كان من المفترض أن أكتب عن بطولة خليجي 27 ضمن سلسلة من المقالات المتتابعة، تواكب أحداثها ومنافساتها، لكن عقب هزيمة النادي الأهلي، ممثل الكرة الآسيوية، أمام فريق صن داونز، ممثل الكرة الأفريقية، وما صاحبها مباشرة من حالة من «المناحة الأهلاوية» والضجيج الصادر عن بعض الإعلام المحسوب على النادي، والذي كالعادة كان متناقضاً في بعض مواقفه، وفي مقدمتهم بطبيعة الحال «أسوأهم» تناقضاً وفي قلب الحقائق، فوجدت أن من الضروري التوقف عند هذا المشهد.
- فقد ظهر هو وغيره في حالتَي تشنج وانفعال، عقب منشور صدر من حساب نادي الاتحاد عبر منصة «إكس»، لم يتجاوز السطرين، وتضمّن النص: «اللعب فن.. صن أو حكم اتحادنا في سبتمبر»، مع صورة معبّرة عن هذا المعنى، طغى عليها اللونان الأصفر والأسود، شعار نادي الاتحاد، وليس شعار نادٍ آخر، ونتائج الفريق بدون أي هزيمة.
- هذا المنشور، الذي له علاقة بلعبة «البلوت»، كان كفيلاً بإشعال ردود الفعل خلال ثوانٍ، وكأن البعض لم يجد أمامه ما يشغله سوى تفسيره باعتباره سخرية من النادي الأهلي، لمجرد أن فكرته مستنبطة من اسم نادي صن داونز، بعد تفكيك مسماه، والمنسجمة في الوقت نفسه مع إحدى مفردات لعبة «البلوت»: «صن أو حكم»، وما يرتبط بها من قدرة اللاعب على إدارة مجريات اللعب.
- وبدلاً من أن نقرأ آراء تناقش بعقلانية أسباب الخسارة الأهلاوية، وضياع بطولة كان الفريق يطمح إلى تحقيقها، خصوصاً أن الفوارق المادية والفنية واضحة تميل أفضليتها لمين.. وكانت محل نقاش قبل المباراة، تحوّلت بعض المنابر إلى الحديث عن الاتحاد ومنشور حسابه، وكأنه القضية الأهم في المشهد.
- وبعد أن شاهدنا المستوى الفني للفريق المنافس، لم أشعر شخصياً بوجود ذلك الفارق الكبير، بل إن الفارق أراه قريباً من أندية الوسط بالدوري السعودي، والذي لا يمكن أن يفسر حجم الضجة التي سبقت المباراة، وما جاء من بكائيات «قلة الدعم» مع أن المباراة كانت في المتناول، لو أن الأهلي استثمر لاعبوه فرصاً محققة كان يمكن أن تغيّر مسارها.
- إلا أن هذا الإعلام «المشحون» بنار الخيبة، كما بدا من بعض ردود الفعل، وجّه جزءاً من خيبته نحو نادي الاتحاد وذلك المنشور، واعتبره سخرية من الأهلي، مع أن الجميع يعلم أن مثل هذه المناكفات أصبحت في الآونة الأخيرة جزءاً من التفاعل بين حسابات الأندية، وأن حساب النادي الأهلي نفسه سبق له ممارستها مع الاتحاد وغيره من الأندية.. فما الذي تغيّر؟!
