كلما بلغت الكفاءة ذروتها يعجز الوصف عن التعبير، وتقف الكلمات حائرة لا تعرف من أين تبدأ ولا بما تُلمّ. هذا هو الحال عندما نحاول تناول سيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. فشخصية «أبو فهد» واضحة، داعمة للكيان ومعزّزة للبنيان.
مرجعية الوطن ومستشار الملوك
لاحظ متابعون خلال أحد خطابات الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن أواخر الثلاثينات الميلادية أن على يساره كان يجلس «ملك منتظر» يصغي إلى رسالة أبيه لشعبه وأشقائه العرب والمسلمين. كانت النجابة بادية على محياه، وأصبحت لاحقاً محركاً لمساره، ومنطلقاً لقراراته وتوجهاته الفكرية التي استوعبت مبكراً الإشارات، فاعتنى بنفسه واهتم بالجلوس مع كبار الأسرة المالكة والشعب، يسأل ويحاور المؤرخين، ويقرب المثقفين إليه، ليستقصي المعلومة من مصدرها، ليصبح يوماً مرجعها الأول. سرعان ما برز اسم سلمان بن عبدالعزيز ليملأ الأسماع ويسعد الأبصار بأقواله وأفعاله ومواقفه وأفكاره، وكان الشخصية الموثوق بها عند أبيه الملك وإخوته الملوك، وتبوأ ناصية المعرفة ليغدو مرجعية لأسرة الحكم ووجهها المشرق طيلة عقود بدأت ولم تنتهِ بعد.
إثراء ثقافة كوادر إدارة شؤون الدولة
يؤكد المؤرخ الراحل الدكتور عبدالله العسكر أن الأعوام التي أمضاها الملك سلمان أميراً لمنطقة الرياض، إضافة إلى مهامه التي أداها نيابة عن أشقائه الملوك، أكسبته ثقة في دائرة صناعة القرار ومكنته من التأثير في مرؤوسيه بإثراء ثقافة كوادر إدارة شؤون الدولة والحكم. وعدّ العسكر الملك سلمان مرجعية سياسية وتاريخية وإعلامية وإدارية يُعتد بها. وفي العام 1954 تولى إمارة الرياض وصنع منها العاصمة الأنيقة العريقة بأصالتها ومعاصرتها. طيلة عمله في خدمة الوطن كان المستشار المؤتمن، وركناً من أركان بيت الحكم، وأمين سر عائلته المالكة، ورئيس مجلسها، لما عُرف عنه من حكمة ومعرفة وسعة اطلاع وقدرة في المحاورة والاستماع، ومعرفته الدقيقة بطباع مجتمعه.
العمل الإنساني هاجس الملك سلمان
ارتبط العمل الإنساني في وعي وذاكرة السعوديين بشخصية الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو المبادر الذي ترأس لجاناً شعبية لجمع التبرعات للجزائريين، والفلسطينيين، والبوسنة والهرسك، والصومال. كل ذلك احتواه أخيراً مركز الملك سلمان العالمي للإغاثة، وليس بالكثير على ملك تبنى قضايا العرب والمسلمين. في عام 1956 تطوع للمشاركة ضمن قوات المقاومة الشعبية إبان العدوان الثلاثي على مصر. في وثائق الصور المصرية تظهر صورة للملك سلمان بالبزة العسكرية مع أخويه الملك فهد والأمير تركي، ثم دعا للتبرع لدعم مدينة بورسعيد.
الملك سلمان المثقف المؤرخ
قلّ ما تقف على أرشيف يوثّق زيارات ومناسبات الملك سلمان إلا وتلحظ حوله ثلة من النخب المثقفة والكتّاب العرب والمؤرخين، وكأنما هذه الصحبة علامة على عشق دائم يلازم قائد مسيرة النهضة. يؤكد عدد من الأدباء والمفكرين أن الملك سلمان لا يسمع عن كتاب لافت إلا ويطلب توفيره، ولا ينعم بجلسة إلا وحوله من يفتح باب الحوار حول قضية أو واقعة. لديه قدرة على الإقناع بحكم عيشه ومعايشته للأحداث. لن أنسى ندوة قدّمها في رحاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكان ردّه على سؤال عن تجاوز بعض الكتّاب على الثوابت، بلماحية نادرة، قال في جوابه: «نحن في بلد منّ الله عليه بأعظم رسالة وخاتم الأنبياء، وعلينا الردّ على الكلمة بالكلمة الطيبة ومناقشة الفكر بالفكر».
معرض المملكة بين الأمس واليوم
أسهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في ترسيخ مكانة المملكة بتبني مبادرة معرض المملكة بين الأمس واليوم، الذي جاب العالم حاملاً رسالة المودة والسلام، ومستعرضاً الإنجازات والتحوّلات الحضارية التي مرت بها بلادنا. لم يتوقف هذا العمل، بل طورت معارض الكتب والأيام الثقافية المشروع ليصبح معرض الرياض الدولي للكتاب أكبر مناسبة ثقافية في الشرق الأوسط.
جامعات العاصمة تفوقت بدعم الملك سلمان
يدرك الملك سلمان ما للجامعات من أثر في بناء الشخصية وتخريج الكوادر وتحمل المسؤولية. لم تكد تقام مناسبة في إحدى الجامعات إلا وكان الملك سلمان في مقدمة حضورها، ولم يكن يترك فرصة الحوار والنقاش باعتبارهما وسيلة لتوكيد المعلومات ونشر المعرفة. ولا مبالغة إن قلنا إن سلمان بن عبدالعزيز جامعة لا يحاط بمقرراتها ولا يكفي الوقت لاستعراض مخرجاتها، فهو ملك في القيادة والقراءة، وهو المثقف المجدّد.
