يبدو لي أن الفكرة التي تقول بتأثير شعراء في شعراء آخرين فكرة وُلدت من فكرة «التشابه». فما يحدد مجال تأثير تجربة شاعر في تجربة شاعر آخر هو تشابه تجربتيهما. عندئذ بالإمكان القيام بالدراسة، لكننا نعلم جيدا أن الدور الأساسي الذي لعبه مفهوم التشابه في النقد العربي القديم كان دورا مربكا وملبِسا. كانت فرضية التشابه إمكانية أن يُفهَم إنجاز الشاعر اللاحق إذا كان الناقد على استعداد للعودة إلى الشعراء الذين سبقوه، واقتفاء كل تشابه بينهما.

قد يكون بحثا كهذا ممتعا لأنه ينبه إلى طرق الأصالة. بالإضافة إلى ذلك الدور الكبير الذي يؤديه إعادة التفكير وإعادة «الكتابة» حتى في أعمال لا تعترف بأي شعراء سابقين، ولا تخضع إلا لأعرافها. ونحن الآن نعرف النتيجة؛ سأكتفي منها بالقول إن مفهوم التشابه فشل في النقد العربي القديم في أن يفرق بين التأثر وبين السرقة وبين التناص.

يقدم مفهوم التشابه ما يفوق قدرته على أن يساعد الباحث على أن يصل إلى نتائج يمكن الوثوق بها بسبب مشكلاته التحليلية. وهذه مجرد أمثلة: عن أي تشابه نتحدث؟ هل يكمن التشابه في الصور الفنية؟ في مثل هذه الحالة قد لا يكون التشابه تأثرا إنما سرقة. هل يكمن التشابه في «تكنيك» القصيدة؟ في مثل هذه الحالة قد يكون التشابه تناصا. هل التشابه في اللغة الشعرية؟ لكن الشعراء جميعهم يتشابهون من ناحية أن كل شاعر يحاول أن يتجاوز لغة الحياة اليومية.

إننا نعرف أن القصائد أيا كان غرضها (مدح، هجاء، غزل.. إلخ..) وأيا كان شكلها (عمودي، تفعيلة، قصيدة نثر) تجيب عن أي سؤال يُعرض عليها. لكن القصائد تشبه متهما محنكا لا يجيب تلقائيا من دون أن يسأله المحقق، ولن يجيب إلا بما يتوافق مع نوعيات الأسئلة التي تعرض عليه. وقد كان سؤال التشابه من نوعية الأسئلة التي تتيح التملّص، وتتيح مجالا لمكر القصائد.

يذكرنا مفهوم التشابه أنه يمكن صياغة المفاهيم التحليلية بمفاهيم البلاغة (التشبيه من علم البيان، وعلم البيان جزء من البلاغة) لأن الغرض التحليلي لقصيدة ما لا يحتاج إلى أكثر من البحث عن تشابهاتها مع قصائد أخرى. وهكذا يصبح تحليل القصيدة انطلاقا من الإنتاج وليس من التلقي بحكم أن التشبيه مفهوم بلاغي ينتمي إلى إنتاج الكلام وليس إلى تلقيه.

وإذا كنت حقا أريد متابعة هذا النوع من التحليل الذي يذهب إلى أن الرؤيا الشعرية هي التي تفرق بين التأثير السطحي وبين التأثير العميق بين الشعراء فإن هناك حالة محتملة تستحق التحليل. وبإمكاني أن أوضح ما يدور في ذهني بالعودة إلى الأعراف الأدبية، وحين أعود إليها فإن ذلك لشعوري أننا يمكن أن نفهم التأثير والتأثر بطريقة جديدة.

إذا تتبعنا حالات الشاعر الجاهلي فإن رغبته في أن يقول شعرا متأتية من تجربة سابقة عليه في الشعر؛ فقد وقف امرؤ القيس على الأطلال لأن ابن حذام فعل ذلك. وبشكل عام يبدأ الشاعر الجاهلي بتقليد شعر سمعه، وهو ما يعني ما قاله الشعراء قبله، وهذا هو ما يُدعى عرفا أدبيا؛ أي طريقة في قول الشعر مقبولة من قبل المجتمع. وبعد أن يمارس هذه الطريقة زمنا طويلا سيتطور إحساسه بالشكل الأدبي من صميم معرفته بالشكل والتكنيك الشعري للقصيدة. وهذا يعني أن الشاعر لا يبدع من لا شيء، ومهما كان الشعر الذي قاله فإنه يقوله ضمن طريقة أدبية معروفة.

يمكن أن نفهم هذا بصورة أفضل لو أخذنا شعراء المعلقات. ففي كل معلقة من المعلقات هناك رؤية واحدة هي رؤيا الحنين إلى وطن مفقود في ضوء حل العربي وترحاله في صحراء الجزيرة العربية. هذا التأويل للرؤيا الشعرية لا يملك أحقية الحصول على امتياز كأن يكون تأويلا قاطعا بالصحة، إنما عليه أن يرضى بالتقريبية التي تميز (ربما) الافتراضية. ومع ذلك فحين نقرأ المعلقات هناك أصالة فريدة في إبراز هذه الرؤية في كل قصيدة من هذه القصائد.

من هذا الوضع الذي وضعنا أنفسنا فيه؛ لا نقول إن لا جديد في هذه القصائد سوى رؤية واحدة، إنما نقول: هناك رؤيا جديدة، لكن هذه الرؤيا الجديدة هي من نوع الرؤيا القديمة. فالأدب بشكل عام -يقول نورثروب فراي- كالطفل؛ فرد جديد، ومع ذلك فهو مثال لنوع شائع جدا، وهو الكائنات البشرية. ليس هذا من شأن الشكل الأدبي فقط؛ إنما أيضا ما يتعلق بالرؤيا الشعرية.

هذا من ناحية الرؤيا الشعرية أما من ناحية اللغة الشعرية فالحالة أوضح. فجميع الشعراء يقلدون جميع الشعراء «ومن الخطأ الاعتقاد أن الكاتب الأصيل هو النقيض المقابل للكاتب التقليدي. جميع الكتاب تقليديون لأنهم جميعا يواجهون المشكلة ذاتها وهي تحويل لغتهم من كلام مباشر إلى خيال». إذن لا يكون التأثر في اللغة الشعرية؛ لأن جميع الشعراء يحاولون الارتفاع فوق مستوى اللغة اليومية، ولا يكون التأثر في الشكل الشعري؛ لأن الجميع يخضع للعرف الأدبي المقبول من الجماعة الأدبية، ولا يبقى لنا لتمييز التأثر سوى الرؤيا الشعرية. فبالرغم من أن عنترة بدأ معلقته متسائلا عما لم يقله الشعراء قبله، إلا أنه نظم معلقته وفق عرف أدبي صرف سواء من ناحية اللغة الشعرية أو من ناحية بناء القصيدة الشكلي، وإن المرء ليضيع الوقت فيما لو راح يفتش عن الأطلال في حياة عنترة. ويقال هذا عن شعراء المعلقات الآخرين، فليس هناك تجربة بكاء حقيقية على الأطلال، ومع ذلك كانت تجربة البكاء الشعرية رفيعة.