أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

الأمن والتاريخ (4)

مؤتمر الأمن والتاريخ ليس في حاجة إلى القول، بل في حاجة إلى العمل، وعمل دؤوب لتصفية الكثير من المرويات السابقة واللاحقة، فنحن عقدة السبحة أو الشاهد للسبحة (وهي الخرزة الكبيرة التي تجمع طرفي خيط السبحة، وتدل على بداية ونهاية دورة التسبيح)، إذاً نحن مئذنة السبحة، وهذا القول ليس له علاقة بالتفخيم، بل هو حقيقة تاريخية تثبتها سجلات التاريخ والأساطير. ولو فردنا القول إن آدم أبو البشرية دُفن في الكعبة، وأمنا حواء دُفنت في جدة، ربما يقول قائلٌ منكم: هذه أساطير الأولين، وأقول إن أي سردية أو أسطورة هي قابلة للنفي، وكذلك للتصديق، وأي أسطورة يتناقلها الناس تعتبر من الحكايات اللامنتهية في حكاياتها، وكل حكاية أو أسطورة تذكر أين تواجدت، ويكفي القول: إن هذه الحكاية أو الأسطورة تتواجد في المملكة العربية السعودية.

وسردية تواجد الكعبة المشرّفة، التي تتوجه إليها الأعناق والرقاب، هي أول بيت وضع للناس (تكون أم الحكايات).. وكل السرديات التي تُذكر، تذكر المكان عند استعادتها شفوياً أو كتابياً، فعلى سبيل الأمثلة: إن جاء ذكر مكة، أو جبل الرحمة (عرفات)، أو قبر أمنا حواء، أو قصة هدم الكعبة، أو مقام أبينا إبراهيم، أو قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حجر إسماعيل، أو الأخدود، أو الحجر (مدائن صالح)، أو الفاو، أو المصمك، أو جدة التاريخية، أو الدرعية (حي طريف)، أو أسواق العرب التاريخية.. عشرات المواقع الموغلة في الزمن، إن ذُكرت يقال إنها متواجدة في المملكة العربية السعودية. وإيماناً نحن في أول السرديات ووسطها، وسنكون في آخرها من خلال قصة الدابة، القضية ليست تفاخُراً، وإنما تأكيد على أن التاريخ كتبنا عبر العصور، وتلك سرديات الأمكنة لدينا، وكذلك الأمن جاء متزامناً في نقاط زمنية موغلة، فقد دعا لنا أبونا إبراهيم: «وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ من الثمرات» - البقرة.

وأسكن الله الأمن في بلادنا عبر سورة قرآنية (إيلاف)، ولدينا قبلة المسلمين، وموقع الحج، فعلاً نحن ورثة كل العصور.

ولن أبالغ إذا قلت إن الكثيرين - الآن- يتمنون لو أن الملك عبدالعزيز مد نفوذه ليكون خيمة ينضوون تحت ظلها، وما شاء الله أن يكون كان، ويصبح أوجب الواجبات على أبناء هذه الدولة (قيادة وشعباً) المحافظة على هذه النعمة، (نعمة تواجدك في كل العصور، ونعمة الأمان الذي سخره الله لهذه البلاد).. وهبنا الله أمانته، والأمانة كبيرة، والأمر جلل، واليقظة - على بلادنا - تستوجب زرعها في كل منّا (الطفل، الكهل، الشاب، الذكر، الأنثى)، وتصبح جميع الوزارات والمؤسسات والأفراد تمتاز باليقظة، فالتاريخ لا ينام، وكل سردية تستوجب الإلمام بها، والنظر إليها كواجب وطني مهمتنا فرز وتنظيف - تلك السرديات- مما علق بها من دخن.

للمرة الألف نحن مستهدفون من قبل دولٍ وأفرادٍ، ومللٍ، وأحزابٍ، بلادنا نعمة عظيمة تستوجب علينا جميعاً اليقظة لتاريخها وأمنها.

