تتجه العلاقات السعودية الأوكرانية نحو مرحلة أكثر عمقاً واتساعاً، تتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكات إستراتيجية مدفوعة بحوار سياسي متنامٍ وفرص اقتصادية واستثمارية واسعة. وقد عززت المملكة حضورها طرفاً دولياً موثوقاً في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.
وفي حديثه لـ«عكاظ»، يؤكد السفير الأوكراني بيترنكو أناتولي أن الرياض تمتلك من الثقل السياسي والثقة الدولية ما يجعلها قادرة على لعب دور أكثر تأثيراً في مسار السلام، خصوصاً في الملفات الإنسانية وإطلاق مسار دبلوماسي جاد. كما يشير إلى توجه البلدين لتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة والطاقة والأمن الغذائي والاستثمار، مؤكداً أن كييف تتطلع إلى نموذج يقوم على الإنتاج والتطوير المشترك ونقل التقنية وتوطينها داخل المملكة. ويضيف السفير أن أمام المستثمر السعودي فرصاً واسعة في مشاريع إعادة إعمار أوكرانيا.
• كيف تقيّم كييف الدور الذي لعبته المملكة في استضافة اجتماعات الحرب الأوكرانية والحفاظ على التواصل مع الأطراف المختلفة؟
•• نقدّر عالياً الدور الذي تضطلع به المملكة، لما تمتلكه من ثقل سياسي وثقة لدى عواصم مختلفة، إلى جانب قدرتها على الحفاظ على حوار عملي مع دول تتباين مواقفها بصورة جوهرية. وهو ما يؤهل الرياض لأداء دور فاعل في القضايا التي تتطلب نتائج عملية وملموسة.
ويستند هذا الدور إلى حوار سياسي مكثف بين المملكة وأوكرانيا؛ فمنذ عام 2023 زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المملكة 6 مرات، وأُجريت 8 مكالمات هاتفية بينه وبين ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، كان آخرها في 10 أغسطس من هذا العام. وعلى مستوى وزيري الخارجية عُقد ما لا يقل عن 11 لقاءً واتصالاً هاتفياً، بما يعكس مستوى التواصل المنتظم بين البلدين، ولا ننسى المساعدات التي قدمتها المملكة لأوكرانيا؛ ففي فبراير 2023 زار وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان كييف، وقدمت المملكة حزمة مساعدات بقيمة 400 مليون دولار، منها 100 مليون دولار مساعدات إنسانية و300 مليون دولار على شكل مشتقات نفطية. كما أدت المملكة دوراً مهماً في الوساطة التي أسفرت عن الإفراج عن 10 أسرى حرب أجانب.
ونعوّل على استمرار الدور السعودي الفاعل، خصوصاً في القضايا الإنسانية، والإفراج عن أسرى الحرب والمدنيين، وإعادة الأطفال الأوكرانيين، والأمن الغذائي، إلى جانب الإسهام في تهيئة الظروف لإطلاق عملية دبلوماسية حقيقية.
تعزيز قدرات البلدين
• ما آفاق التعاون السعودي ـ الأوكراني في مجالات الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة؟
• أعتبر هذا المجال من أكثر مجالات العلاقات الثنائية الواعدة، فلم نعد نتحدث عن إمكانات نظرية، بل عن تعاون عملي وملموس. وفي 27 مارس من هذا العام وُقّعت في جدة مذكرة تفاهم بين وزارتي الدفاع في أوكرانيا والمملكة بشأن التعاون الدفاعي، لتوفير أساس للعقود المستقبلية والتعاون التكنولوجي والاستثمارات. وتمتلك أوكرانيا خبرات وتقنيات فيما تتمتع المملكة بقدرات صناعية ومالية وإنتاجية كبيرة، ما يفتح المجال أمام نموذج تعاون يعزز قدرات البلدين. طموحنا يشمل التطوير المشترك، وتوطين الإنتاج في المملكة، ونقل التقنية، وإجراء البحوث المشتركة وتطوير أنظمة جديدة.
