أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

«ثانٍ».. أسباب فشل مهرجان البحر السينمائي

سبق أن كتبت مقالاً عن أسباب فشل مهرجان البحر الأحمر السينمائي عن أهدافه في تنمية الكوادر السعودية في المجال السينمائي، فهناك من يقول عفا الله عما سبق. ليكن كذلك، لكن من الضروري تلافي الأخطاء الجسام، التي حدثت في الدورات السابقة للمهرجان، ولكون الإدارة جديدة (أعتقد فقط الرأس بينما جلُّ العاملين لم يطرأ عليهم تغيّر)، لذلك نواصل كتابة الملاحظات التي اعترت مهرجان البحر الأحمر.

وقد حقق المقال السابق تفاعلاً من المنشغلين بالسينما، وأضاف بعضهم نقاطاً لم ترد في المقال السابق، لذا سأذكر بعض الملاحظات على شكل نقاط، لنبدأ:

- الممثلون أنفسهم يدعون كل سنة، وكأنّ الصناعة فقط ممثلون، فأين الكتّاب والمخرجون والمنتجون الذين هم وقود الصناعة السعودية؟

- ⁠لجان التحكيم تفتقد لسعوديين لديهم باع طويل في الإنتاجات السعودية، ويتم الاكتفاء بممثلين وممثلات تتكرر أسماؤهم بشكل لافت.

- ⁠صحيح أن المهرجان عالمي في السعودية، لكن من ضمن أهدافه انخراط الصُنّاع مع الضيوف العالميين والحديث معهم وفتح آفاق تواصل إلّا أن الضيوف العالميين يحضرون الافتتاح والحفلات الخاصة، التي لا يتم دعوة الصُنّاع السعوديين فيها ويحرمون من هذه الفرصة.

- ⁠الشللية واضحة، والكل يتحدّث عنها، لكن دون حوكمة واضحة تسمح لدعوة كثير من الصُنَّاع.

- ⁠تقديم الحفل في أرض السعودية، والمقدمون السعوديون من الصناعة كثر وتزخر بهم ساحاتنا وقنواتنا، لكن إصرار عجيب أن يتم تقديم حفل الافتتاح كل سنة باستقطاب مقدمين من خارج السعودية دون مبرر، فالحضور العالمي يحضر ليستمتع ويستمع لصُنّاع الدولة المستضيفة وتقاليدهم وثقافتهم.

- ⁠سقوط كثير من الأسماء السعودية في الصناعة، الذين لديهم أعمال قوية على الساحة من أسماء المدعويين مقابل أسماء سعودية وعربية ليس لهم إنجازات مسموعة وبعضهم يحضر وينتقد وهم في دولهم ليس لهم أعمال من عشرات السنين، ولا يضيفون أي قيمة للصناعة في الوقت الحالي، إضافة لمشاهير السوشال ميديا الذين يحضرون ويملأون المقاعد وغيرهم أولى بها.

- نريد مهرجاناً ثقافيّاً يثري الحركة الثقافية الفنية وليس للصور فقط، فالإعلاميون كفيلون بتغطية هذا الحدث.

- ⁠نريد حفل افتتاح يبرز ثقافتنا وهويتنا للحضور العالمي، وليس راقصي لوحة فنية مستوردة في الوقت الذي تشارك فيه وزارة الثقافة ثقافتنا وفنوننا في محافل عالمية في نيويورك وباريس ولندن نرى حفل افتتاح بفقرات غربية لا تمثلنا.

- للأسف كثير من الصُنّاع أصبحوا يخافوا من النقد البنّاء لما يسمى حالياً بالقائمة السوداء التي ممكن تجعلهم في خانة المغضوب عليهم من كل المحافل،

وثمة ملاحظات تتمثل في عدم الاهتمام بالتواصل مع الجهات المختلفة المعنية بصناعة السينما، وعدم التواصل يعني عدم التجاوب مع المعنيين، فربما فكرة تأتي إدارة المهرجان تغفل عن التواصل مع صاحبها، ويضاف إلى ذلك إذا تم الاتفاق مع جهة بعينها يتم قطع التواصل وعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه،

ويغدو المرء أو المؤسسة غير قادرة على معرفة ما سيحدث معهم، وإلى أين وصلت الأفكار التي تم الاتفاق عليها.

بعد هذا، أقول إن مهرجان البحر الأحمر السينمائي حقّق الشهرة العالمية، وماذا بعد، شهرة من غير استفادة للشباب السينمائيين المحليين، أن تقدم شهرة من غير استفادة أشبه بالمثل ذائع الصيت «أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً».. وسلامتكم..

منذ 20 ساعة

ماذا قال المخرج عبدالله المحيسن؟

في إحدى المشاركات الأدبية -في دولة عربية- كان عنوان المشاركة (المركز والأطراف في الثقافة العربية)، فوجدتها فرصة لأن أعيد حواراً (على هامش ذلك المهرجان) دار بين عدد من المشاركين في المهرجان، وكنت اعتبر أديباً من دول الأطراف، وغالباً كان يقال إن دولتنا تمثّل الرجعية، وكان المتحدث أحد أدباء دول المركز، نظام الحكم في دولته جمهوري يمثله العسكر، وبعد أن زاد وأفاض عن الرجعية ونظام الحكم الوراثي، طلبت منه أن أتحدث عن أنظمة الحكم في العالم، وذكرت له أكثر من عشر دول نظام حكمها وراثياً ملكياً تنتقل فيه السلطة بيسر وسهولة من غير ثورات وقلقلة البلاد، وذكرت له عشرات الأنظمة الجمهورية التي جاءت من خلال الانقلاب والثورات، وطلبت منه المقارنة بين استقرار تلك الدول ونموها.