- وإذا كان المنشور يُصنّف في إطار المداعبة أو «الطقطقة» المتعارف عليها بين جماهير الأندية، فهل تضمّن إساءة شخصية أو لفظية إلى أحد؟ وهل تضمّن تجاوزاً يستهدف جماهير الأهلي أو رموزه؟ الإجابة.. لا، وكلا، وألف كلا، ولا، وبما يطرح سؤالاً بديهياً وهو: ما دامت هذه المناكفات ليست جديدة، ومتعارف عليها في منصات التواصل، ولم يصدر موقف رسمي يمنع تداولها، فلماذا كل هذا الضجيج، وهذه المبالغة في الغضب والانفعال، وهذا التناقض في المواقف في الوقت نفسه؟
- الإجابة، من وجهة نظري، ببساطة: تحويل الانتباه وتشتيت جماهير الأهلي والإعلام الرياضي عموماً عن مناقشة الأسباب الحقيقية للخسارة، فالفريق أهدر فرصاً محققة، وخرج من بطولة كان يطمح إلى تحقيقها، ولذلك كان الأجدر أن يكون النقاش منصباً على أداء المدرب، وقرارات الجهاز الفني، وأداء اللاعبين، ودور الإدارة، وإعلام الضجيج والمظلومية، بدلاً من تحويل منشور اتحادي إلى قضية تتصدّر المشهد.
- ولهذا وجدت بعض الأصوات ضالتها في نادي الاتحاد وذلك المنشور، باعتباره «فرصة» مناسبة لإشغال الجماهير الأهلاوية بدلاً من الحديث عن الفرص «الضائعة» بمنشورات «تدغدغ» مشاعرها تجاه المنافس والغريم التقليدي، وربما «تخفف» من وطأة ألم الخسارة والخروج المر، ولعل العنوان الأكثر اختصاراً للمشهد هو: «الحمراء صعبة.. قوية يا أهلي»، خصوصاً بعد أن فشل الفريق في محاولتين متتاليتين في الوصول إلى اللقب رغم سهولة تحقيقه.
- تذكرني منهجية بعض الإعلام المهتم بالشأن الأهلاوي، وبالذات بعض الأصوات «المتقلبة» بما كان يحدث أحياناً مع النجم الأهلاوي السابق حسين عبدالغني خلال فترة لعبه، حين كانت بعض المواجهات يجد فيها فريقه مهزوماً تشهد منه احتكاكات أو مشادات في الدقائق الأخيرة، فتتجه أنظار الجماهير والإعلام إلى تلك الأحداث، وما تثيره من ردود فعل، بدلاً من التركيز على أسباب النتيجة نفسها ودوره في ذلك الإخفاق؟! ما أعنيه أن الفكرة واحدة، عندما تطغى قضية جانبية على أسباب الخسارة، يصبح من السهل أن يبتعد النقاش عن أصل المشكلة.
- على كل حال، قد تكون لعبة أو محاولة ذكية، استخدمت على مستوى منصة «إكس»، وتم إجهاضها في حينه، بينما كان المشهد في البرامج الرياضية مختلفاً؛ إذ ذهب التناول في أكثر من اتجاه، وظهرت آراء تحليلية ونقدية حاول بعضها تشخيص مسبّبات الخسارة بين المدرب والإدارة واللاعبين، بينما ذهب البعض الآخر، كالعادة، إلى مساحة «المظلومية».
- همسة أخيرة:
بروح رياضية، وإن كان نادي الاتحاد قد أصبح «جسراً» لتخفيف آثار الهزيمة، وفضيحة النخبوي بـ«صن وحكم» صدر في نهار شمس ساطعة شديدة الاحمرار لنعتبره سبباً مقبولاً، وكما يقولون «الجار للجار»، وأيضاً «لأجل عين تكرم مدينة»، وتاريخ أنديتنا جميعاً حافل بالمواقف والمناكفات الرياضية، وبالذات أنصار النخبوي يقدرون حقوق الجيرة والجار، وبالذات في الأوقات الصعبة، والأهم ألا تتحوّل المنافسة إلى ما هو أبعد من ذلك، مع الأخذ في الاعتبار المثل الشعبي «من قدّم السبت يلقى الأحد»، لكن رجاءً ثم رجاءً لا تنسوا، حافظوا على «مثاليتكم» ونشوف هل تعلمتم من درس «البلوت» وما عاد تعيدوها؟ «إن غداً لناظره قريب».


