في غرفة عمليات بالرياض في اليوم الأخير من عام 1990 بدأت قصة لم يكن أحد يتوقع أن تتحول بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى واحد من أبرز البرامج الطبية الإنسانية المتخصصة في العالم.

كان التاريخ 31 ديسمبر 1990 عندما دخل توأم سعودي ملتصق من الإناث غرفة العمليات لإجراء عملية فصل دقيقة كان الالتصاق في منطقة البطن مع اشتراك في أغشية البطن وجزء من الكبد.

وبعد نحو أربع ساعات انتهت العملية بنجاح. لم تكن تلك العملية مجرد إنجاز طبي لحالة واحدة بل كانت البداية الفعلية لمسيرة سعودية طويلة في جراحات التوائم الملتصقة.

واليوم، بعد نحو 36 عامًا من تلك البداية تكشف أحدث إحصاءات البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة حجم التحول:

158 حالة جرت دراستها وتقييمها و72 عملية فصل ناجحة لتوائم قدموا من 28 دولة تنتمي إلى خمس قارات ويتحمل البرنامج نفقات عمليات الفصل والعلاج والتأهيل بعد الجراحة إلى جانب النقل واستضافة التوائم وذويهم داخل المملكة طوال فترة الرعاية الطبية.

البداية.. أربع ساعات فتحت الباب

تعود أولى صفحات القصة إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض وبعد نجاح العملية السعودية الأولى عام 1990 جاء الاختبار الثاني أكثر تعقيدًا.

في 8 فبراير 1992 أُجريت عملية فصل التوأم السودانيتين سماح وهبة. كانت الحالة شديدة التعقيد إذ اشتركت الطفلتان في أجزاء وأعضاء عدة بينها الكبد والقولون والجهازان البولي والتناسلي إضافة إلى وجود ثلاثة أطراف سفلية بينهما أحدها مشوه.

واستمرت العملية 18 ساعة متواصلة مقارنة بأربع ساعات للعملية الأولى، وانتهت بالفصل الناجح.

ثم جاءت العملية الثالثة لفصل التوأم السعوديتين سمر وسحر في حالة أكثر تعقيدًا طبيًا إذ كانتا تشتركان في الكبد ونهاية الأمعاء الدقيقة والقولون والمثانة والأجهزة التناسلية، مع وجود عيوب خلقية بالقلب واستغرقت عملية الفصل نحو 14 ساعة.

هذه الحالات المبكرة كانت بمثابة المدرسة التي تراكمت من خلالها الخبرة السعودية فلم تعد المسألة مجرد إجراء جراحي للفصل بل أصبحت منظومة متعددة التخصصات تبدأ بدراسة الحالة وقراءة تفاصيل الالتصاق والأعضاء المشتركة ووضع سيناريوهات الجراحة ثم التخدير والفصل وإعادة بناء الأعضاء والأنسجة وصولًا إلى العناية المركزة والتأهيل والمتابعة.

من 11 عملية إلى 72

وتكشف مقارنة الأرقام الرسمية حجم التسارع في البرنامج ففي نهاية عام 2006 كانت المملكة قد أجرت 11 عملية فصل منذ البداية عام 1990 وبحلول أكتوبر 2023، كان البرنامج قد تابع 133 حالة من 24 دولة وأنجز 58 عملية فصل ناجحة قبل إجراء العملية رقم 59 للتوأم التنزاني (حسن وحسين).

وفي مارس 2024 أصبحت عملية فصل التوأم النيجيري (حسنة وحسينة) العملية رقم 60، فيما كان البرنامج قد أشرف آنذاك على 135 حالة من 25 دولة. واستغرقت عملية فصلهما 16 ساعة ونصف الساعة.

وبحلول فبراير 2026 ارتفع العدد إلى 67 عملية فصل مع تقييم 155 حالة من 28 دولة وخمس قارات.

ثم واصل الرقم ارتفاعه خلال 2026 ليصل وفق أحدث البيانات المنشورة في سبتمبر إلى 72 عملية ناجحة و158 حالة مدروسة من 28 دولة في خمس قارات.

وبقراءة هذه الأرقام، يكون البرنامج قد انتقل من 11 عملية في أول 16 عامًا تقريبًا إلى 72 عملية حتى سبتمبر 2026 أي إضافة 61 عملية بعد الرقم المسجل في 2006.

ليست كل حالة تدخل غرفة العمليات

وراء الرقم الآخر في الإحصائية — 158 حالة مدروسة مقابل 72 عملية فصل — جانب مهم من قصة البرنامج.

فالوصول إلى المملكة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار الفصل، فكل حالة تحتاج إلى تقييم طبي وجراحي مستقل لأن طبيعة الالتصاق تختلف من توأم إلى آخر، كما تختلف الأعضاء الحيوية المشتركة وإمكانات الفصل ومخاطره.

وتوضح الأرقام أن البرنامج لا يُقاس بعدد العمليات فقط إذ إن 86 حالة من مجموع الحالات التي درسها البرنامج لم تدخل ضمن رقم عمليات الفصل الـ72 المعلن حتى أحدث إحصاء. وهذا الفارق يشمل الحالات التي جرى تقييمها ودراستها دون أن تُسجل ضمن عمليات الفصل المنجزة ولا تكشف الإحصائية الإجمالية وحدها أسباب عدم إجراء الفصل لكل حالة على حدة.

