يمثِّل الحج رحلة إيمانية عظيمة تتطلب جهداً بدنياً وعضلياً كبيراً، إذ يقطع الحجاج مسافات طويلة سيراً بين المشاعر المقدسة وفي ظروف مناخية قد تكون حارة ومجهدة. وبينما يواجه جميع الحجاج هذه التحديات، يجد مرضى السكري أنفسهم أمام مسؤولية مضاعفة لحماية صحتهم، خصوصاً ما يتعلق بالوقاية من القدم السكرية التي تُعد من أخطر مضاعفات المرض. فالتغيرات في مستوى السكر الناتجة عن المجهود البدني، إضافة إلى احتمالية الإصابة بالجروح أو البثور أو الحروق نتيجة السير على أسطح ساخنة أو المشي حافياً، تهيئ بيئة مناسبة لظهور القروح التي قد تتفاقم سريعاً لدى من يعانون من اعتلال الأعصاب أو ضعف التروية الدموية.
ومن هنا تصبح العناية بالقدمين خلال الحج ضرورة أساسية لضمان سلامة الحاج، وليست مجرد إجراء وقائي ثانوي. فالقدم السكرية تُعد من المضاعفات المزمنة التي تهدد جودة حياة المريض، وقد تتطور إلى التهابات وتقرحات خطيرة إذا لم تُكتشف وتُعالج مبكراً، وتزداد خطورة هذه المشكلة خلال موسم الحج بسبب المشي الطويل، والوقوف لفترات ممتدة، والازدحام، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير نمط الغذاء والدواء والنوم، ما يجعل القدم أكثر عرضة للجروح والالتهابات.
وتبرز أهمية التوعية الصحية للحجاج مرضى السكري من خلال تعزيز ممارسات الوقاية، وتمكينهم من العناية بالقدمين قبل وأثناء وبعد أداء المناسك، كما تلعب برامج الإرشاد الطبي دوراً محورياً في الحد من المضاعفات عبر توجيه الحجاج إلى الفحص الدوري للقدم، اختيار الأحذية المناسبة، والالتزام بالخطة العلاجية.
وتولي وزارة الصحة السعودية اهتماماً كبيراً بصحة الحجاج، خصوصاً مرضى السكري، من خلال منظومة متكاملة تهدف إلى الحد من مضاعفات القدم السكرية. وتبدأ جهودها قبل وصول الحجاج عبر حملات توعوية دولية وإرشادات عبر منصاتها الرقمية، إضافة إلى نشر مواد توعوية متعددة اللغات في المنافذ الجوية والبرية والبحرية.
وخلال موسم الحج، توفر الوزارة عيادات متخصصة للقدم السكرية تعمل على مدار الساعة في مكة المكرمة والمشاعر، إلى جانب فرق طبية متنقلة تقدم الفحص والعلاج داخل المخيمات، وتشمل الخدمات فحص القدم بأجهزة حديثة للكشف المبكر عن الاعتلال العصبي وضعف التروية، علاج الجروح والتقرحات، توفير أحذية طبية، ومتابعة مستويات السكر، إضافة إلى النقل الطبي للحالات الحرجة. كما أطلقت الوزارة مبادرات وقائية مثل «حج بلا مضاعفات»، وبرنامج العيادات المتنقلة، وأسهمت هذه الجهود في خفض معدلات المضاعفات وتوفير بيئة صحية آمنة للحجاج.
حماية القدم
يؤكد استشاري أمراض الغدد الصماء والسكري والسمنة الدكتور عبدالرحمن الشيخ، أنه في حال واجه مريض السكري صعوبة في فحص قدميه بنفسه، يمكن لأحد أفراد العائلة أو الأصدقاء مساعدته في ذلك لضمان المتابعة الدقيقة. ويشير إلى أن هناك مجموعة من الخطوات الأساسية التي يجب الالتزام بها لحماية القدمين، وفي مقدمتها الفحص اليومي للقدمين للتأكد من عدم وجود تشققات في الجلد، أو جفاف شديد، أو جروح، أو تقرحات مفتوحة، أو بثور، إضافة إلى ملاحظة أي احمرار أو تورم أو مسامير قدم أو تكلسات أو مشكلات في أظافر أصابع القدم. ويشدد الدكتور الشيخ، على ضرورة إبلاغ الطبيب فوراً عند ظهور أي مشكلة في القدمين، دون تأجيل أو تريث؛ لأن التدخل المبكر يحدّ من المضاعفات، كما يؤكد أهمية المحافظة على نظافة القدمين وتجفيفهما جيداً، خصوصاً بين الأصابع، وفي حال كانت القدمان جافتين أو متشققتين يمكن استخدام مرطب للبشرة، مع ضرورة تجنب وضع المرطب بين الأصابع لتفادي الالتهابات الفطرية.
