أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

كيف يمكن لك أن تعيش من جديد ؟

السأم، أو الملل، أو الضجر كلها مرادفات تنتهي بمفهوم الضيق، وتفقد البعض الاهتمام بما هو عادي، ومكرر. وكل كلمات التخفيف تنشف من غير أن تترك بللاً لمن تواسيه، نحن ندور في فلك ينتهي العمر وما زلنا ندور فيه؛ ولذا علينا التخلص من ضجرنا، فما هو حادث حادث، ولن تصل بعمرك القصير إلى تصفية كدر الدنيا، ولكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن.. جملة قلتها ذات يوم، وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع. البعض منا يعيش حياة باردة، وعادية، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوقك بالمثالية المثلى في التناسق والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعادها، وظروفها، ويكون البعد الرابع هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة، الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً يغيب عنا، ويظهر جلياً حين تتفرد بذاتك، أو من خلال رواية أو لحن، أو فيلم، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسد فناً يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال المنشئ للرواية أو المجسد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن اجتث المكررات الخبيثة التي عشت بها، الفن يمنحك حيوات أخرى، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك ومن يختلف عنك ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن وصية صادقة حين تكتشف أن لك حياة متخيلة لم تعشها بعد، والانتقال إليها يحتاج عمراً إضافياً. نحن نحتاج أعماراً إضافية لكي نعيش وفق الصورة المجسدة قرائياً أو بصرياً أو شدواً، هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.


أكتب هذه المقالة بعد مشاهدة فلم «برا المنهج» الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم تدفعك للخروج من تلك الخصلة وتصويب حياتك على قضبان الصدق، والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك ولم تصل إليها لأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيش الحياة المتخيلة التي لم تعشها، ويصبح السؤال: كيف يمكن أن أعيش من جديد.

منذ يومين

خلطة النهائي

البارحة الأولى كان حدث ختام كأس العالم شاغل الناس.


العالم أجمع نسي كل شيء، وتعلّقت الأبصار على شاشات التلفاز، ويبدو أن العالم الإسلامي والعربي، أكثر من ركزوا أبصارهم في الشاشات فقط لرؤية دموع (ميسي)؛ لكي يقارنوا بين انسكابها عند حائط المبكى وبين انسكابها على هزيمة منتخبه أمام الإسبان.. مباراة البارحة اختلطت فيها كل المشاعر والانتماءات، اختلاط يظهر أنه كروي إلا أن بداخله السياسي والرياضي والاجتماعي كانت مباراة المراهنات، فالأرجنتين تم مرورها وسط مراعاة وحفاوة لكي تصل إلى المباراة الختامية، وبسبب تلك المراعاة كسبت حنق وعداوة الجماهير حتى إذا وصلت إلى النهائي كانت مشاعر الجماهير العالمية تحمل لها حقداً وأماني بأن تهزم شر هزيمة.


وما حدث في هذه الدورة ألّب الناس على الفيفا تأليباً يبدو أنه خفي إلا الإمعان في المراعاة ظهر ذلك التأليب كخصلة رئيسة لكأس العالم؛ لأن جميع دول العالم شاركت به، وكل من خرج في الأدوار المختلفة حمل ضغينة معينة ظلت تتنامى، وانفجرت في المباراة النهائية، كان الانفجار وديعاً، انفجار حام في الصدور ونفث عدم الرضا، ولو فازت الأرجنتين لكان الغضب عارماً، ذلك الغضب استطاع الإسبان تخفيفه على طول أشواط المباراة حيث أظهروا السيطرة بنسبة 80%؜، تلك السيطرة مكّنت العالم من رؤية لاعبي المنتخب الأرجنتيني في حالة الاستسلام واليأس لفقد الكأس ومع صفارة الانتهاء كانت اللقطات تسرق ملامح (ميسي) ونظراته، ملامح تذرف الدمع على ما مضى، كل ما مضى، يسقط على ملعب ضج بالجماهير، وداع ما مضى وترحيب بكل ما هو آتٍ على قدمي لامين يامال.

00:00 | 21-07-2026

أنت طبيب نفسك..

