لا يحتاج أي شخص أن يكون خبيراً مالياً أو اقتصادياً أو إدارياً أو قانونياً لكي يقول رأيه في الفضيحتين المدويتين اللتين أعلنت عنهما مؤخراً هيئة السوق المالية السعودية، والمتعلقة بشركتين كبيرتين مدرجتين في السوق. أي شخص لديه مقدار بسيط من القيم الدينية والأخلاقية لا أكثر يستطيع أن يقول رأيه في: (التلاعب، التضليل، الاحتيال، الغش، الكذب، الخداع، التدليس)؛ لأنها ذنوب تحرمها كل الديانات، وآفات أخلاقية ممقوتة في أي شكل من أشكال التعاملات بين البشر، فكيف عندما تكون نتيجتها إلحاق الضرر النفسي والمادي بأعداد كبيرة من الناس وهم يفقدون أموالهم التي اعتقدوا أنها تدار بأيدٍ أمينة، وإذا بهم يكتشفون أنهم عصابات من الفاسدين والمحتالين والنصّابين.

ثمانية وعشرون رأساً في شركتين شهيرتين تمت الإطاحة بهم خلال أقل من 48 ساعة. في الشركة الأولى تمت إحالة 17 مشتبهاً من كبار مسؤوليها السابقين والحاليين إلى النيابة بتهم جسيمة بعد التحريات الدقيقة، وسوف تظهر لاحقاً نتيجة التحقيق والأحكام التي سوف تصدر بحقهم. وأما في الشركة الثانية فقد صدر القرار القطعي بالإدانة ضد 11 شخصاً في مجلس الإدارة ولجنة المراجعة، وتضمن القرار غرامات مالية بلغت نحو 18 مليون ريال، ومنع عدد من الأسماء من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية لفترات تصل إلى عام كامل.

ومنذ انفجار الفضيحتين المتعلقتين بشركة «سينومي ريتيل» وشركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية/«السعودي الألماني الصحية» وهما حديث المجتمع في منصات التواصل، وهو حديث تشوبه الخيبة والاستياء والتساؤلات الكبيرة حول استطاعة الشركتين الاستمرار في مخالفاتهما رغم تكاثر الشبهات حولهما. وعلى سبيل المثال فإن قرار إدانة مسؤولي شركة السعودي الألماني الصحية كان على مخالفات بين 2018 و2021، أي خلال أربعة أعوام فقط، والله أعلم ماذا حدث قبلها وبعدها، ورغم أن بعض المختصين في هذا المجال قد أشاروا علناً في أوقات سابقة إلى المخالفات الفاضحة التي تمارسها هذه الشركة، فأين كانت هيئة السوق المالية وهيئة مكافحة الفساد والنيابة العامة عن كل ما أثير آنذاك.

ورغم تقديرنا لضبط ما كان يحدث في هاتين الشركتين إلا أنهما بالتأكيد لا تكشفان سوى رأس جبل الجليد الذي ما زالت تتخفى تحته كثير من الشركات، فهل نستبشر بأن مرحلةً تصحيحية جديدة صارمة قد بدأت، تحدّ من العبث والاستهتار والإضرار بسمعة سوق المال وجاذبية الاستثمار في المملكة، وتحفظ حقوق المساهمين الصغار الذين تحولت أموالهم إلى أرصدة المساهمين الكبار، وهل سنرى عقوبات مغلّظة تناسب الجُرم الذي يرتكبه أمثال هؤلاء المحتالين.

في بلدان أخرى هناك عقوبات شديدة تصل إلى غرامات باهظة، ومنع تام من العمل في هذا المجال، وأحكام بالسجن لمدة قد تطول، ولكن ما نشاهده من عقوبات لدينا إلى الآن لا يبدو كفيلاً بردع المخالفين. المحتال الثري من نهب أموال الناس لا يستحي من فضيحة التشهير، ولا تهمه غرامة تافهة بالنسبة لثروته، ولا إيقاف مؤقت عن ممارسة العمل يعود بعده أكثر شراهة. دعونا نقول للمحتالين: «كفاية دلع»، كما قالها أحدهم ذات نصيحة.