وما نعيشه الآن نعرفه جيداً، وما هذه المقالات إلا تذكيرٌ بالأعمق في تواجدنا، والأعمق في مستقبلنا.

منذ يومين

الأمن والتاريخ (٣)

عمق مؤتمر الأمن والتاريخ، أعمق مما قيل ويقال، إن نحن تنبهنا لعمق المفردتين، فكل مفردة منهما لها عمق سحيق، يستوجب الغوص في المفردتين.

فلنا وجود سابقاً وحاضراً، وأثمّن تثميناً فخماً لوزارة الداخلية اختيار هذا العنوان، فهو عنوان يمكن التوغل فيه إلى أبعد نقطة في التاريخ، فالجزيرة العربية (ونحن نمثل مساحة كبيرة منها تكاد تكون هي الجزيرة نفسها، أيضا نحن ورثة لكل الأزمان السابقة)، ولذلك تأتي أهمية التاريخ في العنوان.

أقول ورثة الأزمان والسلطة السابقة، وإن كان الأمر يتعلق بالدين أو بالجغرافيا فنحن معنيون بذلك في كل السرديات السابقة، وحين أتكلم عن تاريخ الجزيرة العربية، أعمّق قولي بحثاً عن تلك السرديات التي كُتبت عن السجلات التاريخية للجزيرة العربية، نعم كانت في البدايات الأولى مجاميع من القبائل تعيش على هذه الأرض حتى ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن خلال (وثيقة المدينة) كون أول نواة لنظام الدولة، ومع الخلفاء (من عهد الخلفاء الراشدين، وبعدهم الأمويون، والعباسيون، والعثمانيون، اتسعت الدولة الإسلامية في جهات العالم حتى غدت إمبراطورية، وقد مثّل القرشيون ثلاثة أرباع الخلافة الإسلامية (إذ كان الانتماء لقريش صلباً ونسباً شرطاً إلزامياً أن يكون الخليفة قرشياً)، ومع الخلافة العثمانية، حدثت الحربان العالميتان الأولى والثانية، وكانت نتيجة الحرب العالمية الأولى توقيع اتفاقية سايس بيكو ١٩١٦م، تم الاتفاق فيها على توزيع دول الخلافة العثمانية (العربية منها) ورسم الحدود الحالية.. في هذا الوضع العالمي لم يتم احتلال المملكة، أو إضافتها لأي دولة كانت، ولم تظل في نزاع إزاء أي استعمار، أو وصاية، ونتذكر الدولة السعودية الأولى، وحربها ضد محمد علي باشا بإيعاز من الخلافة العثمانية، والذي أريد قوله، إن السعودية ظلت حرة أبية، ومع مجيء القائد العظيم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل، استطاع بالحنكة ونفاذ البصيرة توحيد المملكة العربية السعودية ليسود الأمن على هذه الدولة القارية.. في كل مرحلة زمنية من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مركز العالم الإسلامي. هذا السجل التاريخي الممتد لنا فيه كتابة، ووجود.

هذه الأرض لديها سجل ضخم تاريخاً ووجوداً.. فهل نستوعب مفردتي الأمن والتاريخ؟

00:00 | 6-09-2026

الأمن والتاريخ (2)

التاريخ أحداث سردية، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، والشفوي يتحوّل إلى مكتوب ذات يوم، فكيف تتولّد السردية التاريخية المكتوبة؟ وقبل هذا، ليس هناك تاريخ مكتوب من غير سياج أمني للكاتب، حتى المناقض لتلك السردية بحاجة إلى أمن لكي يكتب ما ينقض التاريخ السيار بين الناس.