الكائن الحي، في حالة متغيّرة في كل حين، وقد وصلتُ إلى قناعاتي المتأخرة بعد زمن طويل من القراءة، والبحث، والمقارنة حول ما كان يعترض نفسي من إشكالات ثقافية أو دينية، في مستويات سنّية مختلفة، مع يقيني بأنني في كل يوم أكتسب فيه معرفة جديدة سأكون في شأن معرفي متغيّر.

وقد تعلمتُ مبكراً أن العلوم الإنسانية قابلة للرفض أو الاقتناع، ومهما كانت العلوم الإنسانية مختلفة التوجهات يمكن لك الارتهان لما وصلت إليه من قناعة تخصك، ومع القراءات العديدة تحصّنت بقاعدة الشك، هذا المحرك الذي يجعلك في حركة دائبة للبحث، والتقصي، ولم أعد أرتهن لمعطيات أي معرفة ما لم ألجأ لقراءة الفكرة ونقيضها، وأستل لنفسي قناعة خاصة ربما أرتهن إليها لفترة، وإذا ظهرت معارف جديدة تنقض ما اطمأنت إليه النفس سرعان ما أقتفي (الديالكتيك) في البحث عمّا يناقض الفكرة المستحدثة و(الديالكتيك) ليس بشرطية الفيلسوف هيجل، وإنما بما يوصلني إلى قناعة تمكّنني من الاستقرار النفسي -حتى لو كانت لفترة وجيزة- وإن اعتراني الاهتزاز بالفكرة المتأخرة، فليس لدي مانع من البدء في البحث من جديد.

وإذا أدرجنا مفهوم الاقتناع بأنه حالة خاصة، يمكن وضع مفهوم الإيمان بأنه حالة خاصة أيضاً، ولهذا ليس من حق أي إنسان السعي إلى اهتزاز قناعات الآخرين، ويمكن أن يكون له الحق في إيضاح فكرته، هذا من أجل تأسيس جدوى الكتابة، أو نشر الوعي، أو نقض الأفكار، وهذه هي الرسالة التي على المثقف النهوض بها، وتعميمها، أو إشاعتها، من غير إجبار الآخرين على الاقتناع بما كُتب.

طرأ في بالي هذا الأمر، وأنا أشاهد برنامجاً دينياً لأحد الشباب الذي أخذ في إعادة الأقوال، والأحداث التاريخية التي تم نقضها بالأدلة الدامغة.

وكنت وما زلت أطالب بتنقية الموروث الكتابي من الشوائب التي التحمت به على أن ما حدث هو الحقيقة المطلقة.

أصررت -بيني وبين نفسي- أن هذا الطلب غير ممكن حدوثه لأسباب عدة، قد يكون أهمها أن الناس ليسوا نسخة واحدة، ومع ذلك ثمة حقيقة اجتماعية تؤكد أننا نجتر ثقافة ماضوية بصحيحها وأخطائها من غير تمحيص أو تدقيق أو معرفة (قطعية الدلالة أو ظنية الدلالة)، والمطالبة بهذه المعرفة؛ كي لا يجتر هذا الجيل ما قمنا باجتراره عبر سنوات طويلة.

هنا، تذكرت المثل الشعبي الشهير (كل يعيش بعقله)؛ ولأني أؤمن بأن الإيمان حالة خاصة، وبجوار هذا الإيمان التأكيد بأن نتاج البحث العميق، يوصل المرء إلى إيمانه الخاص، أما قضية (إيمان العواجيز) كما كان يقال فقد بليت هذه المقولة.

الجدة، كل الجدة سلوك طريق البحث، وهو مطلب لمن يعتريه أي شك، فالعجز كان ملائماً لزمنية (إيمان العواجيز)، لكن الآن ليس لمثل هذا القول مكان من الإعراب، فالزمن تحوّل إلى ناصح أمين يؤكد أن البحث هو منجاة لأي شك يعتري أي إنسان، والباحث تجده في حالة تنقلات إيمانية وفقاً للمكابدة البحثية الدائمة التي يعيش بها.

أرى أنك في أمان نفسي كلما جد بحثك عما يقلقك كمعرفة فكرية سواء ارتبطت بالتاريخ أو الأفكار المتشابكة، وأخيراً، وكما يقال للعليل (أنت طبيب نفسك).

00:03 | 20-07-2026

مما لا شك فيه!