أوكرانيا تريد السلام
• بعد سنوات من الحرب، كيف تصفون الوضع الراهن سياسياً وعسكرياً؟ وهل ترون أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية قد تحسنت؟
•• ما يجري هو حرب واسعة النطاق ولا تزال شديدة الحدة، إذ يمتد خط الجبهة النشط لنحو 1200 كيلومتر، فيما تسيطر روسيا على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية المعترف بها دولياً، بما فيها شبه جزيرة القرم، وسياسياً، تتواصل الجهود الدبلوماسية، وتحافظ أوكرانيا على اتصالات مكثفة مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين ودول الشرق الأوسط، إلا أنه لا توجد حتى الآن عملية تفاوضية مستقرة يمكن أن تقود فعلياً إلى إنهاء الحرب، وتعددت قنوات التواصل، لكن الوصول إلى تسوية حقيقية يتطلب إرادة سياسية لوقف الحرب. أوكرانيا تريد السلام، لكنها تريد سلاماً يمنع تكرار الحرب، وليس هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من القتال.
رؤية ومحاور رئيسية
• أعلنت كييف تقديم مقترحات إلى الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.. ما أبرز ملامح الرؤية الأوكرانية للسلام؟
•• تقوم الرؤية الأوكرانية للسلام على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها وقف فعلي لإطلاق النار على الأرض وفي الجو والبحر، مع إخضاعه لآلية دولية واضحة للرقابة والمتابعة، ويأتي الملف الإنساني في المرتبة الثانية، ويشمل تبادل أسرى الحرب، وإعادة المدنيين المحتجزين والأطفال الأوكرانيين الذين نُقلوا قسراً، أما المحور الثالث فيتعلق بالضمانات الأمنية، التي تعد مسألة أساسية بالنسبة إلى أوكرانيا، على أن تتضمن التزامات واضحة، وقدرات عسكرية أوكرانية كافية، وآليات لتقديم المساعدة السريعة في حال تجدد التهديد، كما تتمسك كييف بمبدأ عدم إضفاء الشرعية القانونية على الاستيلاء على أراضي دولة أخرى بالقوة، على أن يتولى المسار الدبلوماسي معالجة القضايا السياسية والترتيبات الأمنية وصولاً إلى إنهاء مستدام للحرب. نريد سلاماً دائماً ومستداماً.
تبادل أسرى الحرب
• هل أوكرانيا مستعدة للدخول في مفاوضات مباشرة مع روسيا؟ وما أبرز «الخطوط الحمراء» التي ترى كييف أنه لا يمكن تجاوزها؟
•• نعم، أوكرانيا مستعدة للحوار المباشر، بما في ذلك المفاوضات على أعلى مستوى سياسي، متى توافرت فرصة للوصول إلى نتائج حقيقية، ويمكن التفاوض بشأن وقف إطلاق النار، وتبادل أسرى الحرب وإعادة المدنيين والأطفال، ووضع محطة زابوريجيا للطاقة النووية، وأمن الملاحة في البحر الأسود، وغيرها من القضايا الإنسانية والأمنية.
لكن هناك قضايا لا يمكن أن تكون موضع مساومة؛ إذ لن تعترف أوكرانيا بالأراضي المحتلة باعتبارها أراضي روسية، ولن تقبل بمنح روسيا حق النقض على خياراتها في السياسة الخارجية، كما ترفض أي قيود تضعف قدرة قواتها المسلحة وصناعتها الدفاعية على حماية البلاد، وأي اتفاق سلام دون ضمانات أمنية حقيقية لن يحل المشكلة، بل سيؤجلها.
تحول العلاقات إلى شراكة
• شهدت العلاقات السعودية ـ الأوكرانية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وانتقلت إلى مجالات تعاون أوسع. كيف تصفون مستوى العلاقات حالياً؟
•• نمر اليوم بمرحلة انتقال من علاقات الصداقة التقليدية إلى شراكة أكثر عملية واتساعاً، تشمل إلى جانب الحوار السياسي والتجارة مجالات الأمن والتقنيات الدفاعية والطاقة والأمن الغذائي والاستثمار وإعادة الإعمار، وخلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026 بلغ حجم التبادل التجاري بين أوكرانيا والمملكة نحو 649.8 مليون دولار، متجاوزاً إجمالي التجارة خلال عام 2025 بأكمله، الذي بلغ 530.8 مليون دولار، وبعد انقطاع طويل، استأنف مجلس الأعمال الأوكراني السعودي نشاطه، فيما عُرضت مشاريع استثمارية أوكرانية تتجاوز قيمتها مليار دولار على الشركاء السعوديين، مع التخطيط لعقد الاجتماع القادم للجنة الأوكرانية السعودية المشتركة في الرياض للمرة الأولى منذ اجتماعها في كييف عام 2018.