ولكل أمة سردية خاصة بها، يتم ترسيخها لدى الأجيال المتتابعة، وهناك سرديات تُمحى بفعل الزمن، وتغيّر سلطاتها، إلا أن هناك سرديات تعبر الزمن بزوائد أو نواقص أو مغلطات، يستوجب تصويب كل زائد أو ناقص، وإيضاح مسار المثبت، والسردية عبر التاريخ الأزلي نحن متواجدون به، كون مكة أول بيت وضع للناس، ويصبح تجلية التاريخ من مهامنا الوطنية، وهي مهمة جديرة بأن تنهض بها كل المؤسسات المعنية بالجانب الثقافي والمعرفي، وأعتقد أن دارة الملك عبدالعزيز هي في لبّ هذه المهمة.

فالسردية التاريخية بحاجة للاهتمام ومسايرة الأزمان بالتصحيح وبث المعلومة الصحيحة، ولا تقتصر المهمة على التصحيح، بل أصعب منها بثّ الصحيح إلى بقية العالم، من خلال مؤسساتها ومثقفيها واستخدام كل وسيلة تواصل مع العالم.. سأذكر مثالاً عن السردية التاريخية التي تجتمع عليها الديانات الثلاث، وهي معركة (هرمجدون)، كإشارة إلى أنها علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة. سردية هذه المعركة مثبتة في عقول أناس هذا الزمن، خاصة رجال الديانات الثلاث. ويطيب للبعض استرجاعها حدثاً تاريخياً سيتحقق ذات يوم، وكل منهم لديه سردية مغايرة في استقبالها، وتتحوّل هذه الفكرة إلى أجندات بعيدة المدى يجب العمل على تنفيذ خطواتها، نعم، هي سردية تاريخيّة، وأجزم أن كل سردية يجعل لها أصحابها خاصيّة، والبعض يورّث تلك الحكايات.

وكثير مما نعيشه هذه الأيام من حروب، ما هي إلا مقدمة للأيام القادمة (حتى ولو كانت الحرب الدينية العظيمة مؤجلة إلى زمن غائب)، ويقيناً أحمله بأننا مستهدفون، سواء من خلال السردية التاريخية القديمة أو من خلال السردية المحرّضة حديثاً، والالتصاق بهذه السرديات ونقضها بما هو صائب يحفظ أمننا ويحقق الاستقرار والنمو.

أحياناً، يكون التاريخ له بواعث لا تخطر على البال.. ربما جئت لكم بنقطة خلاف بين الأمم يستوجب بيانها والمسايرة معها حفاظاً على الأمن وتصويب التاريخ.

00:00 | 3-09-2026

الأمن والتاريخ (1)

في الأيام القليلة القادمة سيقام مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» في نسخته الثانية. هو مؤتمر ناشئ تقوده وزارة الداخلية، ولا أشك أن مفردتَي «الأمن والتاريخ» هما دعامتان أو ركيزتان لأي بلد ينشد الاستقرار والتنمية.

فلذلك كان عنوان المهرجان لافتاً، ومن المؤكد أن له عمقاً أساسياً حول ما سيقال، فالأمن مطلب رئيس لأي بلد كان، منذ بداية التاريخ. ومن تلك النقطة الزمنية البعيدة بدأت سردية الوجود، فلا تهاون أو إغفال لتلك السردية، فالكتابة زرع يؤتى ثماره ولو بعد حين.

وتلازم المفردتين يوصل الباحث إلى مكان الأمان، فما كُتب سيعود، فالماضي به بذور خلافات اليوم، والعودة إلى سرديات الماضي ليس للركون لها، أو السكن فيها، العودة إلى السرديات القديمة هو التنقيب على ما هو مفيد لحركة الحاضر، ومحو ما هو معيق له.

وبيننا وبين الماضي سنوات طويلة تغيّرت بها المفاهيم الماضوية في جانب المسميات، إلا أن الجوهر ظل متحركاً مع الزمن. ومن المسميات الحديثة مفردة «المواطنة»، يظن البعض أن هذه المفردة وُلِدت من رحم الثورة الفرنسية، وأعتقد أنها أقدم بكثير، ربما التصقت بكل الدول والإمبراطوريات القديمة، إلّا أن مسماها اختلف من زمن لزمن، وبقي الجوهر، فلكل إنسان مكان أو بيئة زرع فيها، وزُرعت معه المواطنة.

