البكاء ليس مجرد انهمار للدموع، بل استجابة بيولوجية معقدة تنشأ من تفاعل الدماغ والجهاز العصبي مع المشاعر والانفعالات. ولا يقتصر البكاء على الحزن أو الألم، بل قد يظهر أيضاً في لحظات الفرح والخوف والتوتر والتأثر الشديد، ليكون وسيلة طبيعية للتعبير عن المشاعر والتعامل معها.. والدموع لا تقدح مطلقاً في الرجولة؛ فهي مشاعر طبيعية لكل إنسان طبيعي. وعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي أو تجربة عاطفية قوية، تتفاعل مناطق في الدماغ مسؤولة عن معالجة وتنظيم الانفعالات، وتنعكس هذه الاستجابة على الجسم من خلال تغيّرات في التنفس وضربات القلب وإفراز الدموع. ويختلف البكاء من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة المشاعر والظروف التي يمر بها، كما تختلف آثاره؛ فبعض الأشخاص يشعرون بالراحة بعده، بينما قد يشعر آخرون بالإرهاق أو زيادة الحساسية الانفعالية. وقد يرتبط البكاء لدى بعض الأشخاص بتخفيف حدة التوتر والانفعالات، إذ يمكن أن يعقب البكاءَ شعورٌ بالهدوء والارتياح نتيجة انتقال الجسم تدريجياً من حالة الاستثارة العاطفية إلى حالة أكثر استقراراً. كما قد يسهم البكاء في تعزيز التواصل الاجتماعي، إذ يمثل أحياناً إشارة غير لفظية إلى الحاجة للدعم والتعاطف. ولا يعني البكاء بالضرورة وجود مشكلة نفسية، بل يعد في كثير من الحالات استجابة طبيعية للتجارب والانفعالات المختلفة. لكن تكراره بصورة ملحوظة أو ارتباطه المستمر بالحزن أو القلق أو تأثيره في الحياة اليومية قد يستدعي الانتباه إلى الحالة النفسية وفهم الأسباب الكامنة وراءه، خاصة إذا ترافق مع أعراض أخرى مؤثرة في حياة الشخص.

للوقوف على الأسباب الحقيقية للبكاء، وأبعاده النفسية والعصبية وتأثيراته في الإنسان، التقت «عكاظ» عدداً من المختصين في الطب النفسي والمخ والأعصاب والطب العام، الذين قدموا رؤاهم وتفسيراتهم حول هذه الاستجابة الإنسانية.

الدواء المبكي!

ترى استشارية طب الأسرة الدكتورة إيمان القرشي أن البكاء في الأساس رد فعل طبيعي لدى الإنسان، وقد يكون تعبيراً عن الحزن أو الفرح أو الضغط النفسي أو الإرهاق، وأن تكراره بشكل ملحوظ أو حدوثه دون سبب واضح قد يكون أحياناً مؤشراً على وجود مشكلة صحية أو نفسية تستدعي الانتباه والتقييم.

وأوضحت أن بعض الاضطرابات الصحية قد تؤثر في الحالة المزاجية وتزيد من الرغبة في البكاء، مبينة أن اضطرابات الغدة الدرقية والهرمونات قد تسبب تغيرات مثل الحزن أو العصبية أو التقلبات المزاجية، كما أن بعض الأدوية قد تؤثر في الحالة النفسية كأثر جانبي، خصوصاً إذا بدأ البكاء بعد البدء بعلاج جديد، ما يستدعي مراجعة الطبيب.

وأضافت الدكتورة القرشي، أن نقص بعض الفيتامينات، مثل فيتامين (B12)، قد يرتبط بالتعب وتغير المزاج والتهيج وزيادة الحساسية العاطفية، فيما قد يرتبط نقص فيتامين (D) باضطرابات المزاج لدى بعض الأشخاص، إلا أن تقييم ذلك يكون ضمن صورة صحية متكاملة وليس باعتباره سبباً مباشراً دائماً.

التشوش وتغيرات المزاج

الدكتورة إيمان القرشي تشير إلى أن قلة النوم والتوتر والإرهاق الشديد وسوء التغذية من الأسباب الشائعة التي تؤثر في القدرة على التحكم بالمشاعر، وتجعل الشخص أكثر عرضة للبكاء والانفعال، كما أن بعض الأمراض المزمنة والحالات العصبية أو الهرمونية، إضافة إلى الألم المزمن والإرهاق المستمر، قد تزيد من الحساسية العاطفية.