ثمة لزمة لفظية عند البعض تتحوّل إلى يقين كامل من غير التحرّز في التأكيد على ذلك اليقين، ومن الأمثلة التي أود التطبيق عليها قول البعض: «ومما لا شك فيه». وهذه الجملة ينفي قائلها أي اعتراض أو استدراك أو خلل أو خطأ في ما يقوله، بمعنى أنه يقول الحقيقة المطلقة، وفي هذا الإصرار تتداعى بقية الحقائق المناقضة لقوله الذي يؤمن به إيماناً مطلقاً.

- فهل القائل صادق أم مدعٍ؟

ولكي لا نعجل بالإجابة فلنتريث قليلاً.

أولاً، لا يمتلك أحد حقيقة جامعة، فكل الأمور مُجزّأة، فمن يمتلك جزءاً لا يمكنه الحكم على بقية الأجزاء التي يمكن لها أن تكون نقيضاً للجزء المحمول في ذهنية المتكلم، وبهذا فكل قول يظل ناقصاً (مقترباً أو مبتعداً عن الحقيقة)، فلماذا يكون الإصرار على جملة (ومما لا شك فيه)؟

فهل يكون القائل دعيّاً أم كاذباً؟

فإن كان دعيّاً يصبح جهله حجراً يلقم به، وإن كان كاذباً ترديده لأي قول يوصله إلى صفة كذوب، والكذوب لا يحمل قوله إلى أدنى مراتب التصديق.

في السابق كنت أسقط حكم أي شخص يستخدم هذه الجملة أو مثيلاتها، ويكون حكمي أن صاحب تلك الجملة يبتعد عن الصدق بفراسخ ضوئية عن الحقيقة، ومع الأيام، ومرور الزمن وجدت أنني كنت سريع الحكم (وهي صفة من صفات الحمق)، فما الذي تغيّر في سرعة أحكامي؟

الذي تغير في مكوناتي الثقافية بأن كل إنسان يمتلك حقيقة خاصة به، حتى ولو كان قوله خطأً من وجهة نظر من يحاوره أو يستمع إليه، فالحقائق لها عدة أوجه، هي حقائق نسبية، فهناك إنسان، وقفت ثقافته عند محطة بعينها، وأصبحت أقواله أو آراؤه مجمدة عند تلك المرحلة التي توقفت معارفه عندها، فهل نعجل بالقول إنه دعي أو كذوب؟

وما بعدها يعتبر خارج الحقيقة بالنسبة إليه، وما يقوله من حقائق (خاصة به) تُعتبَر لدى من تجاوزه ثقافياً مجرد ترهات.

وبين المتيقن في قوله والرافض لذلك القول تسكن نسبية المعرفة، فصورة الحقيقة في أذهاننا ليست على هيئة أو شكل أو صورة موحدة، الحقيقة قيمة أو تعريف أو يقين ساقط في كل حين، ساقط لدى الآخر، ومثبتة لدى القائل، وبهذه المراوحة تتبدل الحقائق جزماً، ونفياً، أي أن الحقيقة لا يمتلكها فرد أو جماعة، فالحقيقة الخاصة يصوغها الفرد، وفق مداركه، وفي داخل المجاميع يمكن هضم مقولاته، وضياعها بين المقولات الكثيرة، فالمجاميع تتحرك دفعة واحدة وفق الرأي المتسيد والأعم، ويصبح وجود الفرد بمقولاته حالة فردية، لا يتوقف أحد لسماع تلك المقولات، وإن حملت معرفة أو رأياً مخالفاً ربما ومع مرور الزمن يمكن الإيمان بها وتكتسب حركة جماعية.

حركة المجاميع تعتمد على ما يتلاءم معها في بعدها المعرفي مكتسباً الرضا.

ومعضلة الرأي المتشدد، أنه لا يقبل بالاختلاف، ويصر على أن الحياة تسير في مسار واحد، مؤكداً على (مما لا شك فيه)، وهذا اليقين الأعمى يسقط حينما يتفرّس بأن للحياة مسالك عديدة، وأن المسلك الذي تسير فيه المجاميع هو الطريق النافذ لكل من سلكه من خلال الرضا والعمل على تنمية الحياة بسهولة ورخاء.

وعلى رأي الكبار في حكمتهم «من رضي عاش».

23:35 | 15-07-2026

نجدة..

ولأن الحال لا يزال على ما هو، أجد نفسي توّاقاً لإعادة ما كتبت.