ربما تكون مكوّنات المواطنة مختلفة في المسميات، إلّا أنها تشير إلى وجود قيم أخلاقية، تذود عن الإنسان ما يضر بحياته ومعيشته داخل ذلك الإطار المكاني، وبالضرورة تم إيجاد صيغ تحمي الإنسان من الإنسان، ومن الأزل بأن الخير من الشر، وبين هذين الطرفين كانت القيم للجذب والرفض أو الطرد، والحالتان أشرت لهما تاريخياً كزمن، والسردية كمحتوى قيمي، وكلاهما أمن الوجود من خلال الأمن.

المواطنة حلّت بوجود الإنسان، وستستمر ما دام الإنسان موجوداً.

وأمن ذلك الوجود هو المكان الذي يذود عنه أصحابه بحياتهم وكل ما يملكون.

والذي أريد تأكيده هو أهمية مرجعية السرديات في مختلف الأزمان لتثبيت ما هو صائب، وتصويب ما هو على خطأ وبيان المغلوط من معارف تناقلتها الأجيال من غير تصويب، فالمستقبل هو السير على المعارف والمعلومات الصحيحتين.

00:07 | 2-09-2026

ما الذي زرعه ابن ميمون؟

يقول اليهود: بين موسى وموسى لا موسى هناك.

موسى الأول هو موسى عليه السلام، وموسى الآخر قصدوا به موسى بن ميمون.

وهو طبيب صلاح الدين الأيوبي، ارتحل من قرطبة إلى فاس، وأسلم في ظل الظروف الدينية التي شهدتها مناطق خاضعة لحكم الموحدين آنذاك، ويقال إنه أضمر البقاء على ديانته اليهودية كتقية. في البدء برز في الطب، لذلك دخل إلى البلاط المملوكي طبيباً لصلاح الدين الأيوبي، وانشغل بالفلسفة، وكان معجباً بالفارابي، وابن رشد وإن لم يتقابل معهما. كتب الكثير، وأهم كتبه (دلالة الحائرين)، وهو كتاب ضاع فيه ابن ميمون، فبدلاً من إرشاد الحيارى للطريق، التبس عليه الأمر، وكان حائراً بالفعل، ظهرت تلك الحيرة في آخر هذا الكتاب. قد يكون انشغاله بالطب فوّت عليه التعمّق الفلسفي، إلّا أن تعمّقه الديني كان الأجود في اهتماماته، حتى إن ذلك الاهتمام أوصله إلى لقب الحاخام، وهو منصب يهودي فخم يُمثّل الزعامة الدينية والروحية لدى اليهود.

واهتم كثيراً بالجالية اليهودية، وبلغ اهتمامه باليهود في المنطقة حتى إنه حث أهل اليمن على استخدام التقية لإخفاء ديانتهم إن تم إرغامهم على الدخول إلى الإسلام.

أتحدّث عن ابن ميمون في جزء من سيرته، وكان من الأوجب الحديث عن فلسفته، ورؤيته عن القضايا الفلسفية الكبرى، تشبهاً بالفارابي أو ابن رشد، إلّا أن المقولة اليهودية التي بدأتُ بها هذا المقال جعلتني أعاود (الشك)، فالشك ميزة مهمة للباحث أو صاحب القراءة المكثفة، وكما تناقل الكُتّاب قديماً وحديثاً عن تسرّب الإسرائيليات إلى الحديث والسيرة، (وأهم من برز في هذا هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه).

والشك هو دعوة لقراءة الشخصية وما أحدثته من أقوال وكتابه، قراءة عصر الشخصية، وقراءة كتبه. وأرى أن ابن ميمون في تقيته لم يغطِّ اهتمامه باليهودية، والمنتمين لتلك الديانة، وأعتقد أنه من أوائل من سعى إلى التقارب الديني الإسلامي واليهودي، ذلك التقارب ليس كفلسفة عميقة يؤمن بها، وإنما لكونه في محيط إسلامي، وعاصر قمم الفلاسفة العرب.