أغلب الدول الجمهورية العسكرية فاشلة، وقد دمرت مكتسبات دولها، أما عن الرجعية فمن يحمل لواء التنوير فهي الدول التي كان يطلق عليها الدول الرجعية، وقد أثبت الواقع أن الشعارات القديمة سقطت، وأن مفهوم دول المركز والأطراف تغيّرت تماماً، حتى أن دول المركز سقطت وأصبحت دولاً تتصف سياسياً بأنها دول فاشلة (وكلمة دولة فاشلة لها معانٍ كثيرة أهمها أنها دولة عاجزة عن النهوض)، وأن ما كان يطلق عليها دول الأطراف غدت دولاً حاملة لواء النمو والحداثة معاً، ومواطنوها يعيشون في رغد العيش.

لماذا أتذكر ما حدث سابقاً في زمن مفهوم المركز والأطراف؟ حدث ذلك حينما استمعت لكلمة المخرج السعودي عبدالله المحيسن حينما تم تكريمه في مهرجان (مالمو) السينمائي في السويد في دورته الـ16، والتكريم جاء تتويجاً لمسيرته السينمائية المبكرة. وحين تحدّث المخرج عبدالله المحيسن في تكريمه السينمائي، وصفت مقولاته الواقع وما حدث في المملكة من الاستفادة من التجارب العربية وتلافي أخطاء تلك الدول، وأثبتت أن المملكة وانتقالها السياسي منذ عهد الملك عبدالعزيز، وصولاً إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده وصلت إلى الرؤية المستقبلية للدولة، واستطاعت نقل المجتمع في مأمن رغم المتغيّرات السياسية الكبيرة، واستطاعت نقل المجتمع ضمن دائرة النمو والارتقاء، ذاكراً أنه كان شاهداً لتجمع الخبراء من جميع الدول العالمية للاستفادة من خبراتهم؛ كي تكون المملكة ضمن الدول المتقدّمة في الجانب التقني، حتى أنها خصّصت هذا العام لأن يكون عام الذكاء الاصطناعي. وقال المخرج عبدالله المحيسن الكثير عما فعلته الدولة ضمن رؤية 2030 بقيادة الأمير محمد بن سلمان؛ لكي تكون المملكة في مقدّمة دول العالم.

قوله ذكّرني بما بدأت به المقال، وهي حقيقة يعززها الواقع.. الآن ثُبُتَ أن المملكة هي مركز العالم العربي، بل هي مركز عالمي يسعى الجميع لأن يكون شريكاً مع بلادنا في المشاريع الضخمة في جميع مستويات المعيشة والتقنية العالمية.

ولا أشك أن مفهوم المراكز الثقافية العربية سقط واقعاً، وغدت السعودية مركزاً ثقافيّاً واقتصاديّاً وتقنيّاً.

00:01 | 23-04-2026

موات.. يحييه الفن سلماً وحرباً

الحروب أداة تقليم البشرية، وفي أي حرب تُخلف أنقاض من الناس إما قتلى أو مهجّرين، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (هل يأتي الفن من رحم الدمار؟). وإن كان السؤال يشير إلى تمجيد الأعمال التي كتبت عن الحروب بعد انتهائها، منطلقاً من أن للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب في الاستحواذ على كل شي، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في السلام، يتقدم إلينا الناعقون، فهناك من يشتكي من هزال الفنون، ويرون أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة، وفي هذا الرأي (شطط التطرّف أو أنه تدليس محض)، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة!

وليفرح أولئك المنادون بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية وبين الدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة، وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء أو جزء من هذه الخارطة الجغرافية.

وليس من الفطنة الدخول إلى فرن عالي الحرارة كي نؤكد أن الحرب تنتج فنّاً عظيماً.

وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركّز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية، كما أننا لسنا في حاجة إلى لوحة تشكيلية تمتدح الحرب، أو ترفضها، ولسنا في حاجة لمشاهدة مسرحية فجة لتدمير العالم.

نعم، الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب عربة خشبية، كما أننا لن نُخدع بروايات تُوصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا)، فالأعمال الفنية الخارجة من أتون الحروب أبشع تمثيل لها ما يفعله حيوان (الضبع) الذي يعيش على الجيف بينما لا يكون له دور أمام الأحياء، أو يكون أشبه بعمل (المتسبب) الباحث في الانقاض عن أي شيء يجده ليبيعه.

فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار -حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوناتها الرئيسية دم متلبد.

وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) إبّان الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأتِ منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسّس لومه؟، لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب؛ لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.

كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزيّن مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.

وكلما ابتعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عما كتب عن كوارث الحروب.

الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة -التي يمكن لها أن تصبح شاملة- إلا أن ما ستنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمسّهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.