وبيّنت أن البكاء لا يعد عادة علامة مباشرة على وجود اضطراب في الجهاز الهضمي، إلا أن بعض أمراض الجهاز الهضمي المزمنة قد تؤثر في الراحة العامة والنوم والامتصاص الغذائي، ما ينعكس بشكل غير مباشر على المزاج والحالة النفسية.

ولفتت إلى أن انخفاض مستوى السكر قد يؤدي إلى العصبية والتوتر والتشوش وتغيرات المزاج، وقد يظهر أحياناً في صورة بكاء أو انفعال غير معتاد، كما أن انخفاض الضغط قد يسبب التعب والدوخة وضعف التركيز، ما يزيد من هشاشة الحالة النفسية لدى بعض الأشخاص.

وأكدت أن الألم المزمن والالتهابات المستمرة قد يؤثران في الجسم والحالة النفسية معاً، إذ يؤديان إلى انخفاض الطاقة وتغير المزاج وزيادة الحساسية العاطفية، ما قد يجعل البكاء أكثر تكراراً.

الدكتورة القرشي دعت إلى مراجعة الطبيب عند تكرار البكاء دون سبب واضح، أو استمراره لفترات طويلة، خصوصاً إذا صاحبه اضطراب في النوم أو فقدان الشهية أو التعب الشديد، أو أعراض أخرى مثل الخفقان والدوخة ونقص الوزن أو علامات مرتبطة بالهرمونات، للتأكد من عدم وجود أسباب عضوية أو نفسية تحتاج إلى علاج.

التدخل الجراحي.. هل هو الحل؟

ويرى استشاري المخ والأعصاب الدكتور سقاف علوي السقاف أن البكاء والضحك من الانفعالات الناتجة عن انعكاسات عصبية طبيعية، يستخدمها الإنسان للتعبير عن حالته العاطفية أو الجسدية، سواء في مشاعر الفرح أو الحزن أو الألم، وهذه السلوكيات ليست مقتصرة على الإنسان فقط، إذ تظهر لدى بعض الحيوانات أيضاً.

وبيّن الدكتور السقاف لـ«عكاظ» أن تجاوز البكاء أو الضحك الحد الطبيعي المرتبط بالموقف أو السبب المؤدي إليه يستدعي البحث عن الأسباب ومعالجتها، سواء كانت مرتبطة بألم نفسي أو جسدي أو باضطراب في الحالة النفسية.

وأكد الدكتور السقاف أن مثل هذه الحالات لا تحتاج إلى تدخلات جراحية، وإنما تعتمد على العلاج المناسب وفق السبب، سواء من خلال الأدوية أو الجلسات العلاجية النفسية والاجتماعية، بما يساعد على استعادة التوازن النفسي وتحسين الحالة العامة للمريض.

ضعف أم تعبير؟

الأخصائية النفسية نادية العقيل قالت لـ«عكاظ» إن البكاء استجابة إنسانية طبيعية للتعبير عن الحزن أو الألم أو الخوف أو الغضب أو القلق، فالبكاء دون سبب ظاهر لا يعني بالضرورة أنه غير مبرر، إذ قد يكون نتيجة مشاعر مكبوتة أو ذكريات مؤلمة لم يتمكن الشخص من التعبير عنها.

وأوضحت أن اختلاف سرعة البكاء بين الأشخاص يعود إلى السمات الشخصية؛ فالأكثر حساسية وتأثراً بالمواقف والعواطف يكونون أسرع في ذرف الدموع، كما تلعب التربية والثقافة دوراً مهماً، إذ تنظر بعض المجتمعات إلى البكاء على أنه ضعف، بينما تراه أخرى تعبيراً طبيعياً عن المشاعر.

وأضافت الأخصائية النفسية العقيل أن هناك عوامل فسيولوجية وهرمونية تفسر الفروق بين الجنسين، فالمرأة تميل إلى البكاء أكثر بسبب ارتفاع هرمون البرولاكتين، في حين يسهم ارتفاع هرمون التستوستيرون لدى الرجل في تثبيط البكاء، لذلك غالباً ما يبكي الرجل في المواقف القاسية أو الصدمات العميقة، بينما قد تبكي المرأة أيضاً نتيجة ضغوط الحياة اليومية أو الإحباط.

هل يبكي الرجل؟

المتخصصة في علم النفس العقيل، لفتت إلى أن بعض أساليب التربية الخاطئة، مثل منع الطفل من البكاء أو ترديد عبارات مثل «الرجل لا يبكي»، قد تؤدي إلى كبت المشاعر وترك آثار نفسية تمتد إلى مرحلة البلوغ، مثل صعوبة التعبير العاطفي، أو السلوك العدواني، أو القلق والاكتئاب.