ويدفعني الشك إلى المطالبة بالاهتمام بكل الأقاويل النائمة في الكتب، التي نراها الآن تتجسّد في الواقع، فإن كان الآخرون يؤسّسون أفكاراً تنفّذ بعد مئة سنة، فعلينا أن نقرأ الماضي ونكتشف ما الذي دخل إلى مرحلة التنفيذ.

00:14 | 1-09-2026

هكذا تكلم الاكتئاب

البعض يصل إلى مرحلة العدمية من خلال الاكتئاب، وكثير من الناس تدمروا خلال سنوات ممتدة، قابضين على ذلك الشعور المقيت (الاكتئاب)، ومهما كان العقل فذاً أو فتياً يقوم الاكتئاب بقضم عنفوانه، وهناك حالات عديدة وصلت إلى مصب الانتحار، أو الجلطات الدماغية، أو إلى مسبب هالك يُنهي حياة ذلك المكتئب.

كنت قد قرأت كتاب «هكذا تكلم زرادشت» للفيلسوف نيتشه، ذلك الكتاب الملهم في لغته وفكرته، متماشياً مع فكرة الكتاب كحالة سردية يتم حشو تلك الحكايات بآراء، وفلسفة نيتشه عبر سردية زرادشت الحكيم الهابط من الجبل، تاركاً محرابه الذي مكث فيه سنوات طوالاً متأملاً الحياة وما فيها من أناس وحيوات، ويصادف القسيس الذي شاهده في صعوده إلى الجبل، فيتذكره، ويدور بينهما حوار «كل جملة تعد بعثاً لحالة فلسفية يتم تعميقها خلال بقية السرد». في ذلك الحوار يُظهر زرادشت سبب انتقاله من محرابه لإخبار الناس عن الإنسان الأعلى، ويواصل عودته من أجل الالتقاء بالناس، فيصادف مروره بحفل عظيم أقيم لمهرج ينتقل عبر حبل دقيق نُصب بين قمتين عاليتين، يعبر المهرج على ذلك الحبل، ويتوازن بعارضة خشبية لعبور طرفي الحبل، وبينما كان الناس في انتظار المهرج، يبدأ زرادشت في نثر حكمه، ورؤيته الفلسفية لإيجاد الإنسان الأعلى والأمثل، فيلقي فلاسفته على تجمع الناس فلسفته (الجمل - الأسد - الطفل)، وفي كل حالة يبث حكماً ورؤى تحقق وجود الإنسان الأمثل، كل كلماته ظن الناس أنها ضمن الحفل ومقدمة لظهور المهرج، الذي حين بدأ السير على الحبل سقط ميتاً بجوار أقدام زرادشت، وينفض الناس من المكان، فيدور حوار عميق بين الجثة وزرادشت، ومع الجوع يتحرك الحي لملء بطنه من خلال نوار يتبدى وهناك يدور حوار فلسفي عميق، ينتهي بمأساة حي يحمل ميتاً ويدور به الأصقاع، ينتهي بدفنه في جذع شجرة.

ويعد هذا الكتاب أهم كتب نيتشه، قال فيه فلسفته عن الإنسان الأعلى.. هذا الفيلسوف الكبير عاش في مصائب وأمراض قادته إلى مستشفى الأمراض النفسية، ظل يتنقل بين المستشفيات يحمل كآبته، وعمى عينيه، وافتراقه عن الناس، بجلطات دماغية متكررة، وكان تشخيص وفاته الاكتئاب المزمن.

لم أتناول جوهر الفلسفة عند نيتشه، وإنما طرف من سردية كتاب «هكذا تكلم زرادشت»، فهي فلسفة تستوجب قراءتها على تمهل، قراءة لمن امتلك نصيباً من المعرفة..