نعم، ستخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سيحمل منتجوها أوصافاً وألقابا ابداعية، وسترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني -في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيّرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليس هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.

الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة فالأحداث الجارية -في حينها- غير إنسانية البتة.

ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون منتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟

هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتبلد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم

بذكر أفلام أو روايات جسّدت تلك الكارثة الإنسانية، فسيأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني، وتستطيع دفع السؤال بالتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة فهي دفانة لها. فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟

السؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان؟ فعمرها مديد، ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض. الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت)، كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:15 | 20-04-2026

من أَفشل مهرجان البحر الأحمر؟   

الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬موسم‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬السينمائي،‭ ‬الذي‭ ‬يذهب‭ ‬ويأتي‭ ‬بنفس‭ ‬السياق‭ ‬والأخطاء،‭ ‬هل‭ ‬يحق‭ ‬محاسبته‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬مضى؟‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬بأثر‭ ‬رجعي،‭ ‬فقد‭ ‬فرحنا‭ ‬كثيراً‭ ‬بمهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬خيّب‭ ‬فرحتنا،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬نقول‭ ‬سوف‭ ‬يعالج‭ ‬زلاته‭ ‬المتكررة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أمعن‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬تلك‭ ‬الزلّات،‭ ‬فمن‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬إيقاظ‭ ‬تلك‭ ‬الغفلة؟‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أني‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬معارضاً‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المهرجان،‭ ‬لكن‭ ‬وجدت‭ ‬الكثيرين‭ ‬يحملون‭ ‬الآراء‭ ‬المحتجة‭ ‬للمهرجان،‭ ‬والكثيرين‭ ‬أيضاً‭ ‬يُعرضون‭ ‬عن‭ ‬إبداء‭ ‬آرائهم‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭. ‬

ولأن‭ ‬قاعدة‭ ‬من‭ ‬ينتقدني‭ ‬هو‭ ‬ضدي،‭ ‬كف‭ ‬المتابعون‭ ‬والمنشغلون‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السينما‭ ‬عن‭ ‬انتقاد‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬مقالتي،‭ ‬وإنما‭ ‬آراء‭ (‬مخرجة‭ ‬سعودية‭) ‬وجدت‭ ‬عنتاً‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المهرجان،‭ ‬وسوف‭ ‬أبدأ‭ ‬بآرائها،‭ ‬فقد‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬السلوكيات‭ ‬الماضية‭ ‬فضحت‭ ‬إدارة‭ ‬المهرجان،‭ ‬وسوف‭ ‬أعرضها‭ ‬كرأي‭ ‬واحد‭ (‬من‭ ‬آراء‭ ‬كثيرة‭ ‬سوف‭ ‬أتابع‭ ‬نشرها‭ ‬لاحقاً‭).‬

‮«‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬تكررت‭ ‬حالات‭ ‬إقصاء‭ ‬الأفلام‭ ‬السعودية‭ ‬خلال‭ ‬دوراته،‭ ‬رغم‭ ‬إسهام‭ ‬صنّاعها‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المملكة‭. ‬كما‭ ‬يتكرر‭ ‬رفض‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬دون‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬أو‭ ‬نقد‭ ‬فني‭ ‬مهني‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه‭. ‬هذا‭ ‬التكرار‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬كحالات‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬كنمط‭ ‬يعكس‭ ‬خللاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬المستقل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستخدام‭ ‬الدعائي‭ ‬أو‭ ‬التوظيف‭ ‬الرمزي‭.‬

الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬الفني،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬تُكافئ‭ ‬الاستعراض‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التجربة،‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬النجومية‭ ‬المستوردة‭ ‬بدل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مسار‭ ‬مستدام‭ ‬لصنّاع‭ ‬السينما‭ ‬السعوديين‭. ‬تُصرف‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬على‭ ‬الواجهة،‭ ‬بينما‭ ‬يُهمَّش‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬الذي‭ ‬راكم‭ ‬خبرته‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الجاد،‭ ‬أو‭ ‬يُستدعى‭ ‬كحضور‭ ‬شكلي‭ ‬لا‭ ‬كصاحب‭ ‬مشروع‭ ‬ورؤية‭.‬

ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬مع‭ ‬سيطرة‭ ‬عقلية‭ ‬شللية‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مفاصله؛‭ ‬حيث‭ ‬تتكرر‭ ‬الأسماء‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬الترشيحات،‭ ‬والجوائز،‭ ‬واللجان،‭ ‬والورش،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مغلقة‭ ‬تُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬عام‭. ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الشللية،‭ ‬وفي‭ ‬تهميش‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬نافذة،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كفاءته‭ ‬أو‭ ‬تاريخه‭ ‬المهني‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬ليس‭ ‬سراً،‭ ‬بل‭ ‬ملاحظة‭ ‬شائعة‭ ‬بين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬السينمائي،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إقصاء‭ ‬التنوع‭ ‬الحقيقي،‭ ‬ويُضعف‭ ‬مبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬ويحوّل‭ ‬المنصّة‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬اكتشاف‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭.‬

ويتجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬تنظيمية‭ ‬داخل‭ ‬المهرجان‭ ‬تخلق‭ ‬تصنيفاً‭ ‬طبقياً‭ ‬داخل‭ ‬الفعاليات‭ ‬نفسها؛‭ ‬حيث‭ ‬تُقسَّم‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬بطاقات‭ ‬الـVIP‭ ‬والمساحات‭ ‬المغلقة،‭ ‬بما‭ ‬يضع‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬مُحرِجة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحمل‭ (‬البطاقة‭ ‬الصحيحة‭)‬،‭ ‬وكأن‭ ‬حضوره‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إذن‭ ‬إضافي‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬مخصص‭ ‬له‭. ‬

والأكثر‭ ‬إشكالية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬يكرّس‭ ‬مسافة‭ ‬مصطنعة‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬وبين‭ (‬المشاهير‭) ‬الذين‭ ‬صُرفت‭ ‬عليهم‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة،‭ ‬فيُمنع‭ ‬الاختلاط‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ويُرسَّخ‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬المبدع‭ ‬السعودي‭ ‬عنصر‭ ‬ثانوي‭ ‬داخل‭ ‬حدث‭ ‬يُقام‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬وباسمه‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬تنظيم،‭ ‬بل‭ ‬مسألة‭ ‬كرامة‭ ‬ثقافية‭.‬

الأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬السعودي‭ ‬لا‭ ‬يُكرَّم‭ ‬بوصفه‭ ‬ابن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ولا‭ ‬يُحتضن‭ ‬بوصفه‭ ‬حاملاً‭ ‬لذاكرة‭ ‬وثقافة‭ ‬وتجربة‭ ‬معاصرة،‭ ‬بل‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يُقابَل‭ ‬بالشك،‭ ‬أو‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬هويته،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬منجزه‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أطلب‭ ‬استثناءً،‭ ‬ولا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬مجاملة‭. ‬ما‭ ‬أطالب‭ ‬به‭ ‬هو‭ ‬عدالة‭ ‬مهنية‭ ‬حقيقية‭: ‬معايير‭ ‬واضحة،‭ ‬شفافية‭ ‬في‭ ‬الاختيار،‭ ‬وإعطاء‭ ‬الفرص‭ ‬العادلة‭ ‬بين‭ ‬المبدعين،‭ ‬واحترام‭ ‬للتجربة‭ ‬المتراكمة‭. ‬فالعالمية‭ ‬لا‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬تنطلق‭ ‬منها‭. ‬وأنا‭ ‬مخرجة‭ ‬عالمية‭ ‬من‭ ‬بلدي‭ ‬السعودية،‭ ‬لا‭ ‬ضيفة‭ ‬عابرة‭ ‬ولا‭ ‬واجهة‭ ‬مؤقتة‭.‬‮ ‬

السينما‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالسجاد‭ ‬الأحمر،‭ ‬ولا‭ ‬بالصور‭ ‬السريعة،‭ ‬بل‭ ‬بالثقة،‭ ‬والاستمرارية،‭ ‬والاعتراف‭ ‬الحقيقي‭ ‬بالفنان‭ ‬السعودي‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الثقافة،‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬تكميلية‭ ‬لها‭. ‬وأي‭ ‬مهرجان‭ ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬مركزه،‭ ‬سيبقى‭ ‬حدثاً‭ ‬عابراً،‭ ‬لا‭ ‬ذاكرة‮»‬‭. (‬انتهى‭ ‬كلام‭ ‬المخرجة‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬هناك‭ ‬أقوال‭ ‬أخرى‭ ‬تُظهر‭ ‬قصور‭ ‬مهرجان‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬السينمائي‭ ‬الفعلي‭.‬‮ ‬

انتهى‭ ‬رأي‭ (‬المخرجة‭ ‬السعودية‭) ‬وما‭ ‬زال‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬يحوم‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬السينما‭ ‬السعودية‭: ‬

‭- ‬من‭ ‬يستطع‭ ‬إيقاف‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المهرجان‭ ‬الذي‭ ‬فرحنا‭ ‬به‭ ‬داعماً‭ ‬للسينما‭ ‬السعودية‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يغلق‭ ‬الباب‭ ‬عن‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬نهضة‭ ‬الأفلام‭ ‬السعودية،‭ ‬من؟‭ ‬

وبعد‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تكون‭ ‬الأمنية‭ ‬متجددة‭ ‬باستعادة‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬الإدارة‭ ‬السابقة‭.. ‬فقط‭ ‬أمنية‭!‬

00:04 | 19-04-2026

هذه هي الحكاية

الكون مجتمعاً حكاية ممتدة، بها زوائد كلامية، وسوف تستمر على هذا الحال.

فالسكون والحركة هما درسان فيزيائيان يتم تناولهما في القراءات الثقافية ضمنياً، إلا أن هذين العنصرين هما الكنز الذي أقامت عليه البشرية جداراً لتخبئه للأجيال المستقبلية، وإن بقيت قصة النبي موسى مع الرجل الصالح معلقة قرائياً من غير الاستفادة من الآفاق المعرفية المستقبلية..

