إبراهيم خفاجي
إبراهيم خفاجي


-A +A
طالب بن محفوظ (جدة) okaz_online@
بين النشيد الوطني وأغاني العشق مسافة مسكونة بالكلمات.. حين يكون للحرف مذاق الروح ورائحة تراب الوطن.. من أفواه الناس استمد معانيه وإلى آذانهم حمل كلمات الشعر.. فعرفوا أنه شاعرهم حين يعشقون وشاعرهم حين يمرون بين خط الوصل وخط الهجر.. ذلك هو شاعر الناس إبراهيم خفاجي (1345-1439). باح خفاجي الذي يصادف اليوم 24 نوفمبر ذكرى وفاته الثانية، بمشاعره وأحاسيسه وعواطفه شعراً وجدانياً، استدعى فيها الطبيعة الخلابة ونسج بها الصورة الخيالية بقصائد رقيقة تحمل لحناً وهمَّاً مجتمعياً، مستفيداً من المدرسة الشعرية الرومانسية بعاطفة إنسانية وفلسفة كلمة، وتذوق خيالي وقوة وصف، ونشوة عاطفية ورؤية جمالية؛ خيالاً وواقعاً.

قصائده الحبيسة أكثر من المطلقة، ونصوصه الشعرية بسهولتها وعذوبتها استمدها من المخزون الشعبي والموشحات الفلكلورية للبيئة السعودية، فشكلت القاسم المشترك للأصوات الغنائية السعودية والعربية؛ فأضحى رمزاً مخلداً في تاريخ الكلمة والطرب؛ شعراً غنائياً ملحناً منذ ولادته، بمقامات ونغمات متناسقة بين الكلمة واللحن. ولم يكن تحوله إلى «الشعر البيني» العامي والفصيح عجزاً عن مجاراة شعراء الفصحى، الذي لا يرفضه ولا يدعيه، بل يكتب شعراً مقفى ذا رنين غنائي موزون بهواية المغنى.

وباسترجاع سيرة صنَّاع الشعر الغنائي السعودي منذ الستينات الهجرية فإن «جواهري الأغنية السعودية» أول القائمة، في وقت كان الأدب والثقافة والفن اجتهاداً شخصياً، فتكونت بداياته الأدبية من مدارس الفلاح بمكة المكرمة، يتابع تثقيف ذاته وتهيئتها بالانكفاء على قراءة فنون اللغة والشعر والبلاغة والأدب العربي. وحين تلحف بالوطنية حباً وانتماء، كان «النشيد الوطني» سر إبداع شاعر الوطن بجمال روحه، وفيض مشاعره، صدح بها الوطن ورددها أبناءه في كل المحافل. سيرة «شاعر السلام الملكي» تُستحضر عندما تُعزف موسيقى «النشيد الوطني» ألحانها بـ «سارعي للمجد والعليا»، فيشعر بألم صامت، حين يلاحظ أن بعض الجيل الجديد لا يعرف مؤلف النشيد الوطني الذي يرددونه كل صباح في طابورهم المدرسي، فحكايته ليست قصة تُكتب وتُلحن؛ بل تركيب الكلمات على موسيقى صامتة بطريقة «السهل الممتنع» الذي لا يجيده كثير من الشعراء.. هي القدرة على صناعة كلمات تتراكب بموسيقي تعيش للزمن.