أعرف تماماً أن تكاليف الحياة باهظة، وأيضاً شهوة الشراء مرتفعة جدّاً في زمن الاستهلاك المميت حتى إن الإنسان يدخل نفسه في قروض بعيدة المدى توصله إلى الضيق أو السجن، ومثل هذه الحالات لا بد من إيجاد آلية معينة تقود الناس إلى مفهوم الترشيد أو خلق نمط معيشي شعبي يحقق الحد الأدنى من الاستهلاك أو إحداث مكنة إعلامية تحارب الاستهلاك المفرط الذي يقود الفرد أو الأسرة إلى حياة استهلاكية تنتهي بحياة القرض وتسديد القرض، وفي هذه الزاوية كتبت مقالاً بعنوان «بيع الجمل يا علي وأشتري مهرٍ إلي!»، مقالاً يشير إلى وصول الاستهلاك مداه، وفي المقابل لهذا الاستهلاك أوجد التجار أو المؤسسات الربحية أفكاراً تدعم هذا الاستهلاك بصورة فاحشة، والكارثة أن المؤسسات سهلت قضية الاقتراض بصورة تفشت لدى الأطفال أو المراهقين، أتذكّر أنني كنت في جلسة وديعة حضرها الأطفال والمراهقون وكذلك ذووهم..


دار الحوار حول اندفاع الشباب والأطفال لشراء ما يريدونه من غير الحاجة للسلعة المشتراة، وقصور دخولهم عن تغطية ثمن تلك السلع. إحدى (المفعوصات) قالت: ما دام هناك (وذكرت منصات) تعطيك قرضاً من غير فوائد فلا مشكلة!


واكتشفت من خلال الجلسة أن جل الحاضرين (من الشباب والأطفال) يشترون بالاقتراض حتى وإن كان السداد على دفعات ومن غير فوائد إلا أن النتيجة في المحصلة العامة تدخل في باب الخطر الشديد على حياة هذه الفئات، ولو تذكرنا طفولتنا كانت النصيحة الأولى لا تبدأ حياتك بالاقتراض، واكتفِ بمد (كراعينك) بما يتناسب مع لحافك، ويبدو أن الشباب خرجت أقدامهم من تحت كل اللُّحف حتى وصلت إلى شوارع المولات المختلفة.


أعرف تماماً أن الحياة غدت مكلفة، وباهظة التكاليف (كما قلت)، وأن ظاهرة الاستهلاك عمت وشاعت، وليس أمام الناس إلا باب وحيد، هو باب الاقتراض، فاندفع الناس زمراً وأفراداً نحو ذلك الباب، ومع ذلك الاندفاع لم يعد مهماً ارتفاع نسبة الاقتراض ما دام الفرد يستطيع تحقيق رغبته في الشراء.. وهذه الرغبة أصبحت شاحنة تهرس الناس على قارعة الطريق.. وأعتقد أن الدعوة إلى الترشيد لن يسمعها أحد، فداء الاستهلاك عطّل كل الحواس. نعم، ارتفعت نسبة الاقتراض، وارتفعت معها نسبة الاستقطاع؛ ونتيجة هذا الوضع السالب تنعكس على حياة الناس كحياة مخنوقة بالديون لسنوات طويلة، والأمر يحتاج إلى رجال الاقتصاد لاستخراج الحلول التي يمكنها استقرار حالة الفزع الممكن حدوثها في الحالة المعيشية للناس، وهذا يستوجب تنبيه المستشارين للتدخل لإبقاء الأنفس مطمئنة من خلال الحلول التي تحمي حياة الناس من الارتهان للقروض.


وإذا كان الاستقطاع ثلث الراتب خلّف خلفه بقاء الأفراد للسنوات طويلة مساجين من أجل السداد للبنوك، طبعاً ليس سجناً عاماً كما تشير الجملة، وإنما السجن استعارة لضيق منافذ الحياة بسبب الدين، وتتضاعف المشكلة حينما يغازلك بنك ما بأنه سيقرضك ما دام راتبك يمكن له احتمال دين إضافي.