وأثناء قراءتي للدراسات الأسطورية ذكر باحث أن السرديات الكونية تنحصر وتنبع من 23 حكاية فقط، وجميع ما تلا تلك الحكايات ما هو إلا استلهام لها، وأي زوائد حكائية هي زخرفة على الأسس الحكائية الأولى بدءاً من حكاية الخلق وانتهاء بالملاحم العظيمة التي سجلها التاريخ كثمرة يانعة أنتجها الفكر البشري في عهوده السحيقة.

ووقف التغني بالمنجز السردي في استقامته، وبلوغه الذروة عند إشارات ظلت حمراء لا يجوز تجاوزها كملحمة عشتار أو الإلياذة والأوديسة، أجد أن في هذا التوقف مثلبة معرفية، تضاد حركية الزمن، فإن كانت السردية الأسطورية هي سردية الزمن السحيق فإن معطيات العلم هي سردية الحاضر والمستقبل.

وإن ظللت مؤمناً بذلك التأسيس الحكائي، أردده في معظم كتاباتي ولقاءاتي الصحفية، الآن انعتافي من هذه المحدودية التي ينقضها الواقع الكوني، فالعلم يثبت استحالة السكون، بل إن الحركة هي الأس اللامتناهي، والسكون حالة حربائية تظهر لنا عن بعد حتى إذا تعمقنا في النظر إليها غدت سراباً.. وكذلك تكون معطيات الفنون في حالة حركية دائمة حتى وإن ثبتت بصرياً على أنها ساكنة أو مستعادة لما سبقها من حكايات، ويكفي الانطلاق من الكتب المقدسة ذات السرد المتشابك، ويزيده التأويل تشابكاً لا نهائياً.

والكون مرآة جلية للانفجارات النجمية الآخذة في التمدد، وهذا التمدد إلغاء للسكون، والحكي حركة كونية يقوم بها البشر أشبه بانفجارات النجوم، وكل نجم له ألف حكاية... إذن، وإذا كانت الكلمة في البدء، فهي آخر فعل حركي يحدث قبل حالة البغتة.

00:05 | 13-04-2026

لا تنزع أجنحتك

الفن بكل تجلياته يجبُّ المشاعر الداكنة ويمنح عقلك فرصة الخروج من المناطق القاتمة، وكانت دعوتي الدائمة الهروب من الواقع الداكن إلى الفن، فمجالاته أكثر رحابه من التأطير والانشغال بالحيز، يمنح أجنحة للتحليق، وهنا يمكننا أن نسأل: ما الذي يفعله الفن بنا؟

حسناً، نحن نعيش في زمن الصورة، كنت حاضراً محاضرةً للفنان الفوتوغرافي عيسى إبراهيم تحت عنوان: السرد في الصورة الفوتوغرافية: ذاكرة عين، حدث ذلك في ملتقى السرد بمدينة الكويت ضمن أنشطة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.. عرض فيها الفنان عيسى العديد من الصور المتنوعة في موضوعاتها ومضامينها، صور لافتة ومدهشة فنيّاً..

وأثناء العرض حدثت تبادلية حوار ما بين البصري والسردي من قبل الحضور، وكان يجاورني الصديق الروائي المبدع طالب الرفاعي، فألقيت سؤالاً مشترطاً إجابته من قبل المصور الفنان عيسى إبراهيم، ومن المبدع طالب الرفاعي، على فرضية وجود صورة لافتة هل يستطيع الروائي أن يكتبها رواية، وهل يستطيع المصور أن يرسم رواية لطالب الرفاعي تحمل التفاصيل السردية المكتوبة؟

هو سؤال يمتد كربل بلاستكيكي، وإن كنت عارفاً بحدوث ذلك إلا أن زحمة الأسئلة، ومحدودية زمن المحاضرة فوّتا علينا سماع الرأيين (الكاتب، والمصور).. وكنت راغباً بذكر قصة الصورة معي أثناء سرد رواية، وتحديداً صورة العجوز مسعدة في رواية الطين.. كانت الشخصية مختزنة في داخلي بفعالها وحكاياتها، وكانت صورتها غائمة في ذهني، وفي إحدى المجلات وجدت صورة لامرأة شمطاء أكل الدهر منها أكلاً شهياً ولم يبق منها إلا ملامح تشي بجمال غرب خلف تجاعيد سعت كطابور نمل تعرج في وجهها وسافر إلى عروق رقبتها بدأب متواصل، صورة تعمق خيال السارد ليقول ما الذي تفعله السنون من تغيرات صادمة، وعلى السارد أن يتعمق في شرح حكايتها..

ظلت صورة هذه المرأة العجوز تنظر إليّ من خلف المكتب الزجاجي، يفيض وجهها بالابتسامات المواربة، من عينين ضيقتين، وفم فاتر الابتسامة، وربطة رأس فضحت شيب رأسها الأبيض كندف القطن الباقي من غير حصد، وعظام الترقوة بارزة كسارية تلقت ضربات فؤوس كثيرة.