وتبرز فرص واعدة للتعاون في الصناعات الزراعية والأمن الغذائي، والتقنيات الدفاعية، وتقنية المعلومات والحلول الرقمية، والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب الصناعات الدوائية والرعاية الصحية.
تعزيز الترابط الاقتصادي
• ما الخطوات المطلوبة لترجمة هذا الزخم المتنامي في العلاقات السعودية ـ الأوكرانية إلى شراكة إستراتيجية ومستدامة بين البلدين؟
•• المطلوب هو تحويل الثقة السياسية إلى مشاريع ملموسة، واستثمارات وتقنيات مشتركة، بما يعزز الترابط الاقتصادي ويعود بالنفع على البلدين، نريد شراكة أوسع تقوم على البحوث والتقنيات والقدرات الإنتاجية المشتركة، والوصول معاً إلى أسواق دول العالم.
تكامل الحاجات وفرص الاستثمار
• ما أبرز الفرص الاستثمارية التي تتيحها أوكرانيا للمستثمرين السعوديين، لاسيما في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية؟
•• ستكون إعادة إعمار أوكرانيا واحدة من أكبر العمليات الاستثمارية التي تشهدها أوروبا منذ عقود، ووفق أحدث تقييم مشترك للحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، إذ تقدر حاجات التعافي وإعادة الإعمار خلال السنوات العشر القادمة بنحو 588 مليار دولار، منها أكثر من 96 مليار دولار للنقل، ونحو 91 ملياراً للطاقة، و90 ملياراً للإسكان، وأكثر من 63 ملياراً للتجارة والصناعة.
وتتكامل هذه الحاجات مع إمكانات المملكة وتوجهات رؤية السعودية 2030، ما يفتح فرصاً واسعة أمام الاستثمارات السعودية في النقل والخدمات اللوجستية، والطاقة وتحديث شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة وتخزينها، إضافة إلى الإسكان والتطوير الحضري، والصناعات الزراعية والغذائية، والمعادن الحيوية، والصناعات الدوائية والرعاية الصحية، وتقنية المعلومات، ولا أرى ضرورة لانتظار انتهاء الحرب رسمياً لبدء العمل والاستثمار؛ إذ توجد بالفعل آليات للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وضمانات دولية وأدوات للتأمين ضد مخاطر الحرب والمخاطر السياسية.
مورد رئيسي للغذاء
• كيف أثرت الحرب في الصادرات الأوكرانية والأمن الغذائي العالمي؟ وما أبرز فرص تعزيز التعاون الزراعي والغذائي مع المملكة؟
•• تمتلك أوكرانيا واحدة من أخصب الأراضي في العالم، وكانت على مدى عقود مورداً رئيسياً للغذاء في الأسواق العالمية. وحتى في ظل الظروف الراهنة، يُتوقع أن يبلغ محصول الحبوب خلال عام 2026 نحو 60.4 مليون طن، ومن هذا المنطلق، أنظر إلى التعاون الأوكراني ـ السعودي في القطاع الزراعي بمنظور إستراتيجي، يمكن أن يشمل عقوداً طويلة الأجل لتوريد المنتجات الغذائية، واستثمارات سعودية مباشرة في الإنتاج الزراعي الأوكراني، ومرافق تخزين الحبوب، ومصانع التصنيع الغذائي، إضافة إلى البنية التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية، وبذلك تحصل أوكرانيا على رأس المال والسوق والطلب المستقر، فيما تحصل المملكة على مصدر غذائي طويل الأجل ومستقر وقابل للتنبؤ.
وقفة ودعم المملكة
• أخيراً، كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات السعودية ـ الأوكرانية، وما آفاق تطويرها نحو شراكة إستراتيجية أكثر رسوخاً؟
•• أتوجه بالشكر إلى قيادة المملكة وشعبها على دعمهم لأوكرانيا، ومواقفهم الداعمة لوحدة أراضيها، وجهودهم في الوساطة واستضافة المفاوضات، والأهم بالنسبة لنا هو البناء على هذا الدعم نحو مستقبل مشترك؛ فأوكرانيا تمتلك الخبرة التكنولوجية والصناعات الدفاعية والقطاع الزراعي وتقنية المعلومات، فيما تمتلك المملكة رأس المال والقدرات الصناعية والزخم الذي توفره رؤية السعودية 2030. ومن خلال تكامل هذه الإمكانات، يمكن بناء شراكة إستراتيجية تشمل الأمن والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب الاستثمارات والتقنيات والبنية التحتية والإنتاج المشترك.