هذه الحالة مرت على الكثيرين، الاقتراض والسداد، وتكملة الشهر في حالة اختناق، ويأتي الراتب ليطير في عدة أيام، مرت هذه الحالة بأناس كثر، الجديد أن الأطفال في حالة اقتراض من تلك المؤسسات المفتوحة على الغارب، طفل يقترض ويسدّد من مصروفه الخاص إن كان له مصروف، بمعنى آخر أن الأبناء مساجين لهذا الاقتراض، فحالة الاقتراض اتسعت لتصل إلى أطفال ما زالوا في السنوات الأولى من حياتهم.. أليس هناك من حل لآفة الاستهلاك، والاقتراض لحاجة ومن غير حاجة؟


والله والله ثم والله الحالة تخرج نفسك من تجويف صدرك!

00:11 | 15-07-2026

الفقد

هل الغياب في مظهريته اللفظية، محركٌ للوجود، أم بمعنى أدق محركٌ للمعنى؟

الغياب له مرادف آخر يتركز في الفقد، أي الفقد المادي بأي صورة كانت.

فما الذي يحدث بعد ذلك الفقد أو الغياب؟، إنها حالة إنسانية تقود إلى التعمّق لمعرفة ماهية الأشياء أو الأفراد لديك، هناك فقد لا يثير نوازع الأسى، ويدخلك في تجاويف الخسائر المعتادة في مسالك الحياة، وهناك فقد يزلزلك، ويؤدي إلى عواقب وخيمة لا يشعر بها إلا أنت.

فهل يكون الفقد دماراً مؤقتاً أم لحظة تأمل لاختيار مسالك أخرى لمواصلة السير في هذه الحياة؟

وما الذي يحدث إن كان دماراً أو تأملاً؟

ليبقى السؤال معلقاً لحظة.

الحياة ستواصل حركيتها غير معنية بمن توقف، فالتوقف نوع من أنواع الاستسلام والقبول بالدهس، (والدهس هنا صورة مجازية) تعني البقاء في مكانك كنقطة تعبرها الأشياء من غير اكتراث.

ويختلف أثر الفقد إن كان فقداً فردياً أو جماعياً، فأثره على المجموع بحاجة إلى آليات ضخمة تخفف من وطأة ذلك الفقد؛ ولأن المجاميع لا تحمل حالة نفسية واحدة، وإنما مشاعر مختلفة في تقبل الفقد بنسب تتفاوت لتصل إلى مرحلة تلاشي الشعور بذلك الفقد.

لنقف بسؤالنا عند الفرد ذاته، هو يعرف أن سنّة الحياة الرئيسة قائمة على الرحيل، والرحيل حالة من الفقد، هذا اليقين المعرفي والحياتي من لا يرضى به يعطل نفسه، نعم في البدء يصاب بحالات متعددة تبدأ بالجزع، ولا تنتهي بالتأسف على ذلك الفقد..

ومن هنا يغدو الفقد حالة إنسانية صرفة، قد تصيبك بالاهتزاز أو رفض الواقع والبحث عما فقدت.

وإن لم تجد ما يوقف اهتزازك ولم تجد عوضاً لما فقدت، كيف تكون حياتك؟

لا يستطيع الفرد أن يغيّر عجلة مسيرة الحياة؛ لأن حياة المجاميع تتحرك بكتل ضخمة لا ترتهن لرغبة الفرد، فالفرد مسمار صغير جدّاً في آلة هائلة الضخامة، ويمكن لها الاستغناء عن ذلك المسمار أو استبداله.

وهنا يمكن للفرد الارتضاء بفلسفة يعيش من خلالها؛ لكي يسترد وجوده، أي فلسفة تمنحه البقاء حتى لو كان في الحد الأدنى من الوجود الفاعل.

فقط على هذا الفرد أن يعمل شيئاً ذا فائدة حتى ولو كان المردود ضئيلاً من هذا الوجود، وأعتقد أن فلسفة العدمية لا يمكن أن تعطيه أي مفهوم للوجود.

إذاً، من يدفن نفسه على سطح الأرض؛ بسبب حالة الفقد، أرحم له أن يدفن نفسه في باطنها.

00:01 | 14-07-2026

لب الحكاية..

لا تتعب نفسك فيما حدث قديماً، فقد أوغلت في الموروث التراثي من خلال أمهات الكتب، وكل حدث تقال عنه عشرات المقولات التي لم تصوب ما كان خاطئاً، ولم تلغِ ما تم تثبيته حدثاً.