كنت أريد البرهنة على أن الاكتئاب مرض، يستوجب معالجته في المستشفيات وكذلك من قبل الأصدقاء الذين يحيطون بالمريض.

أخيراً.. كلنا مرضى نفسيون وبحاجة إلى الأصدقاء قبل أن نصل إلى حالة الاكتئاب المزمن.

00:12 | 31-08-2026

مزاح القهاوي الشعبية..

مع «مزحة» رئيس أمريكا عن مضيق هرمز لم أتمالك نفسي من استجلاب أفكار، وحكايات قديمة، وأساطير، وفلسفات، وطُرف لا تنتهي.

لا أحمل جدولاً يسيرني على ما أنا مقبل عليه في أسبوعي هذا، وإن كانت هناك بقع من أضواء تنير مخي بأن عليّ مواعيد كثيرة مع الأصدقاء للاجتماع في مقاهٍ أدبية، يقال فيها الغث، والغث أو المقاهي الشعبية القديمة التي تحتفي بالحكايات والنكات السائلة من غير تحرز.

ولا أعرف قلب صفحات الغد، ما الذي سوف أفعله غداً؟ لا أعرف.

على فكرة لست عشوائياً وإنما ملتزم جداً بمسؤولياتي المعلقة على رقبتي، بينما هناك قضايا أمرّ بها مرور الكرام، الثابت في مخيلتي - كحجر زاوية - كتابة القصص، والحكايات، وقراءتها كما يكتبها الأفذاذ من الروائيين، أو التنبيش في الحكايات التي أنتجتها المخيلة الشعبية أو ما يوازيها، في هذه القراءات استنبطت أن حكايات ألف ليلة وليلة، وكذلك حكايات كليلة ودمنة، وخرافات عيسوب، وأليس في أرض العجائب كلها حكايات تتناسل بعضها من بعض، وإن كنت سابقاً أرى أن الأساطير العربية تم استقدامها من الغرب إلا أن الدكتور فاضل الرباعي أعاد إلي رشدي من خلال كتبه العديدة عن الأسطورة، حيث ذهب في تأكيده أن الأساطير العالمية هي ابنة شرعية للجزيرة العربية ارتحلت من وقت قديم جداً إلى الغرب، حتى إذا ضعفت الذاكرة تم استرجاع تلك الحكايات على أن منبتها الحقيقي هو الجزيرة العربية..

أقضي يومي متنقلاً بين القنوات الإخبارية، وكلها أخبار تقود إلى تضخيم الواقع أو تضخم كل شيء، خارطة إسرائيل الجديدة أعادت لي قصة الذئب والحمل لايسوب، فلم أجد أمامي من مقاس حدد تلك الخارطة سوى مقاس الشبر والشبرين، أقلعت عن التشبير وأخذت أتذكر مسؤولياتي التي لا بد من إنجازها، فتذكرت مقالة الغد (الأحد) بأني لم أكتبها، فتمهلت قليلاً في اختيار الفكرة التي سوف أكتبها، إلا أن موعداً ملحاً مع بشكة الحارة يستوجب الذهاب إليه، كنت أقود السيارة ورأسي مثقل بفكرة العودة إلى المقاهي الشعبية التي تسمح بسرد النكات السائلة، فانعطفت بسيارتي للبحث عن مقهى قديم يقدم «حجر باعشن»، فدارت برأسي كل المقاهي القديمة، فتذكرت بأنه تمت إزالتها، حقاً ليس أمامي الآن إلا انتظار المساء للذهاب إلى مقهى يسيل بالأدب ذي الصورة المتهافتة في الرداءة.. وظللت بين «حانة ومانة» أذهب أو لا أذهب.

00:10 | 30-08-2026

قرب جثة فلان !

تأتي للدنيا من غير اسم، ومن حولك يغمون عليك بمفردة «المولود»، وتغادر الدنيا ولك اسمٌ، فيغمون على اسمك بمفردة «الجثة».

