بالكامل بعد.


ما وراء الأزمة: هل من مخرج حقيقي؟


إن الخروج من نفق هذا «الاختبار العسير» يتطلب اليوم اعترافاً دولياً صريحاً بأن أمن الطاقة العالمي لا يمكن أن يظل رهينة لتقلبات المزاج السياسي في عواصم القرار الدولية. ومعركة هرمز تضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الشروع الجدي في صياغة «ميثاق بحري إقليمي» شامل يضمن حرية الملاحة للجميع بعيداً عن سياسات الاستقطاب والمحاور، أو القبول بواقع «الاستنزاف الدائم» الذي سيحول هذه المضائق إلى بؤر دائمة للتوتر والنزاع المسلح.


العيون الآن شاخصة نحو مياه الخليج، والآمال معلقة على ما قد تنتجه «الفرصة المحدودة» التي لوح بها منشور ترمب. فهل تنجح الدبلوماسية في تبريد فوهات المدافع قبل فوات الأوان؟ أم أن «الاختبار العسير» سينتهي بسقوط مدوٍ للهدنة وبدء فصل جديد من المواجهة التي لن يخرج منها أحد منتصراً؟


الإجابة قد لا تأتي من التصريحات الرسمية، بل من سلاسة حركة الملاحة في الأيام القادمة، وفي مياه هرمز، سيكتب فصل النهاية لهذه الأزمة.