كما أن السابقين لهم يقين معرفي (يتناسب مع ظرفهم الحياتي آنذاك)، وتمرير أي حدث يحمل في طياته الأسباب المقنعة التي ارتضى بها القوم، ومن اعترض أدى اعتراضه إلى مذبحة تاريخيّة جرّت معها أحداثاً جساماً، وتوالت الأحداث القاهرة، والذي يحدث الآن هو اجترار لخطيئة تاريخيّة ليس هناك مجال للتصويب، فكيف لمرء قارئ أن يصوب مئات الأحداث.. كيف؟

نحن قراء لمسيرة الأحداث عبر التاريخ، أنا وأنت وهو قرّاء ولسنا مصوّبين لما حدث.. وأعتقد أن الاختلاف والخلاف حول ما حدث قديماً ليس له قيمة فعلية، وأعتقد أن تصويب الحوادث الماضوية، هو القفز عليها واعتبارها إرثاً درس بتعاقب مئات السنوات، ومن الحمق أثارته في زمن وظرف متغيّرين تماماً عن حياة تسعى إلى المستقبل.. وهذا ما يحدث، مؤثراً على الحياة الآنية.

ذلك الزمن الماضوي له أخطاء تسد عين الشمس، ومن الحكمة الانطلاق نحو البناء، وهذا يقتضي (تصفير) العقل لكل ما حدث، والبدء من جديد لبناء هذه الأمة التي قطعت نفسها، فكلما مشيت للأمام، تعود لتذكر ماضيها الميت.

هذه رسالة لشباب الأمة، عليهم أن يتوقفوا عن ترديد واجترار الأحداث الماضوية، فالحياة الآن لها أدوات مغايرة قادرة على البناء المغاير لما سبق أن عاشه الأجداد.

الدافع لهذه النصيحة، وجود شباب دعاة يجترون تلك الأحداث، والبحث عن الصواب والخطأ، وبعضهم يسرد أقوالاً على أنها صائبة ويحملون الأطراف الأخرى اتباع ما هو خطأ. أشفق على هؤلاء الشباب في استعادة مسرحية كل فصولها ما هي إلا حكاية متفق عليها، وليكن الاتفاق ما هو إلا تاريخ مسجل لن يستطيع أي مشاهد تغيير لب الحكاية.

00:05 | 13-07-2026

بحاجة (فيشة) للسينما..

مع السماح للسينما بالانطلاق، كان يشاغلني مهمة توفير كل الاحتياجات السينمائية للعاملين في هذا النشاط الفني، وفي حوارات طويلة مع الصديقين خالد ربيع وممدوح السالم، في كيفية توفير هذه الخدمة، لكل المنشغلين في الجانب السينمائي، ولعدم توفر رأسمال يحقق تلبية وتنفيذ هذه الرغبة، كنت ملحاً لإنجاح هذه الفكرة، ولأن متطلبات السينما كثيرة، ومتعددة، كنت أقول لهم علينا أن نقوم بدور (الفيشة) الكهربائية، ضارباً مثلاً بدولة الصين، إذ كانت بدايتها إيجاد وسيط بين المنتجات العالمية، باختراع عنصر تقني يكون وسيطاً بين المنتجات الضخمة لتسهيل استخدامه في كل بلد ومع كل الأجهزة.

هذا الكلام مضى عليه سنوات، وتم إهماله وسط مشاغلنا المختلفة، وفي البارحة فرحت كثيراً، إذ إن الأستاذة أمل حجار، خرجت بفكرة تحقق تلك الرغبة، تقف على فكرة بديعة وسعت لتطبيقها من خلال مؤسستها (إنتاج) عبارة عن شبكة ربط متكاملة لعالم السينما، بحيث تربط شركات الإنتاج المحلية، والعالمية، والكاست، والكرو، والمواهب، ومزودي الخدمات، وهذا يؤدي إلى سهولة الوصول إلى فرص العمل، ويسرّع عمليات الإنتاج، ويخلق شراكات إستراتيجية مع مزودي المعدات، والخدمات.

وأعتقد، أن الأستاذة أمل حجار استطاعت كشف النقص المهول لهذه الصناعة، ولأنها كاتبة سيناريو وكذلك منتجة، عرفت كيف يمكن سد فراغات تحتاجها السينما بصورة ضرورية.

