أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

تحرق نفسك لماذا؟

كيف للكره أن يتغلغل في النفس البشرية ؟


هو سؤال لا أستطيع استيعابه، وإيجاد المسبّبات التي تؤدي بالفرد إلى الانغماس في هذه المشاعر من غير فحصها بميزان العقل، فالكره حالة نفسية يمكن للفرد اجتثاثها أو محوها حينما تتوسع مداركه، وأعتقد أن الكثيرين غافلون عن تربية النفس بأن الحياة لن تطول أو تقصر بالكره، ومواقف الإنسان متبدلة بتبدل الظرف المعيشي، أو تصويب ما لم تعرفه أو تجهله، وكلما تفهّم الإنسان أن مشاعر الكره نار تحرق صدره فقط ابتعد عن المشاعر السالبة، كما أن الكره لن يتوسع بمعرفة بواطن ما تجهل، فالمعرفة تقود المرء إلى تبدل المواقف.


أجد أن تلك المشاعر الحارقة لا تصيب إلا صاحبها، و لن تصيب من تكره بأي أذى، وستظل المشاعر السلبية تحرق الكاره طوال عمره.


* *


نحن نقف متضادين، جمعتنا مناسبة عامة، فلم يتريث لكي أنهي السلام على المجموعة، فعجّل لسانه بما في داخله: أنا أكرهك كرهاً بغيضاً.


صدمني بهذا التصريح المفاجئ الذي ليس له معنى بالنسبة لي، فليس بيننا علاقة بأي صورة كانت، سوى أني كاتب، ولا أعرف هل قرأ شيئاً فتحامل عليّ، ومع المفاجأة قلت له: القلب الكاره لا يرى ولا يسمع، اهدأ؛ لكي أعرف السبب الذي دفعك لهذا الكره رغم عدم معرفتي بك، أريد معرفة السبب، كانت حركاته وملامحه معكرة تماماً، فواصلت قولي:


ومن باب الإنسانية سأقول لك: وأنا أحبك.. وإن كنت غاضباً مما أكتب، دعنا نتناقش، في كتاباتي أركّز على معاداة الأفكار، وليس الناس، والحوار ضوء يكشف ما غمّ عليك من مغالطات الأيديولوجيا التي سُجنت فيها، وربما تقنعني بأني أنا المسجون بما أكتب.


مرة أخرى سبقه لسانه:


- أقول لك، أنا أكرهك.


- رددت: ستحرق قلبك، ولن يصلني شيء من نارك المتأججة.


غادر مقعده وانفعالات حركته تزداد غيظاً !

منذ يوم

كيف تتسرّب الأوحال..

كتبت ذات يوم مقالة بعنوان (قلمك حصانك)، وفي كل ما قرأت من سير ذاتية، لا أجد الحقيقة الساطعة لما مر بحياة الكاتب، هي كتابة (تجمل) وليست كتابة صريحة، ولهذا أصفح عرضاً عما يكتب.

فإذا كانت النصيحة بلجم لسانك في المثل الشهير (لسانك حصانك...)، والآن يمكن تغير المثل بالقول (قلمك حصانك)، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (شمعٌ أحمر على الأفواه)، إذ ما زال الأصدقاء من الكتاب والنقاد مغرمين بتحفيز الكتاب على كتابة السير الذاتية، ومنذ وقت طويل وأنا أشكك في كل سيرة ذاتية عربية؛ لأسباب جوهرية، وأجدني أعيد القول لما يثار حول هذا الأمر، فقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (لا تفتح السيرة) منطلقاً من المثل الشهير: (سيرة وانفتحت)، ذلك المثل الذي يقال للتحفيز على كشف الأسرار المخبأة، ويمكن فتح تلك الأسرار أمام مجموعة محددة وغالباً تكون بين أصدقاء، ومع ذلك التقارب الوجداني مع الأصدقاء يظل فتح أي سيرة هو حديث على الهوامش، فليس هناك سيرة عربية عارية بكل تفاصيلها، وما زلت ثاوياً عند رأيي السابق عما تكون عليه السيرة الذاتية العربية من اختباء العاري منها خلف التنميق والبهرجة غير الصادقة، فالثقافة العربية قائمة على عدم المجاهرة عكسها تماماً الثقافة الأوروبية القائمة على البوح، فالاعترافات التي تحدث بين الكاهن (أو القس) والتائب، هي حالة بوح أسست لفكرة تعرّي الشخصية من كل ما تم ستره. بينما ثقافتنا الإسلامية تؤسّس قناعة الكتم وعدم البوح، ولذلك لا يمكن لأي سيرة ذاتية عربية المجاهرة بما اكتنفته الأيام، وإن حدثت مجاهرة ما فغالباً يتم اللجوء إلى كتابة الرواية والاختباء خلف شخصية من الشخصيات، وإن كان ثمة سيرة ذاتية عربية كُتبت من غير (تزويق)، فهذا يعيدني إلى سؤال قديم كتبته حول اعترافات الروائي كاتب لبناني مشهور:

