كان للملاحق الثقافية دور رئيس في تصويب اعوجاج الحركة الأدبية، والتصويب يأتي من خلال مناقشة أي انحراف واستضافة المعنيين لإبداء آرائهم فيما يحدث ، وربما تدنى مستوى تلك الملاحق ، وأصبحت أقرب للمجاملات أو أنها تتطرق للمواضيع التي ليس بها حصحصة للحق ، وإنما أقرب للمهادنة، أو اليقين أن ليس هناك من يقرأ ، وفي كل الحالات عليها ألا تتخلى عن دورها الرئيس في تقويم أي اعوجاج ، وسبق وأن كتبت مقالة بعنوان: أين هي الملاحق الثقافية من هذا؟


كنوع من التنبيه لما يحدث من تسيب، والتهاون مع الإبداع ، فهل بالإمكان إخراج مبدع من خلال التجارب المختبرية التي تُجرى عليه لتحسن موهبته الناقصة ، أو المعدومة ؟ أنا ميال إلى التصديق ، وصدق المثل الشعبي الشهير: (الديك الفصيح من البيضة يصيح) ، أي أنه ليس بحاجة إلى تعليمه الصياح.


إزاء هذه التغريدة ، تداخل بعض المعنين بالشأن الأدبي ، بين مؤيد، ومعارض لفحواها ، وإن اجتمع الكل على أهمية وجود الموهبة في الأساس ، ومن هناك تبدأ مسؤولية المبدع في صقل موهبته ، وتثبيت أقدامه في الساحة الثقافية كمبدع حقيقي .. أحد الأصدقاء (من أدباء البلد) بعث إليّ برأيه، طالبا عدم ذكر اسمه، ومعللا أن الساحة لم تصل إلى مرحلة تقبل النقد، وإن حاججته ، بأن عمر الساحة ليس صغيرا أو مراهقا، فكانت إجابته على طرف لسانه، بل هي في حالة مراهقة كون جل الشباب يكتبون ولم يصلوا إلى ماوصلنا إليه من حصانة ضد النقد، ولم يصلوا إلى اقتناع بان لكل إنسان رأي خاص به لا يعمم ، ورأيه ليس لاغيا لأحد .. وكانت رسالة هذا الصديق الأديب جديرة بالوقوف عليها، وتحويلها إلى قضية أدبية في الملاحق الثقافية .


وهذا نص رسالة الصديق الأديب إذ بدأ بقوله: (وفق ذائقتي أعترف أن مستوى الإبداع الروائي المقدم حاليا متدنٍ للغاية.


وإن عمقت اعترافي سوف أجمع الأغنية، والشعر، واللحن في هذا التصنيف، وأرى أن المتسبب في هذا، حدوث فصل، أو قطيعة ما بين ما تم إنتاجه سابقا، ولاحقا..


وليس في هذا لوما، وإنما تقرير حالة ، والتأكيد إن لكل زمن إبداعه الخاص به، سواء أكان له خصوبة الاكتمال، أو شح أرض (تملحت).


وهنا انتهت رسالة صديقنا الأديب، ومطالبته بعدم ذكر اسمه هي حالة نكوص، وتجرد من المسؤولية الأدبية .


ومع ذلك لنضع سؤالاً كبيراً حملته الرسالة ، لماذا لا يتم مناقشة ضعف المنتج الإبداعي ، وهو سؤال مقيد بالذائقة، واختلافها ، ويصبح السؤال الأكثر تحرراً بان الذائقة تتغير بتغير الزمن وأدواته ، وللزمن أناسه الذين يعبرون عن حياتهم وتجاربهم بما يليق بهم وليس بما يليق برجال الزمن السابق، وهذه عقدة تنشأ من هذه الجدلية ، تؤكد أن الأدب الرفيع يظل رفيعا بالاستشهاد بأن الأدب الجاد الرفيع ظل عابرا للزمن ، خالدا لا يُنسى، وهذا الرأي في جدلية الحوار يسقط بالتذكير أن الأدب الخالد لم يكن في زمن أو فترة زمنية واحدة ، فكل فترة تنتج أدبها ، ومن يأتي لاحقا هو من يثبت الرفعة أو الانحطاط .. كل هذا الأسئلة وإجاباتها جديرة بحوارية بين الشباب أنفسهم.


وربما أقترح عودة التقويم من قبل من شهدت لهم الساحة الإبداعية بالإتقان بحيث يتم إجازة المواد الإبداعية من قبلهم كجواز عبور لمن أبدع في أي حقل من حقول الإبداع، ربما يكون اقتراحا غير مجد لكن ليس بيد من يفزع لنوعية الإبداع الساري سوى التمني.. ربما تستكين إلى أن لكل زمن ذائقة لا تتناسب مع الذائقة السابقة، ويصبح الأمر يستوجب السكوت .