وأكاد أجزم، أن هذه الفكرة سوف تساعد وتساهم في إنجاح كثير من المشاريع الإنتاجية التي تدعم الأفلام السينمائية.

00:03 | 9-07-2026

تأشيرة الباقات السياحية.. خطوة ناضجة وأثر كبير

في صناعة السياحة الحديثة، لم تعد المنافسة تدور حول امتلاك أجمل الشواطئ أو أروع المعالم التاريخية فقط، بل أصبحت تدور حول سؤال أكثر بساطة وعمقاً: «كم خطوة يحتاجها السائح ليصل إليك؟»، فالنماذج الناجحة في السياحة العالمية عملت على تقليل تلك الخطوات، حتى أصبحت الرحلة تبدأ بضغطة زر، لا بسلسلة طويلة من الإجراءات والطلبات.


ومن هذا المنطلق، تبدو «تأشيرة الباقات السياحية» التي أعلنتها وزارة السياحة مؤخراً أكثر من مجرد خدمة جديدة لإصدار التأشيرات إلكترونياً، وهي الخطوة التي أنجزتها الوزارة من قبل عام 2019، بل تعكس هذه المرة تحولاً في فلسفة التعامل مع السائح، من التركيز على «إجراءات الدخول» إلى تصميم «رحلة متكاملة» تبدأ منذ لحظة اتخاذ قرار السفر.


الميزة الأبرز في هذه الخدمة أنها تعيد هندسة تجربة السفر بأكملها، حيث تربط التأشيرة مباشرة بحجز باقة سياحية متكاملة تضم الطيران والإقامة، ما يمنح السائح شعوراً بالثقة بأن جميع عناصر رحلته أصبحت جاهزة في إجراء واحد، مما ييسر السفر إلى المملكة للأشخاص المؤهلين من الدول المختارة، ويعكس توجهاً يعتمد على تحليل الأسواق والطلب المتوقع وزيادته، بما يسمح بقياس النتائج وتطوير الخدمة قبل تعميمها على نطاق أوسع.


اقتصادياً، لا يمكن النظر إلى برنامج تأشيرة الباقات السياحية باعتباره وسيلة لتسهيل إصدار التأشيرات فحسب، بل باعتباره أداة لتحفيز الإنفاق السياحي. فعندما يحجز الزائر رحلة متكاملة منذ البداية، فإن ذلك يعني استفادة سلسلة واسعة من القطاعات في وقت واحد؛ من شركات الطيران، إلى الفنادق، ووكالات السفر، ومنظمي الرحلات، والنقل، والأنشطة الترفيهية. إنها منظومة اقتصادية مترابطة تتحرك مع كل حجز جديد، وهو ما يعزز القيمة المضافة للقطاع السياحي في المملكة ويزيد من مساهمته في الاقتصاد الوطني.


ومما لا شك فيه أن هذا البرنامج يمنح دفعة قوية لشركات ووكلاء السفر والسياحة المعتمدين، ليتحولوا من مجرد وسطاء للحجوزات إلى شركاء رئيسيين في تصميم تجربة الزائر. وهذا يفتح المجال أمام ابتكار برامج أكثر تنوعاً، يمكن أن تجمع بين السياحة البحرية والجبلية والثقافية والترفيهية، وتطيل مدة إقامة السائح، وهو أحد أهم مؤشرات النجاح في صناعة السياحة عالمياً.


أما القيمة الحقيقية لتأشيرة الباقات السياحية إنها تعكس نضجاً متزايداً في إدارة القطاع السياحي، إذ لم يعد التركيز منصباً على زيادة أعداد الزوار فقط، بل على تحسين جودة التجربة، ورفع مستوى الرضا، وبناء انطباع إيجابي يدفع الزائر إلى العودة مرة أخرى، وإلى توصية غيره بزيارة المملكة.


وفي الوقت الذي تتنافس فيه الوجهات العالمية على اجتذاب السياح عبر التسهيلات الرقمية والخدمات الذكية، تأتي تأشيرة الباقات السياحية لتؤكد أن المملكة لا تواكب هذا التحول فحسب، بل تعمل على توظيفه بما يتناسب مع مستهدفاتها السياحية والاقتصادية. فالسياحة اليوم ليست مجرد زيارة لمكان جديد، بل تجربة تبدأ منذ أول نقرة على شاشة الهاتف، وكلما كانت البداية أكثر سهولة، كانت النهاية أكثر نجاحاً.

