هدنة الأيام العشرة في لبنان، كما أُعلن عنها عقب سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (الخميس) مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحمل أكثر من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، إذ تفتح نافذة سياسية ضيّقة أمام مرحلة مختلفة، لكنها محفوفة بالحذر والشكوك.

من حيث الشكل، تبدو الخطوة سريعة ومباشرة: اتصال برعاية أمريكية يفضي إلى اتفاق على وقف النار لمدة محددة في لبنان، لكن الإيقاع السريع هنا لا يعكس بالضرورة عمق التفاهم، بل ربما يشير إلى حاجة عاجلة لاحتواء التصعيد أكثر مما يعكس نضوج تسوية سياسية.

مساحة تنفس

في القراءة السياسية، هذه الهدنة تشبه «مساحة تنفّس» أكثر منها محطة حسم، كل طرف دخلها وهو يحمل حساباته الخاصة. بالنسبة للبنان، كما يظهر في موقف رئاسة الجمهورية وكلام رئيس الحكومة نواف سلام، الأولوية واضحة: وقف النار، تخفيف الكلفة الإنسانية، وفتح الباب أمام استقرار أطول. الخطاب الرسمي يتجنّب التصعيد، ويركّز على تحويل هذه اللحظة إلى فرصة ولو محدودة.

في المقابل، يصعب تجاهل أن إسرائيل غالباً ما تتعامل مع مثل هذه الهدن كأدوات تكتيكية. عشرة أيام قد تكون كافية لإعادة ترتيب الميدان، أو اختبار الطرف الآخر، أو حتى امتصاص ضغوط دولية متزايدة، لذلك، لا يمكن فصل هذه الهدنة عن السياق الأوسع، حيث تبقى احتمالات العودة إلى العمليات قائمة في أي لحظة، خصوصاً أن نتنياهو قالها بوضوح: «القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان».

اختراق سياسي

أما الدور الأمريكي فيبدو حاسماً في التوقيت لكنه لا يزال غامضاً في العمق، تدخل ترمب السريع يوحي برغبة في تسجيل اختراق سياسي، وربما فرض مسار تفاوضي لاحق، لكن الفارق كبير بين إعلان هدنة قصيرة وبين ضمان مسار مستقر، التجارب السابقة تظهر أن الضغط الأمريكي قادر على إطلاق التهدئة لكنه لا يكفي وحده للحفاظ عليها.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يجري فعلياً خلال هذه الأيام العشرة؟

عادة، مثل هذه الفترات تتحوّل إلى ما يشبه «مرحلة جس نبض»، يتم خلالها اختبار الالتزام، رصد الخروقات، ومحاولة بناء حد أدنى من الثقة. في الوقت نفسه، تتحرك القنوات الدبلوماسية بعيداً عن الأضواء، بحثاً عن أرضية يمكن البناء عليها، لكن نجاح هذه المرحلة مرتبط بعامل أساسي: غياب الاستفزازات الميدانية الكبيرة وهو أمر قد يكون غير مضمون.

اتجاهات ما بعد الهدنة

مع اقتراب نهاية المهلة، تتبلور ثلاثة اتجاهات محتملة؛ الأول، تمديد الهدنة. وهذا الخيار يصبح مرجحاً إذا تبيّن أن جميع الأطراف استفادت من التهدئة، أو على الأقل لم تخسر منها. والتمديد هنا قد يترافق مع إدخال ترتيبات إضافية مثل آليات مراقبة أو تفاهمات غير معلنة.

الثاني، العودة إلى التصعيد، وهو احتمال قائم بقوة، لأن جذور الأزمة لم تُعالج، أي خرق، حتى لو كان محدوداً، قد يتحوّل إلى نقطة اشتعال، وفي غياب اتفاق واضح على قواعد الاشتباك تبقى الساحة مفتوحة على الانزلاق السريع.

الثالث، فتح مسار تفاوضي أوسع، وهذا السيناريو يحتاج إلى قرار سياسي أكبر من مجرد هدنة، ويتطلب استعداداً لتقديم تنازلات، وهو ما لا تظهر مؤشراته بوضوح حتى الآن، فالحديث عن «السلام» في التصريحات يبدو أقرب إلى سقف سياسي مرتفع منه إلى خطة قابلة للتنفيذ في المدى القريب.

في الداخل اللبناني، تحمل الهدنة دلالات إضافية، فهي تمنح الدولة فرصة لالتقاط أنفاسها، وتخفيف الضغط على كافة المستويات، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام اختبار دقيق: هل تستطيع استثمار هذا الهدوء المؤقت لتعزيز موقعها، أم أن دورها سيبقى محصوراً في إدارة تداعيات الأزمات؟

اللافت في موقف رئيس الحكومة نواف سلام أنه قدّم الهدنة كإنجاز وطني، وربطها مباشرة بمعاناة اللبنانيين، هذا الخطاب يعكس محاولة لإعادة توجيه النقاش نحو الأولويات الداخلية: الأمن، الاستقرار، وعودة النازحين. لكنه أيضاً يرفع سقف التوقعات، ما يجعل أي انتكاسة لاحقة أكثر وقعاً.

الأيام العشرة ليست فاصلة حاسمة، بل مرحلة اختبار مكثفة، ما سيحدد مسارها ليس فقط ما أُعلن، بل ما سيجري خلف الكواليس، ومدى قدرة الأطراف على ضبط الميدان. إن نجحت، قد تتحوّل إلى مدخل لتهدئة أطول، وإن فشلت، ستُسجَّل كاستراحة قصيرة في مسار متقلب، والأنظار تتجه منذ اللحظة إلى ما بعد اليوم العاشر، حيث تبدأ الحسابات الحقيقية.