دلّال في مهرجان بريدة للتمور
دلّال في مهرجان بريدة للتمور
جانب من مهرجان بريدة للتمور
جانب من مهرجان بريدة للتمور
-A +A
سلمان الضباح (بريدة)

أثبت مهرجان بريدة للتمور موسم 1441هـ، صحة نظرية العشق والجمال عند الشاعر الأموي العباسي المخضرم بشار بن برد، الذي جعل من موسيقية الصوت وذائقة السمع المصدر الأول قبل النظر في تحديد مفهوم الجمال ومن ثم الوقوع في العشق، وهو الأمر الذي حققه مسوقو التمور في ساحات البيع والشراء بمدينة التمور في بريدة.

فحينما تغنى الشاعر الأعمى بشار بن برد بمحبوبته في قصيدته المشهورة التي جاء فيها «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانًا»؛ بعد أن أعجب بصوتها وعذوبة منطوقها، ظل هذا الابتداع العاطفي عند بشار مثال اختلاف بين النقاد وعلماء النفس، بين مؤيد ورافض لمثل هذا المقياس، الذي يخص تحديد مفاتيح الجمال، ليجيء مهرجان بريدة للتمور لعام 1441هـ، ومن خلال «الدلالين» في ساحة بيع التمور، ليعزز من نظرية بشار الفريدة.

الدلالون، هم أولئك الذين يقومون بالدلالة على البضاعة، وتعريف المشتري بها، والنداء لها لشرائها، وهم في مهرجان بريدة للتمور من أبرز المظاهر التسويقية التي يتميز بها السوق، على غيره من الأسواق على مستوى العالم في عدد يتجاوز 400 دلال، يعتلون المركبات التي ترد إلى السوق فجر كل يوم، صادحين ومرددين في مزاداتهم الهتافات التي تدعو للشراء وترغب في السلعة.

تجاوز مهرجان تمور بريدة «التقليدية» في البيع والشراء، التي تمتاز بمعادلة الأرقام المنطقية الصريحة، وغير القابلة للتأويل أو للخيال؛ ليضيف الكثير من مظاهر الجذب والحث على التواجد، ويرسم كرنفالا سياحيا بمعنى الكلمة، حينما تجد فيه التعدد والتنوع، ما بين زيارة البحث عن القيمة الغذائية من حيث اقتناء وشراء التمور، وبين الاستثمار المالي والاقتصادي من خلال حركة التداول والبيع والشراء، إلى ما هو أعم من ذلك وأشمل، ليأتي بوجه آخر يخطو خطى الزيارة السياحية والترفيهية، التي تعود بالزائر إلى أقدم مظهر عرفته البشرية في طرق البيع والشراء، الذي يقوم على «المزاد» المباشر والحي خلال عملية البيع والشراء.

وإن كانت الصورة عتيقة، إلا أنها تتجدد بتجدد الأجيال والحقب الزمنية، وظهور التطبيقات الرقمية «الأون لاين» لتظل صامدة راسخة، تعلن حيوية وديمومة هذا السوق الموسمي الأكبر على مستوى العالم، في مجال التمور والنخيل. فما يأتي به «الدلالون» من موسيقى ومقامات صوتية، خلال فتحهم لمزادات البيع على التمور.

مشهد مسرحي فريد، يذكر كل من يقف عليه بالمسرح الروماني الأشهر في التاريخ، الذي تتجلى فيه كل مهارات الإبداع صوتا وحركة ونصا، وتلك علامة فارقة على المشهد، ليجد الزائر والمتسوق نفسه مرغمًا على الوقوف أمام هذا الحدث الأضخم في أحداث «عملية البيع».

دلاّل هنا ينتزعك بفخامة صوته، وصوت آخر يصرفك نحوه بجهوريته، فيما يختطفك غيره بإيقاع لا يطاوعك سمعك أن تغفله، وذاك يتغنى بتراكيب ومفردات؛ حتى تقع عاشقًا «للتمر» وأنت لم تشاهده، كابن برد الذي لم يشاهد محبوبته، وتلك هي النظرية التي آمن بها «بشار بن برد» وأعلن عنها قبل أكثر من 1200 عام، والذي جاء مهرجان بريدة للتمور ليثبت أنها نظرية ذات بعد فلسفي وجيه، ولها أحداثها ومواقفها التي تؤكد حقيقتها.

الرئيس التنفيذي لمهرجان بريدة للتمور لموسم عام 1441هـ الدكتور خالد النقيدان، بين أن الطبيعة المكشوفة والمشهد المفتوح لساحة البيع في سوق مدينة التمور في بريدة يساهم بشكل مباشر في جعل مهمة المسوقين (الدلالين) تظهر في أنجح صورها، حتى أصبحت الدلالة من أبرز المناشط التي يمتاز بها السوق، بوصفها أهم المحطات الرئيسية في حركة البيع والشراء لمنتج التمور، بل وتؤثر بشكل مباشر على الأسعار، وتساهم مساهمة فاعلة في التعريف بأنواع التمور وميزاتها وتصريفها على المستفيدين.