وكلما كتبت عن العجوز مسعدة أرى الصورة تضحك من خلف زجاج المكتب مهونة أو مستخفة بما أكتب عن امرأة متخيلة وهي امرأة حاضرة بصورتها.. تذكرت هذا، وأنا أشاهد صور التقطها الفنان عيسى لنساء عديدات في حالات مختلفة، هو صورها واكتفى بذلك، الصور التي شاهدناها، صور لم يكترث المصور بعينها، بمشاعرها الداخلية أو تاريخها الإنساني، أو مصاعبها اليومية، أو ظرفها المعيشي، أو ما الذي يبكيها أو يضحكها.. نعم كانت الصور التي عرضها صوراً جمة، والذي يشاهد تلك الصور وهو الذي يخلق الحكاية، يحس بما تكابده الشخصية من خلال الصورة، فمن هو صانع سردية الصورة أم المشاهد؟

وكنت راغباً التعريج على رواية (دوخي.. تقاسيم الصبا) لطالب الرفاعي التي جاء غلافها متصدراً صورة الفنان عوض دوخي الفنان الكويتي الكبير، فهل كانت الصورة هي السرد أم ما كتبه طالب عن صاحب الصورة هو السرد وتقاسيم الحياة على كاتب السرد وليس الصورة؟

مؤمن أن كل شيء حولنا وبيننا وفينا هو حالة سردية ممتدة، فمن الصانع لتلك الحالة، هل هي الصورة، أم ما نقوله من كلمات أم ما نتخيله لما نرى.. إن مغارة السرد أشبه بالثقب الأسود يبتلع كل حكاياتنا ولا يظهر العمق المختبئ فينا حين يتم التهامه على عجل أو على أعمارنا الذاهبة في الزمن.. السرد حالة تبادلية بين الموت والحياة.

00:01 | 12-04-2026

مَن الأصوب؟

نتقلب بين مرادفات كثيرة، والمتغيّر يحدث في أزمنة مختلفة؛ ولهذا فإن الصائب لا ما نراه وإنما ما نجتمع عليه؛ ولذلك فالميزان متغيّر أيضاً.


فمثلاً: التفاهة، والجدة حدان تتقلب بينهما حياة الناس.


ولكل منهما ظهور وفق الأمزجة، والغالب يرتهن لظرفية الحالة الثقافية للمجتمع.


في زمنية سابقة كانت التفاهات تتوارى، وتكتفي بوجودها ضمن الأنشطة التافهة التي يتقصدها فئات محدودة من الناس لا تدعي أنها تمتلك أي نوع من أنواع التميّز، بل تعرف وتعترف أن نشاطها قائم على تمثيل البساطة ظاهراً وعمقاً، ولم تسعَ إلى تصدّر المشهد العام، واكتفت بالانزواء، فما الذي حدث لكي تتسنّم التفاهة المشهد، ويصبح لزاماً مواجهتها مباشرة؟


قبل الإجابة يجب القول إن الجدة كانت السمة الرئيسية لكل فرد يبحث عن الرفعة، فالحياة لا تمنح الرفعة لأي طالب لها ما لم يحقق شرطية التميّز من خلال ثقافة جادة، إذ كان ميزان الرفعة والانخفاض بما يقدمه الفرد أو الجماعة من أعمال تثمن قيمتها بما درج عليه الناس من استحسان، ويقاس الاستحسان بالإقبال على استخدام ما تم توجده على سطح الواقع كميزة رفعة.


وفي كل الحالات تتواجد التفاهة والجدة، والمسوق لهما نحن.


ولو وضعنا سؤالاً: لماذا يتم استهلاك التفاهة بكثافة هذه الأيام؟ فإن الإجابة ستشير إلى أن المسوقين لها بالكثرة الكاثرة عما كان عليه الناس سابقاً، فهل يتم اتهام الناس بأن ميلهم إلى استهلاك التفاهة هو الذي أدى الى بسط ثقافتها؟


ولو توقفنا، وسألنا أصحاب الجدة أو أننا اتهمناهم بأنكم أنتم من سمح للتفاهة بالتغلب على المضامين الثقافية الجادة لكون مضامينكم لم تتغلغل في المجتمع بحيث تحيل الفرد إلى عاصم يفرض، ولا يجيز للتفاهة أن تسود.


وفي هذا الاتهام تغييب لما طرأ على حياة الناس من متغيّرات جبارة، اتخذت من سياسة الاستهلاك أداة ترويج عالمية، مستخدمة أدوات التسويق سلاحاً في تمدد كل ما هو تافه على أنه هو التميّز في حد ذاته، أي أن التفاهة حصلت على أسلحة لا يمكن مقاومتها من الجانب الآخر؛ ولأن القوي غالب، هو الذي يبسط قواعد الذائقة، ولا غرابة أن يصبح العميق متنحياً والتافه سائداً.


والحل الأمثل لمن يتباكى على تنحي الثقافة الجادة أن يظل متمسكاً بها، والعمل على إنعاشها فيما تبقى له من دور في هذه الحياة، وبهذا يكون مناضلاً ضد التفاهة، وإن رأيت مستنيراً ومناضلاً لبقاء الجودة والتميّز قد سقط، وأخذ ينافح من أجل منح الهيافة مساحة أرحب في التمدد، فلا تبتئس فالحياة تقبل بك وبه على ميزان جديد له كفتان ترجح زمن التفاهات على زمن الجدة والتميّز الثقافي.


وهناك حكم لا يخيب حكمه، فلو تم الارتهان إلى قاعدة السوق: (العرض والطلب) ما بين ما يبث من ثقافة تافهة، وبين ثقافة ذات محتوى جيد فإن غلب أحدهما على الآخر على الطرف المتضرر القبول، والعمل على تغير قاعدة العرض، والطلب بما يحقق استهلاك أحدهما على الآخر.