وبيّنت أن البكاء يعد وسيلة صحية لتخفيف التوتر وتنظيم المشاعر، وأن كبت الانفعالات لفترات طويلة قد يزيد من الضغوط النفسية ويؤدي إلى أعراض جسدية، مثل الصداع والقولون العصبي وآلام العضلات. وأشارت إلى أن العلاج النفسي يوظف البكاء أحياناً لمساعدة المريض على تفريغ مشاعره بعد الصدمات أو الفقد، بما يسهم في استعادة التوازن النفسي وتهدئة الجهاز العصبي. واختتمت العقيل بالتأكيد على أهمية احتواء الأطفال عند البكاء، والإنصات لمشاعرهم، وإشعارهم بالأمان، ثم تعليمهم التعبير عن الحزن أو الغضب أو الخوف بطريقة صحية، بما يعزز نموهم النفسي والعاطفي السليم.

هل له علاقة بتسوس الأسنان؟

أخصائية أمراض الأسنان واللثة الدكتورة منى فهمي، ترى أن البكاء في حد ذاته لا يُعد سبباً مباشراً لمشكلات الأسنان أو اللثة، موضحة أن بعض التأثيرات المؤقتة قد تصاحبه، خصوصاً عند تكراره لفترات طويلة أو ارتباطه بالتوتر والضغط النفسي.

وأوضحت لـ«عكاظ»: أن البكاء لا يسبب جفاف الفم بشكل مباشر، إلا أن التوتر والقلق المصاحبين له قد يؤديان مؤقتاً إلى انخفاض إفراز اللعاب والتأثير في وظيفة الغدد اللعابية، فيما قد يزيد التنفس من الفم أثناء البكاء من الشعور بالجفاف.

وبيّنت أن انخفاض إفراز اللعاب لا يرتبط بالبكاء نفسه، وإنما بالحالة النفسية المصاحبة له، إذ يمكن للقلق والتوتر أن يؤثرا مؤقتاً في وظيفة الغدد اللعابية. وحذرت من أن التنفس الفموي المزمن قد يزيد جفاف الفم، ما يرفع احتمالية تراكم البلاك والجير، وتسوس الأسنان، والتهاب اللثة.

وأكدت الدكتورة منى عدم وجود علاقة مباشرة بين تكرار البكاء وتسوس الأسنان، إلا أن اجتماع جفاف الفم المزمن أو إهمال نظافة الأسنان أو الإكثار من تناول السكريات للتخفيف من التوتر، قد يزيد عوامل الخطورة للإصابة بالتسوس.

شد عضلات الفك

أخصائية أمراض الأسنان واللثة الدكتورة منى فهمي، تشير إلى أن التوتر والقلق المصاحبين للبكاء قد يؤديان إلى شد عضلات الفك أو الضغط على الأسنان، ما قد يتسبب في ألم أو صداع أو إرهاق في عضلات الفك، مؤكدة أن الارتباط في هذه الحالة يعود إلى التوتر أكثر من البكاء ذاته.

وفي ما يتعلق باللثة، أوضحت أن البكاء المعتدل لا يسبب التهابها، داعية إلى البحث عن أسباب أخرى عند ظهور تهيج مستمر أو نزيف أو تورم، مثل تراكم الجير أو التهاب اللثة أو وجود مشكلة موضعية.

ولفتت إلى عدم وجود علاقة مباشرة بين البكاء واضطرابات المفصل الفكي الصدغي، إلا أن الضغط النفسي المصاحب للبكاء المتكرر قد يزيد عادة الضغط على الأسنان أو شد عضلات الفك، ما قد يؤدي إلى تفاقم أعراض المفصل لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلة مسبقة.

وحول تأثير البكاء الطويل على حموضة الفم، ذكرت أن تغيرات بسيطة ومؤقتة قد تحدث نتيجة تغير معدل إفراز اللعاب والتنفس من الفم، إلا أن ذلك لا يعني أن البكاء يجعل الفم حمضياً بدرجة تسبب تسوس الأسنان، وأن استمرار تدفق اللعاب والمحافظة على نظافة الفم يمثلان العاملين الأهم في حماية الأسنان.

وشددت فهمي على أن المشاعر والحالة النفسية تؤثران في صحة الفم بصورة غير مباشرة، مؤكدة أهمية الاهتمام بالصحة النفسية، إلى جانب العناية اليومية بالأسنان، وشرب الماء، والمواظبة على الزيارات الدورية لطبيب الأسنان للحفاظ على صحة الفم والأسنان.