فأين الإنصاف في الحالتين؟

وجود الذات في الحياة الدنيا باسم صريح، وفي الحالتين السابقتين تكون «التغمية» إلغاء الإدراك لوضعك الذي كنت فيه.

في مسيرتنا الحياتية - منذ الطفولة- يمر إدراكنا بدرجاتٍ مختلفة، يبدأ بالإحساس بما حولك، ويتنامى بمعرفة الأشياء، مكوّناً معرفة تكون راسخةً في عمر معين، ويحدث تنامٍ معرفيٌّ برفض أشياء مختلفة، ورفضك لها كونك توثقت بأنها زُرعت في داخلك في غفلة منك- غفلة الطفولة، أو غفلة التوجه الاجتماعي- حينها يتم تأسيس قناعة خاصة بك، تلك القناعة تستوجب تعميق قناعتك بالبحث، وكلما بحثت تكون النتيجة تأصيل إيمانك بما اقتنعت به، أو تكون نقض ما آمنت به سابقاً، وهذا هو الإدراك بتواجدك الإنساني، فالحياة إدراك يحدّد موقعك بين أفكار تموج بها الحياة.

ساعتها ربما تتغيّر حالة «التغميم» في مماتك فيقال مثلاً: قرب جثة فلان.

23:59 | 25-08-2026

الهروب من الواقع..

من يبحث في عصر التنوير، الذي أُطلق عليه عصر النهضة، سيصل إلى إحباط سحيق، وستجده يردد: من عصر النهضة إلى عصر الردة.

وعصر النهضة العربية حركة فكرية استوطنت دولاً عدة، هي ما يطلق عليها دول المركز، وإن كانت حركة النهضة الفكرية تركّزت في مصر من خلال مجلاتها وجرائدها ومثقفيها، وأبعد مدى يمكن الإشارة لانطلاق تلك النهضة العربية (عصر التنوير) تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ومنذ ذلك الزمن لم تنتج الدول العربية شيئاً ذا بال وتحديداً في الجانب الصناعي أو العسكري، أو الصناعة الثقيلة، أو طرق أبواب العصور المتتابعة لما أنتجه العلم.

أكثر ما امتاز به عصر النهضة العربية أقوالاً تضارب أقوالاً، والاحتراب القولي على أفكار يعتبرها المستنيرون حداثية تبحث عن وسائل لإزاحة الأفكار القديمة، والأفكار القديمة أخذت أشواطاً زمنية طويلة في كبح انطلاق أي جديد، والتنوير لم ينفك من تلك المناكفات، ولكي يكون هناك معنى لذلك الاحتراب اللفظي ظهرت عشرات المصطلحات البانية والناقضة، وظهرت الثورات العربية من خلال العسكر، وتحوّل العسكر إلى بوصلة تشير إلى طريق المستقبل..

- أولئك العسكر لم يتنبهوا أنهم من مواليد اتفاقية سايس بيكو، ولم يتنبّه التنويريون إلى أن كل دولة لها مصالحها الخاصة، وأن الدول العربية لا يجمعها خيط واحد، وإن رفعت الوحدة العربية (الدين واللغة والمصير المشترك) هذه الخيوط كانت تفرق أكثر مما تجمع. ولأن بعض تلك الدول ضعيفة في الأساس كانت تبحث عن تثبيت معنى الدولة الوطنية، ولم يكن من وطنية تذكر، ومضى زمن ليس من شيء سوى تقليب الصفحات التي نبأت أصحابها أن الزمن الماضي أفضل من الراهن.. وكثير من شعوب الدول العربية (كمثال) تحن لزمن الرؤساء السابقين بالرغم من أن بعض أولئك الرؤساء كانوا في خانة المستبدين، الدكتاتوريين، لكن الواقع والشعوب تحن لذلك الاستبداد، وحين يكون الماضي أكثر إشراقاً وأملاً فهذا ليس ناقوساً يدق لإعلان حالة الخطر، بل إعلان عن فشل بعض تلك الدول وخروجها من أي معادلة سياسية. ومشكلة عصر التنوير أنه اعتبر أن الدول العربية يجمعها محيط جغرافي موحد، وتناسى - التنوير- أن كل الدول العربية دول مجزأة بعد الحرب العالمية الثانية، والمشكلة الأخرى زرعها التنويريون من خلال إيجاد طبقية بين الدول، فهناك دول رئيسة ودول تابعة، وكان خطاب التنوير نابذاً لدول أخرى (ما عرف بدول المركز والأطراف). كل نتائج الخطاب التنويري سقطت بأسباب عديدة قد يكون أهمها رأسها المدبب هم العسكر. الآن، ماذا تبقّى من عصر التنوير؟

