إلى جانب أحدث التقنيات الحديثة في مجال العلوم الجنائية، يعرض جناح الأمن العام في المهرجان الوطني للتراث والثقافة «الجنادرية 33» دور «قص الأثر» في الكشف عن ألغاز بعض الجرائم، بهدف تعريف الزوار على ذلك.

وتعتبر مهارة قص الأثر من المهارات النادرة التي تميّز بها العرب منذ القدم، إذ اشتهر بعض أبناء البادية بالقدرة على تتبع آثار الأقدام والحوافر والخفاف وتحليلها والاستدلال على ما يتركه الإنسان أو الحيوان من أثر لاستنتاج صفات صاحب الأثر، أو معرفة مكانه أو مقصده.

وتعكس مهارات قص الأثر عبقرية الرجل البدوي في الجزيرة العربية، وعادة ما تبدأ المهارة مبكراً بالتعرف على آثار أقدام الأهل وأفراد العشيرة، ثم تتطور إلى أن يصل الماهر من القصاصين إلى معرفة أثر الرجل من المرأة والشاب من الشيخ والأعمى من البصير والثيب من البكر وجهة القدوم والمقصد.

وأصبح «قص الأثر» علماً في الوقت الراهن يُدرّس في أكاديميات الشرط ومراكز البحث الجنائي وحرس الحدود، إذ يتم تدريس مهارات التعرف على آثار الأقدام والأسس العلمية اللازمة لذلك، وتنمية قدرات المتدربين على تتبع الأثر ومتابعته وتزويدهم بأهم العلامات والسمات المميزة لكل فرد وبطريقه واتجاه سيره وتأثير المكان والظروف البيئية المحتملة على ذلك الأثر، إضافة إلى أهمية التصوير الفوتوغرافي في التوثيق والمقارنة وآثار الأقدام. تجدر الإشارة إلى أن الرحالة والمستشرقين خصصوا مساحات كبيرة في مؤلفاتهم للتعبير عن دهشتهم وانبهارهم بفطنة وفراسة قصاصي الأثر العرب، إذ عبّر الرحالة بيرترام توماس عن انبهاره ببعض مرافقيه الذين أروه آثار جرة لذلول كان يراها هو جرة كأي جرة أخرى لناقة أو جمل، وعرفوا من ذلك الأثر الرجل الذي كان يقود تلك الذلول بل وذهبوا أبعد من ذلك حين علم منهم أن الذلول «لقحة»!. أما الرحالة ويلفريد ثيسيجر المعروف بمبارك بن لندن فقد روى قصة عجيبة أثناء عبوره الربع الخالي، حين رأى أثراً ولم يكن واضحاً ما إذا كان لإنسان أم لحيوان لاختفاء معالمه بفعل الرياح، وقام أحد مرافقيه بتفحص الجرة سريعاً وتتبعها لمسافة قصيرة وأخذ بيده فتات بعر ثم ألتفت إليهم وقال إنهم 6 رجال من «العوامر» مروا من هنا منذ 10 أيام بعد أن نهبوا 3 من الإبل، وهو تحليل استبعد بن لندن حدوثه، ليتفاجأ هو ورفاقه في طريق العودة أنهم قابلوا أناساً من آل كثير أخبروهم أن 6 رجال من العوامر غزوا وقتلوا 3 رجال ونهبوا 3 إبل!.