00:13 | 9-04-2026

فيلم متأخر في رسالته

أي عمل سينمائي يتم إنجازه من قبل العاملين فيه، تمتد رغبة النجاح بالإتقان، وحين يعرض الفيلم يتمايل الإعجاب به أو يدخل إلى فرمتة الملاحظات، والتباعد الزمني يعطي الفيلم الجيد قيمة فنية يقف عليها النقاد متأخرين (بوقت المشاهدة)، واليوم استعرض فيلماً قديماً احتجت لمقدمة قبل الإتيان عليه، وقد بدأت بالقول حين يتردى الفضاء المعيشي للأفراد فلإن النفس تبحث عمّا يثبتها وجدانياً، ويقال إن الطرق الصوفية ازدادت مع سقوط بغداد من قبل الاجتياح المغولي ومع سقوط المكان استعاض الناس بالروحانيات من خلال التصوّف، هذه المقدمة أجدها جيدة لتناول فيلم (ألوان السماء السبعة)، وهو فيلم قديم استضافني في إحدى ليالي العيد ليكون بهجة تلك الليلة.

الفيلم إنتاج 2007 بطولة ليلى علوي وفاروق الفيشاوي، وكانت أحداث، وشخصيات الفيلم متردية، وساقطة على مستوى القيم الاجتماعية، فصباح (ليلى علوي) استترت بالكذب لتحقّق احتياجات أسرتها بعد موت أبيها، فمع إصرار والدتها على استكمال تعليمها، وتعليم شقيقها الأصغر (عمرو ممدوح) إلا أن الأوضاع المالية ضيّقة أمام اتساع حلم صباح ووالدتها أيضاً، فتعرّفت على مدام نادية التي تدير شبكة تجارة شنطة، وهي تجارة مغلفة لتجد صباح أنها هي السلعة أو البضاعة التي تعرض على متنفذين وأثرياء لقضاء المتع المحرمة، ومع انسياقها في بيع جسدها حدث تبدل في اسمها (من صباح إلى حنان)، وتبدل وضعها المالي لتصبح أكثر ثراءً، وأقرب لتحقيق ما تريد، وقد علقت بحب شاب (معتز بلبع) أحد زبائنها في سفرياتها المتكررة، وقد اعتقدت بأن هذا الحبيب سوف يتغاضى عمّا هي عليه من اصطحاب الأغنياء والسفر معهم والتمتع بها كبضاعة تستخدم في وقت تواجدها معهم، وظلت في انتظار الحبيب

وأثناء ذلك الانتظار أُعجبت ببكر (فاروق الفيشاوي) راقص التنورة، ومع تقاربهما وإعجابهما تكتشف أن كل الأشخاص المرتبطين بهما يعيشون حالات مختلفة من التردي..

حتى أن (شريف رمزي) ابن بكر (فاروق الفيشاوي) الراغب في تعلّم رقصة التنورة كان غارقاً في متع تثقله ولا تمكّنه من التحليق، فالسمو الروحاني لا يتأتى لمن رسب في متع الحياة، ولست في حاجة للتعمق في سرد حياة بقية شخصيات الفيلم، وإنما استهدفت عمق الرسالة من خلال رقصة (التنورة)، وهي رقصة تتعمّق عمقاً إلى أن توصلك إلى صوت الناي الذي يبث آلام الحنين الذي يقول عنه جلال الدين الرومي:

مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحنُ إلى أصلي.

ورقصة المولوية دورة على صوت الناي، دورة الوجود المادي، وحين ترقص تلك الرقصة، أو تخلع التنورة تعيدك إلى فكرة أن النفس قُطعت من العالم الأعلى وحُبيت في جسد، ورمزية رقصة التنورة هي التصاعد، والسمو حتى ينتقل الراقص من الأوحال إلى السماء، وهنا يكون لاسم الفيلم معنى واضح تماماً.

وفي هذا إشادة بالسيناريو والمخرج حين تتضافر جهودهما في خلق امتزاج بين الفلسفة وواقعية الحياة المعاشة في صورها، ورداءتها التي ليس لها من مخرج إلا من بوابة عقلية فلسفية، تنجيك من الدمار الكامل، والاقتراب من السمو في محاولة التحليق الدائم، فطيران الإنسان لا يحدث بمجرد التفكير أن ترف بيديك عالياً، فالقلب هو من يصعد بك إلى الأعلى.

وهناك أفلام تعملقك بما تمنحه لك من قيمة وجودية عالية.

أردت القول إن المنشغلين بالسينما يستوجب أن يكونوا قارئين؛ كي يستندوا بقضبان فلسفية تخرجهم من مآسي الواقع المتردي كوسيلة انتقال إلى العوالم المخبأة في جوهر النفس التي قُطفت من السماء، وحُشيت داخل جسد يأكل نفسه بنفسه من خلال متع زائلة.

00:06 | 8-04-2026

مسرحية لتقديم الأهوال

للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب في الاستحواذ على كل شي، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في السلام، يتقدم إلينا الناعقون، فهناك من يشتكي من هزال الفنون، ويرون أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة. وفي هذا الرأي (شطط التطرف أو أنه تدليس محض)، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة!

