تدخل الحملة الأمريكية الجديدة ضد إيران مرحلة مفصلية، مع ما تسميه واشنطن بـ«عملية المنبوذ الاقتصادي»؛ وهي استراتيجية تهدف إلى دفع الدول والشركات إلى الاختيار بين التعامل مع طهران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي القائم على الدولار.

ويبدو أن الاختبار الحقيقي لهذه الحملة يتمثّل في مدى استعداد الولايات المتحدة لتوسيع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسات الصينية الكبرى التي تشكل العمود الفقري لتجارة النفط الإيراني.

«المنبوذ الاقتصادي» تُعيد تشكيل معادلة النفوذ بين واشنطن وبكين

تهديد مالي محسوب

ورغم لهجة التحذير التي استخدمها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في 24 أغسطس، لم تُعلن الإدارة الأمريكية حتى الآن إجراءات مباشرة ضد كيانات صينية كبيرة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لخوض مواجهة اقتصادية واسعة مع بكين. ويرى مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة أن نجاح الحملة لن يُقاس بحجم قائمة العقوبات، بل بمدى استعداد الولايات المتحدة لتطبيقها على المؤسسات المالية الضخمة، خصوصاً في الصين.

وتشير تصريحات بيسنت إلى أن واشنطن تمنح المخالفين مهلة زمنية للتراجع، في محاولة لخلق تأثير ردعي قبل تنفيذ العقوبات فعلياً. ويعتقد مايكل باركر، المسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أن الرسالة الأمريكية تهدف إلى دفع الحكومات والشركات الكبرى لإعادة حساباتها قبل أن تتخذ واشنطن خطوات أكثر صرامة.

«المنبوذ الاقتصادي» تُعيد تشكيل معادلة النفوذ بين واشنطن وبكين

الصين.. العقدة الأصعب

تظل الصين الحلقة الأكثر تعقيداً في هذه المعادلة، كونها المشتري الأكبر للنفط الإيراني. وقد حذّر بيسنت من أن «لا أحد بمنأى عن العقوبات الأمريكية»، مؤكداً أن أي مؤسسة تساعد في تحويل النفط الإيراني إلى أموال قد تُستبعد من نظام الدولار. لكن استهداف مؤسسة صينية كبيرة يختلف جذرياً عن معاقبة وسيط مالي صغير، وقد يفتح الباب أمام أزمة مالية أوسع.

ويرى الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ماكس ميزليش، أن وقف تدفق الأموال إلى إيران سيكون شبه مستحيل من دون مواجهة الدور الصيني. وأشار إلى تجربة بنك (كونلون) الذي حُرم من الوصول إلى الدولار عام 2012، معتبراً أن إعادة استهدافه قد يفرض ضغوطاً أكبر على الشركة الأم، المؤسسة الوطنية الصينية للنفط.

مخاطر تتجاوز الملف الإيراني

تكمن الإشكالية في أن استهداف بنك صيني كبير قد يخرج عن نطاق العقوبات على إيران، ليتحول إلى مواجهة مالية بين واشنطن وبكين؛ فالصين ترفض العقوبات الأمريكية الأُحادية وتعتبرها أداة ضغط سياسي، كما أن علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع طهران تتوسع باستمرار.

ويرى المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، جيم مولينكس، أن ردَّ الصين سيعتمد على حجم المؤسسة المستهدفة، مشيراً إلى أن بكين تستخدم أحياناً مؤسسات أصغر للتعامل مع الدول الخاضعة للعقوبات، ما يمنح واشنطن مساحة للتحرك دون تعطيل النظام المالي الصيني بالكامل. لكنه يحذر من أن عدم تعاون الصين قد يشجع أطرافاً أخرى على اتخاذ الموقف نفسه، ما قد يؤدي إلى تصعيد تدريجي يوسّع نطاق المواجهة.

«المنبوذ الاقتصادي» تُعيد تشكيل معادلة النفوذ بين واشنطن وبكين

انعكاسات على أسواق الطاقة

تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه حركة التجارة العالمية من اضطرابات حادة بسبب التوترات في مضيق هرمز. وقد تؤدي العقوبات الأوسع إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا ردت إيران باستهداف ناقلات النفط أو تعطيل الملاحة. ويرى خبراء أن تصريحات بيسنت قد تكون محاولة لتهيئة الأسواق لإجراءات مستقبلية أكثر تشدداً، وليس مجرد إعلان عن عقوبات جديدة.

معيار النجاح الحقيقي

ورغم أن واشنطن تتحدث عن «عزلة اقتصادية كاملة» لإيران، يرى محللون أن النجاح الحقيقي سيكون سياسياً أكثر منه مالياً. فبحسب مولينكس، قد تعتبر الإدارة الأمريكية الحملة ناجحة إذا دفعت إيران إلى العودة للمفاوضات، والقبول بترتيبات لفتح مضيق هرمز، والحد من تطوير الأسلحة وتمويل الجماعات المسلحة.

لكن قدرة العقوبات على تحقيق هذا الهدف غير مؤكدة، إذ أثبتت إيران قدرتها على التكيف عبر شبكات مالية وتجارية موازية، فيما لا تبدو الصين وروسيا مستعدتين للانضمام إلى حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن إضعاف النظام الإيراني دون إشعال أزمة اقتصادية عالمية؟ فإذا تمكنت طهران من إيجاد مشترين وبنوك ودول مستعدة لمساعدتها على الالتفاف على القيود، ستظل فكرة «العزلة الكاملة» بعيدة المنال. أما إذا قررت الولايات المتحدة أن إغلاق هذه القنوات يتطلب استهداف مؤسسات مالية صينية كبرى، فقد تتحول حملة الضغط على إيران إلى اختبار مباشر لحدود النفوذ المالي الأمريكي في مواجهة الصين.