00:23 | 7-07-2026

الأنمي سلاح سينمائي مفجع..

كل شيء يمكن حدوثه، وتقلبات الأيام تأتي بواقع لم يكن واقعاً بل تخيلاً، ونشاط الآلة، يحدث تراكماً تقنياً، يغير القناعات، فما كنا نقول له لا تصدق ما يقال، الآن نقول: لا تصدق ما تسمع أو ترى.. فالذكاء الاصطناعي أدخلنا في دائرة الشك في ما يحدث يومياً. هذه التقنية سطت على الفنون مجتمعة، وليس في هذا القول أي رفض، إنما دعوة للدخول لمعرفة أسرار هذه التقنية، وكيف يمكن الاستفادة منها.

* *

فيلم «أنمي» يستجلب الواقع

تباشير إحلال الروبوت محل الإنسان أصبح خبراً ممكناً، فمع الطاقة الجبارة في استخدام التقنيات الحديثة أصبح أي خبر يشير إلى مسح الوجود المادي للإنسان غير محفز لزيادة ارتفاع نبض القلب.. كنت أسير في دهليز هذا اليقين، ولم يخطر في بالي يوماً أن أبكي تأثراً من مشاهدة فيلم كرتون، فما رسب في الأعماق أن هذه الأفلام لا تعدو كونها أفلاماً أُنتجت لسلوة الصغار، بالأمس كانت الدموع حاضرة، ومدرارة وأنا أشاهد فيلم «أنمي»، أفلام الأنمي هي أعمال الرسوم المتحركة اليابانية، وأنمي اختصار من كلمة أنميشن الإنجليزية، الدالة على أفلام الكرتون.. وكما يحدث الآن من سرعة تبدل المفاهيم، لم تعد تلك الأفلام مجرد أفلام كرتون ينظر إليها نظرة دونية، بل أصبح لها موقع متقدم في السينما العالمية، وأخذت تنافس للحصول على المراكز المتقدمة في المهرجانات العالمية، وبعضها حصل على الأوسكار..

أوقات كثيرة، (وفي مختلف سنوات العمر)، شاهدت عشرات أفلام الكرتون ذات الطابع المتخيل الذي يتماشى مع مخيلة الطفل، تلك المخيلة المنطلقة التي لا تقف عند حد، والعاشقة لاختراق الواقع؛ لكي تثبت ضمنياً، أن خلف الواقع واقعاً مختلفاً عمّا نحياه، إلّا أن أفلام «الأنمى» استشعرت أن الواقع تم السطو عليه، فأراد منتجوها إعادتنا إلى الإنسان بحزنه وأمانيه، ومن شاهد فيلم الأنمي المعنون بـ«مقبرة اليرقات» سيسكن الواقع ويتفاعل مع شخصيات الفيلم، شخصيات كرتونية استطاعت جذبك إلى واقعها المجسد للنزعة الإنسانية في ضعفها، وألمها، وانكسارها.

فيلم «مقبرة اليرقات» مأخوذ من رواية الكاتب الياباني نوساكا (المتوفى 2015)، وقد حصدت الرواية على جائزة «ناوكي» الأدبية.. وظلت الرواية سجينة الورق والذكريات، إذ إنها كتبت في عام 1967 إلى أن تم الالتفات إليها حينما تحوّلت إلى فيلم أنمي عام 1988، ليكون الفيلم استرجاعاً لعظمة الرواية المكتوبة.

وبعيداً عمّا قيل عن الروائي وشاهدته لزمن الحرب العالمية الثانية وعلاقته بأخته التي أساء لها في الواقع، وحينما كتب الرواية اعتذاراً لما سببه لها من الآلام، فإن الفيلم قدّم اعتذاراً مديداً لتلك الطفلة التي ماتت وهي في شغاف قلب كل من شاهد الفيلم.

أريد التأكيد على أن صناعة السينما أو الدراما (في العالم)، كانت الرواية هي الطاقة الحيوية لتلك الأفلام، ولصناع السينما لدينا تنبيه لقراءة منتجنا الروائي، فبه كنوز من الشخصيات الإنسانية القادرة على استنهاض الإبداع لدى مخرجي السينما المحلية.

00:07 | 6-07-2026