«القدم السكرية» أبرز التحديات
أوضح استشاري طب الأسرة عبدالله الزايدي، أن على مريض السكري فحص حذائه جيداً قبل ارتدائه، والتأكد من خلوّه من أي أجسام غريبة أو أماكن خشنة قد تتسبب في جرح القدم، ما قد يؤدي لاحقاً إلى معاناة صحية كبيرة، وشدد على أن هذه الخطوة البسيطة تُعد من أهم وسائل الوقاية، إذ إن أي احتكاك أو جسم صغير داخل الحذاء قد يسبب جرحاً لا يشعر به المريض بسبب اعتلال الأعصاب، ثم يتطور إلى مشكلة خطيرة.
وبيّن الدكتور الزايدي أن القدم السكرية تُعد من أبرز التحديات الصحية خلال موسم الحج، إذ يتعرض مرضى السكري لمشكلات متعددة في القدمين نتيجة المشي الطويل والازدحام والحرارة المرتفعة، وأكد أن المشكلات البسيطة قد تتفاقم سريعاً إذا لم تُعالج في الوقت المناسب، مشيراً إلى أن القدم السكرية تحدث غالباً بسبب تلف أعصاب القدمين (اعتلال الأعصاب السكري)، وهو ما يقلل الإحساس بالألم ويجعل المريض غير مدرك للجروح أو التقرحات التي قد تتطور دون أن يشعر بها.
مضاعفات خطيرة مع مرور الوقت
وكشف استشاري الباطنة أحمد المتولي أن عوامل الخطر المرتبطة بالإصابة بالقدم السكرية تتزايد مع مرور الوقت، خصوصاً عند إهمال العناية بالقدمين، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة. وأوضح أن احتمالية الإصابة بمشكلات القدم ترتفع بشكل أكبر لدى المرضى الذين يعانون من تقرحات حتى لو كانت بسيطة، أو عند تأخر التئام الجروح أو سوء حالتها.
وأشار الدكتور المتولي إلى أن تقرحات القدم تظهر غالباً في مقدمة الجهة السفلية من القدم، أو في باطن إبهام القدم، أو بين الأصابع، بينما تظهر التقرحات على جانبي القدم عادة بسبب ارتداء حذاء غير مناسب المقاس، أو عدم ارتداء الجوارب القطنية، أو عدم تجفيف القدم جيداً بعد غسلها.
وحذّر من أن إهمال علاج هذه التقرحات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الغرغرينا، وهي حالة تحدث عند موت الأنسجة نتيجة عدم وصول الدم بشكل كافٍ إلى الخلايا أو بسبب عدوى شديدة، وقد يستدعي العلاج في هذه المرحلة المتقدمة اللجوء إلى البتر.
وقدم الدكتور المتولي مجموعة من الإرشادات المهمة للوقاية والعناية بالقدمين؛ من أبرزها: التحكم في مستوى السكر بالدم، والفحص الذاتي اليومي للقدمين، والبحث عن أي آثار للجروح أو الكدمات أو مناطق الضغط أو الاحمرار أو مشكلات الأظافر، مع علاجها مبكراً، وفحص ما بين الأصابع بدقة، وغسل القدمين والتحقق من درجة حرارة الماء قبل الاستخدام، ثم تجفيفهما بلطف باستخدام منشفة، مع التركيز على تجفيف ما بين الأصابع. كما نصح بترطيب القدمين باستخدام كريمات مرطبة مع تجنب وضع الكريم بين الأصابع. وشدد على ضرورة إبلاغ الطبيب فوراً عند ظهور أي مشكلة في الأظافر، وارتداء جوارب واسعة ومريحة، وتجنب المشي حافياً لتفادي حدوث الجروح، والمحافظة على تدفق الدم إلى القدمين من خلال رفعهما قليلاً عند الجلوس.
ضرورة تعزيز الوعي الصحي
تظلّ القدم السكّرية تحدياً صحياً مهماً خلال موسم الحج، لما يرافقه من جهد بدني كبير وظروف بيئية قد تزيد من احتمالية حدوث الجروح والتقرحات لدى مرضى السكّري. ويؤكد ذلك ضرورة تعزيز الوعي الصحي بين الحجاج، وتكثيف برامج التثقيف الطبي التي تركز على الوقاية، والفحص المبكر، والالتزام بالعلاج. كما أن توفير خدمات طبية ميدانية متخصصة، وتسهيل وصول الحجاج المصابين بالسكري إلى الرعاية المناسبة، يسهمان في الحد من المضاعفات الخطيرة وضمان أداء المناسك بأمان. إن الاهتمام بالقدمين ليس مجرد إجراء وقائي، بل هو عنصر أساسي للحفاظ على صحة الحاج وتمكينه من إتمام رحلته الإيمانية دون عوائق.