أعتقد أن هناك «يافطة» كبيرة كُتب عليها:

- الهروب من الواقع!

00:00 | 25-08-2026

أكاذيب الأيديولوجيا

السلام هو القاعدة الأساسية للحياة، والحروب هي حالة استثنائية تحدث لأسباب عديدة، وأي حرب ستنتهي نصراً أو هزيمة.

وأخطر الحروب التي تعلق عبر الزمن بوعد غيبي، وتم اصطلاح هذا الوعد بالأيديولوجية (الأيديولوجية متنوعة، منها ما يقوم على الدين أو نظرية دنيوية كالاشتراكية مثلاً). وحروب الأيديولوجيا تطول، حتى أن المؤمنين بها لا ينقرضون، وبغض النظر عن صواب تلك الغيبيات أو خطئها، فالنتيجة هي الإصرار على الحرب؛ ولأنهم منغلقون تماماً رافضون أي فكرة خارج أيديولوجياتهم سيواصلون عنادهم، ولن تقنعهم أن الشمس تشرق من الشرق.

أي أن هناك حقائق تبطل مزاعمهم، وهذا شأن إيران، فالأيديولوجيا لديهم حاجبة عنهم الحقيقة؛ ولأن إيران تتحرك برأسين: ديني وسياسي، فالسياسي ليس لديه القوة لتنفيذ قراراته، والمحرك للحرب هو الجانب الديني ممثلاً في (الحرس الثوري)، وبالرغم من دمار إيران ظل هذا الحرس يكابر، ويتصرف تصرف الأرعن، فالحرب بينه وبين أمريكا وإسرائيل، إلا أن ضرر هذه الحرب طال دول الخليج، إضافة للأردن، بالرغم من أن هذه الدول أعلنت الحياد، ورفضت انطلاق أي سلاح من أراضيها، ولأن الرأس الإيراني مغلق لا يظهر إلا العداء، فقد اعتبر تلك الدول سنداً لأمريكا، فانهال بصواريخه عليها.

الآن وبسبب الحرب، تضررت كثير من دول العالم بسبب مضيق هرمز، وحين أعلنت أمريكا الحصار على إيران سعت دول الخليج إلى إيجاد منافذ أخرى بعيداً عن مضيق هرمز؛ لكي تصدّر طاقتها، هنا تحرك رأس إيران الأرعن، معتبراً ذلك التصرف نوعاً من أنواع الحصار عليها، ويستوجب ضرب تلك الدول، فأي حماقة هذه؟

هذه الدول لها سيادة تمكنها من التصرف - أي تصرف - يحمي مصالحها الوطنية، فإن أعلنت تلك الدول الحياد العسكري، فليس من حق إيران فرض الحياد الاقتصادي، ليس من حقها أبداً حتى تتبجح معلنةً اعتبار من يتحرك من أجل مصالحه الوطنية عدواً يستحق أن توجه إليه الصواريخ والمسيرات، هذا الادعاء هو زفير الميت.

على الرأس الإيراني استيعاب أن السلم هو قاعدة الحياة، وأن الحياة تقبل بالجميع باختلاف أيديولوجياتهم، المهم تنظيف العقول من الأكاذيب والتخيلات الغيبية في أيديولوجيات الحرس الثوري.

00:01 | 24-08-2026