وليفرح أولئك المنادون بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية والدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة،

وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء أو جزء من هذه الخارطة الجغرافية.

وليس من الفطنة الدخول إلى فرن عالي الحرارة كي نؤكد أن الحرب تنتج فناً عظيماً.

وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولّدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية. الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب لعربة خشبية، كما أننا لن نخدع بروايات توصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا)، فالأعمال الفنية الخارجة من أتون الحروب، وأبشع تمثيل لتلك الحالة ما يفعله حيوان (الضبع) الذي يعيش على الجيف بينما لا يكون له دور أمام الأحياء، أو يكون أشبه بعمل (المتسبب) الباحث في الأنقاض عن أي شيء يجده ليبيعه.

فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار -حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوّناتها الرئيسة دم متلبد.

وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) بأن الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأت منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسس لومه؟ لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.

كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزين مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.

وكلما ابتعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عما كتب عن كوارث الحروب.

الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة -التي يمكن لها أن تصبح شاملة- إلا أن ما سوف تنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمسهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.

نعم، سوف تخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سوف يحمل منتجوها أوصافاً وألقاباً إبداعية، وسوف ترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني -في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليست هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.

الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة فالأحداث الجارية -في حينها- غير إنسانية البتة.

ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون مونتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟

هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتلبد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم بذكر أفلام أو روايات جسدت تلك الكارثة الإنسانية، فسوف يأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني، وتستطيع دفع السؤال بالتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة فهي دفانة لها، مثلها مثل الكبد يكون مقبرة ومفرخة في الوقت نفسه.

فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟

فالسؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان، فعمرها مديد ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض، الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت) كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:33 | 7-04-2026

ما زالت النفس بعيدة

الدراسات الإنسانية قابلة للحذف أو التثبيت، وقد كتبت مقالاً بعنوان (تاريخ إشكالية النفس البشرية)، على أمل تصويب ما قلته في تلك المقالة، ويبدو أن القراءة خفّ وزنها بين القراء، أو عزف الناس عن التصويب، إذ كثرت الكتابات التي ليس لها مكان في زمننا الحاضر. على أية حال، قلت اعتماداً على قراءة قديمة ترسخت في ذاكرتي إن علم النفس خرج من خلال روايات الروائي الفذ ديستوفسكي، حيث كانت شخصيات روايته، شخصيات مركبة، وقد أُغرم بها أحد قرائه، فطبق عقد تلك الشخصيات على مرضاه، وقام بتصنيف كل حالات نفسية مرضية وفق الشخصيات الروائية التي قرأها.

وتسجل كتب السير بأن (فيلهلم فونت) هو مؤسس علم النفس الحديث (16 أغسطس 1832 – 31 أغسطس 1920)، وهو طبيب وعالم فيزيائي وفيلسوف ألماني، فهل كان فيلهلم فونت هو ذلك المغرم بأدب ديستوفسكي؟

ومن تلك المعلومة التي ترسخت في ذاكرتي، سُئلت ذات يوم من بعض الأصدقاء: هل تعرف الأمراض النفسية لمن هم في حياتك، أو مروا أو مكثوا في تفاصيل أيامك؟

وكان ردي بالإيجاب، إلا أن الخجل يمنعني من مكاشفتهم بأمراضهم.

وكما هم مرضى، فأنا مريض مثلهم، فقط تختلف أنواع أمراضنا النفسية..

مستنداً إلى أن الروائي الأكثر مقدرة على معرفة النفس البشرية، وأكثر من أي طبيب نفسي، أو دارس لعلم النفس..

ومن يقول إن العالم (فرويد) هو من أنشأ علم النفس، أجدني أرتدّ إلى معلومتي بأن علم النفس خرج من روايات الروائي ديستوفيسكي، فالعالم (فرويد) درس حالات المهووسين وأصحاب العته، وجمع ملاحظاته وطبقها كحالات نفسية مرضية على المعتوهين، بينما الروائي يتمكن من الغوص المباشر لنفسية الشخصية المكتوبة، وإجلاء ما علق بها من شوائب، وعلل حياتية تظهر نوعية المرض النفسي للشخصية.

وهذه المسألة ليست مؤكداً عليها تاريخياً، وإنما أميل إليها على يقين بأن لكل علم باحثين من أصل الإشكالية التي يبحث فيها الباحث، والنفس البشرية الأقرب إلى اكتشاف نوازعها (الخيرة، والشريرة) هو الروائي، فهو الغواص الذي يقف على تضاريس وأعماق تلك النفسية.

وهذا رأي صائب أو على خطأ لدى الدارسين، والباحثين عن تضاريس وعمق علم النفس، وبالتالي، هي دعوة لإعادة قراءة تاريخية النفس البشرية في أمراضها.

طبعاً لا أريد القطع بما قلته في مقدمة المقالة، وإنما استثارة لمهتمين بما تكون عليه النفس البشرية، وأكاد أجزم أنها ما زالت بعيدة عن الدراسات التي حدثت سابقاً.

00:00 | 5-04-2026