في كل عام تؤكد السعودية أنها صانعة نموذج عالمي في التنظيم والإدارة

نجاح الموسم ليس وليد اللحظة، إنه ثمرة سنوات من التجربة والتطوير

ملايين البشر يتحركون في انسجام قلّ أن يوجد في أي تجمع بشري آخر

يتوافد إلى السعودية في كل عام مئات الآلاف من الحجاج من مختلف بقاع الأرض، وبمختلف اللغات والثقافات والعادات المتنوعة التي تجعل إدارة تواجدهم وتأمين احتياجاتهم اختباراً صعباً.. وبقدراتها وكوادرها المؤهلة السعودية تستطيع.. إذ نجحت في تحويل إدارة الحشود إلى تميّز وتجربة فريدة أدهشت العالم أجمع.

تؤلف في هذه التجربة كتب وتعقد المحاضرات لنقل التجربة إلى العالم، إذ تملك السعودية تجربة رائدة في فن إدارة الحشود، جعلها أنموذجاً عالمياً في التنظيم البشري المتقدم، لتصبح مدرسة تُعلم العالم كيف يكون التخطيط والإدارة في أبهى صورهما.

نموذج عالمي في التنظيم

في كل عام، تؤكد السعودية أنها صانعة نموذج عالمي في التنظيم والإدارة، نموذج يُدرَّس ويُستلهم منه لكل دولة تريد أن تستضيف حدثاً كبيراً، فحين تنظر إلى المشهد في مكة المكرمة خلال موسم الحج والعمرة، تشاهد ملايين البشر يتحركون في انسجام قلّ أن يوجد في أي تجمع بشري آخر، جاءوا من أصقاع الأرض، يحملون ثقافات مختلفة، لغات متعددة، وأعماراً متفاوتة، ورغم ذلك، يتنقلون بين المشاعر المقدسة بسلاسة مدهشة، وكأن الحشد الهائل كيان واحد ينبض بتنظيم متقن وإدارة فريدة من نوعها.

أتقنت المملكة العربية السعودية فن إدارة الحشود، حتى غدت مرجعاً عالمياً في هذا المجال، لا يتعلق الأمر فقط بتوفير مساحات واسعة أو تأمين طرق الحركة، بل هو مزيج من التخطيط الدقيق، والابتكار التقني، والقدرة على استيعاب المتغيرات والتعامل معها في لحظتها.

تحليل رقمي للحشود

لم تكتف السعودية بالاعتماد على خبراتها السابقة، بل أدخلت أحدث التقنيات لتسخيرها في خدمة الحجاج، بدءاً من الذكاء الاصطناعي في تحليل الحشود، مروراً بأنظمة النقل المتطورة، وصولاً إلى الخدمات الصحية التي تدار بإستراتيجية محكمة، كل ذلك لضمان أن رحلة الحج تتم بأقصى درجات الراحة والطمأنينة.

وظهر منهج المملكة جلياً، ووضع الإنسان أولاً؛ تأكيداً لمقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس الإنسانية، وهو ما تحقق في حج استثنائي نتيجة تراكم التجارب والخبرات في إدارة الحشود وتنظيم مواسم الحج، ما يعكس كفاءة المملكة وريادتها في هذا المجال.

ولا تقتصر جهود المملكة في إدارة الحشود على المشاعر المقدسة فقط، بل تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها الحاج أو المعتمر أداء مناسكه، حيث تعمل الجهات المعنية على تسهيل إجراءات إصدار تأشيرات الحج والعمرة إلكترونياً، مما يسمح بإتمامها في وقت قياسي، واستقبالهم وفق أعلى المستويات وإدارة تنقلاتهم وضمان انسيابية الرحلات الجوية من مختلف دول العالم، وتوفير مسارات واضحة للحجاج والمعتمرين عند وصولهم إلى المملكة.

كيف تتعامل مع 164 جنسية

نجاح هذا الموسم ليس وليد اللحظة، إنه ثمرة سنوات من التجربة والتطوير المستمر، في تطوير تقنيات إدارة الحشود وامتلكت التجربة التراكمية، وكيفية التعامل مع الكتل البشرية في موسمي الحج والعمرة، عبر التعامل مع حجاج يمثلون 164 جنسية حول العالم، في فترة زمنية قصيرة وفي مواقع محددة داخل المشاعر المقدسة.