وهنا يظهر أحد أبعاد العمل الاستقصائي في ملف التوائم: القرار الطبي ليس سباقًا إلى غرفة العمليات وإنما موازنة دقيقة بين إمكانية منح كل طفل حياة مستقلة وبين المخاطر الطبية التي قد تترتب على الفصل.

16 ساعة و35 متخصصًا.. كيف تبدو العملية؟

تكشف حالة التوأم التنزاني حسن وحسين جانبًا من حجم الاستعداد الذي يسبق إحدى هذه العمليات.

وصل التوأم إلى الرياض بطائرة إخلاء طبي في أغسطس 2023، وبعد الفحوصات تبين اشتراكهما في أسفل الصدر والبطن والحوض والكبد والأمعاء والجهاز البولي وعضو تناسلي، إضافة إلى وجود طرف سفلي لكل طفل وطرف ثالث مشترك ومشوه.

ووُضعت للعملية خطة تقارب 16 ساعة موزعة على تسع مراحل، بمشاركة 35 من الاستشاريين والمتخصصين في التخدير وجراحة الأطفال والمسالك البولية للأطفال والتجميل والعظام، إلى جانب الكوادر التمريضية والفنية.

وهكذا فإن كلمة (فصل) التي تختصر الحدث في بضعة أحرف تخفي وراءها عشرات الأطباء والمتخصصين وساعات من الجراحة وتخصصات مختلفة تعمل في توقيت واحد.

من العلاج إلى الرعاية الشاملة

ومع تطور البرنامج، اتسعت فلسفته من الجراحة وحدها إلى منظومة رعاية أشمل.

فالبرنامج يتحمل جميع نفقات عملية الفصل والعلاج والتأهيل بعد العملية إضافة إلى مصاريف النقل واستضافة التوائم وذويهم داخل المملكة خلال فترة الرعاية الطبية.

وهذا البعد يفسر كيف تجاوز البرنامج الحدود الجغرافية للمملكة فالحالات لم تعد سعودية أو عربية فقط وإنما وصلت من 28 دولة موزعة على خمس قارات.

وتحولت الرياض بذلك إلى محطة يصل إليها أطفال يحملون جنسيات وثقافات وظروفًا اقتصادية مختلفة لكن يجمعهم ملف طبي بالغ الندرة والتعقيد.

حالة نادرة..

تبقى ولادة التوائم الملتصقة حالة شديدة الندرة، وتشير الأمم المتحدة إلى أن معدل حدوثها يتراوح بين نحو حالة واحدة لكل 50 ألف إلى 100 ألف ولادة حية فيما تكون الإناث أكثر تأثرًا، بنسبة تقارب 3 إناث مقابل ذكر واحد، كما تقدر نسبة المواليد الموتى في هذه الحالات بنحو 60%.

وتنشأ الحالة عندما لا يكتمل انفصال بويضة مخصبة واحدة إلى جنينين مستقلين خلال مرحلة مبكرة من التطور الجنيني، وتشير المعلومات التي تعرضها الأمم المتحدة إلى حدوث الانقسام المتأخر في حدود اليوم 13 إلى 15 من الحمل، ولا توجد وفق المصدر ذاته علاقة مثبتة بعمر الأم أو العرق أو عدد الولادات أو الوراثة، كما يعد خطر تكرار الحالة ضئيلًا جدًا.

من غرفة عمليات بالرياض إلى قرار أممي

ربما تكون إحدى أهم التحولات في مسيرة البرنامج أن التجربة لم تبقَ شأنًا طبيًا محليًا.. ففي 1 يوليو 2024 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، دون تصويت قرارًا بإعلان 24 نوفمبر من كل عام يومًا عالميًا للتوائم الملتصقة ابتداءً من عام 2024، بهدف رفع الوعي بحالاتهم وتعزيز حقوقهم ورفاههم واندماجهم الاجتماعي.

وكانت السعودية صاحبة المبادرة بتقديم مشروع القرار وشارك في رعايته إلى جانب المملكة كل من البحرين والمغرب وقطر واليمن. وأوضح ممثل المملكة أمام الجمعية العامة أن اختيار 24 نوفمبر يرتبط بأول عملية فصل ناجحة معروفة تاريخيًا للتوائم الملتصقة عام 1689.

وهكذا امتدت قصة بدأت بعملية استغرقت أربع ساعات في الرياض عام 1990 إلى منصة الأمم المتحدة بعد 34 عامًا.

الرقم لا يروي القصة كاملة

خلف كل رقم في سجل البرنامج طفلان وأسرة قطعت أحيانًا آلاف الكيلومترات وهي تحمل سؤالًا واحدًا: هل يمكن أن يعيش كل منهما حياة مستقلة؟

وبين أول عملية في 1990 والعملية رقم 72 لم تتراكم العمليات وحدها.. تراكمت الخبرة الطبية والجراحية، واتسعت خريطة الدول المستفيدة، وتحولت المبادرة إلى برنامج للرعاية والنقل والعلاج والتأهيل، ثم انتقلت قضية التوائم الملتصقة نفسها إلى أجندة الأمم المتحدة.

بعد 36 عامًا، تبدو الحصيلة الرقمية واضحة: 158 حالة، 72 عملية فصل ناجحة، 28 دولة وخمس قارات.

لكن الحصيلة الإنسانية أكبر من الأرقام.. إنها قصة انتقال طفلين من جسد مشترك إلى حياتين مستقلتين، وقصة خبرة سعودية بدأت في غرفة عمليات، ثم عبرت القارات.