وأصبح تفرُّد المملكة بتنظيم أفواج مليونية خلال مواسم الحج والعمرة، أمراً روتينياً اعتيادياً لا يشكل أية عقبات مهما بلغ عدد الزائرين وفي أي موسم كان؛ فقد هيّأت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي جميع الإمكانيات لخدمة ضيوف الرحمن، وجنّدت الكفاءات البشرية والتقنية لهذا الغرض.

لا تدافع.. لا اختناق

تعد إدارة الحشود عنصراً محورياً لضمان سلامة ضيوف الرحمن، خلال تأديتهم للشعائر في منطقة محدودة خلال فترة زمنية قصيرة، ويتوافد ما يقارب مليوني حاج من مختلف أنحاء العالم إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة خلال موسم الحج، مستهدفة الجهات ذات العلاقة منع التدافع والاختناق وتفادي الحوادث المؤسفة، وتنظيم حركة الحشود بين المشاعر، مع سرعة التعامل مع أي أزمات صحية أو أمنية، في ظل الاستفادة من التقنية لتحسين دقة التوقعات والقرارات على أرض الواقع.

100 مليون في 2030

تمثّل إدارة الحشود إحدى الدعائم القوية لرؤية المملكة 2030، التي تستهدف استضافة 100 مليون زيارة، وأكثر من 30 مليون معتمر وحاج بحلول عام 2030.

وتعتبر من أدق وأصعب علوم الإدارة التي تتطلب كيفية التعامل مع ثقافات مختلفة ولغات عدة وسلوكيات وأمزجة مختلفة ومتنوعة ومتعددة، وهو ما دفع الكثير من دول العالم للاستفادة من التجربة السعودية في هذا المجال.

مركز عمليات مكة الذكية

يعدّ مركز عمليات مكة الذكية بمدينة مكة المكرمة إحدى أهم الركائز التشغيلية التقنية المتقدمة التي تعزز من قدرات منظومة الحج من الجهات الحكومية العاملة في خدمة ضيوف الرحمن، ويهدف إلى إدارة ومراقبة الأنظمة والمنصات المتقدمة التي تشرف عليها (سدايا)؛ لرفع مستوى الخدمات الرقمية المقدمة لحجاج بيت الله الحرام.

ويعزز المركز من مهمات إدارة الحشود والقدرات الأمنية في المشاعر المقدسة من خلال منظومة متكاملة.

الذروة في مداخل مكة

شمل نطاق التحليل مداخل مكة لمراقبة تدفقات المركبات وأوقات الذروة، والمنطقة المركزية لتتبع كثافة الحشود حول المسجد الحرام. وطرق المشاعر من خلال تحليل التنقلات بالإضافة إلى ذلك التنبؤ بمواقع التكدس.

وتهدف التقنية إلى دعم اتخاذ القرارات الفورية من خلال توفير بيانات دقيقة، وتحسين توزيع الحشود، بالإضافة إلى ذلك ضمان التنقل الآمن، وتعزيز التنسيق بين الجهات التشغيلية ميدانياً.

خفض زمن الانتظار

طبّقت وزارة الحج والعمرة نظام إدارة التفويج الذكي خلال مواسم الحج، لإدارة الحشود باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل حركة الحشود في كافة محطات قطار المشاعر والمسارات الرئيسية المؤدية لجسر الجمرات، كنظامٍ متكاملٍ لأول مرة هذا العام وربطها بغرفة المراقبة للتفويج للحفاظ على أمن وسلامة الحجاج.

ويستهدف المشروع تسهيل حركة الحشود في محطات النقل وخفض زمن الانتظار، إضافة إلى التحكم ومتابعة تدفق الحجاج في مشعر منى على المسارات كافة التي تمت تغطيتها بالكاميرات الذكية التي تستخدم لأول مرة في المشاعر المقدّسة كنظامٍ متكاملٍ لدعم اتخاذ القرار.