- هل كانت اعترافات ذلك الأديب تأسيساً لمصداقية كتب السير الذاتية العربية؟

- هل من محاجة لو أنني قلت إنه كتاب (ذكريات الأدب والحب) أول سيرة عربية كُتبت بتجرد. تجرد فيها كاتبها للوصول بها إلى الحقيقة الواقعية التي عاشها الكاتب.. ليكن ذلك.. لن أصم ذلك الأديب بالشجاعة، فما رواه عن أبيه وعلاقته به يجعلك من البدء تدخل في دهاليز التنظير وأن هذا الفعل هو تكرار لنظرية قتل الأب، تلك الشخصية التي تمثل السلطة المكررة في حياتنا والتي سعى (الأديب المشهور) من البدء إلى إدخالها حيز المواجهة والكشف (لم أكن أحب أبي) إلا أن هذه النظرة ستكون قاصرة عن فهم السياق الحياتي للطفل (الكاتب)، فهو يقف موقفاً من أبٍ صدمه صدمة عنيفة، تلك الصدمة التي وقف عليها خلسة، فالحياة الشاذة التي عاشها أبوه جعلت الكره يستيقظ لهذه الشخصية الشاذة التي تتصالح مع واقعها باقتفائها السبل الخيرة من وجهة نظر الآخرين إلا أن حياته السرية حياة مشينة وشاذة.

وأول وقفة للكاتب على هذه الحالة يقود إلى نفور من ذلك الأب، نفور يجعله لا يتورع عن ذكر صفات مستنكرة من ذلك الأب (كان لأبي كرش أنفر منها لأنه لم يكن يتورع عن تنفيسها بريح يطلقها بين الفينة والفينة دون تحرج!).

فالأب ليس هو المعني بمفهوم قتل الأب، بل هو الأب الإنساني المكسور بحالته المختلفة، التي تصنعها ظروفها ومزاجها على أية حال..

وهذا الطفل يؤكد أنه بدأ حياته بشاهدي زور وقعا على تزييف عمره الحقيقي، فهل يكون اعترافنا بمثل هذه التزويرات تصحيحاً للتاريخ أم شهادة على حالة مجتمع لم يكن معنياً بتتبع الأخلاقيات، وإنما كان معنياً بتتبع أين تقع المصلحة..

ويرسم (الكاتب المشهور) صورة رائعة لأول علاقة له بالجنس الآخر من خلال تلك الطفلة التي كان أهله وأهلها يجتمعون لسماع أم كلثوم، بينما خدر لذيذ ينساب بين طفلين في غفلة عن عيون الكبار.. هذا المشهد سيحرك قلوب الكثيرين ممن سيقرأ هذه السيرة؛ لأنه مشهد تكرر في كل بقعة إنسانية.. مشهد الوقوف على أول حالة تلذذ بالجسد.

وستمر بالطالب (الكاتب) الذي يخطئ في عملية حسابية، سيكون ناتجها محرضاً لأستاذه أن يصفه بـ (طالب عدمان حمار).

وستجد نفسك فجأة تقف مع هذا الأديب الذي بدأ يشق طريقه لعالم العلم والأدب منذ أن كان ابن الخامسة عشرة، ذاكراً بداياته ورحيله للغرب وعلاقته بالكثيرين من رموز الأدب في لبنان وفي العالم العربي..

وهو في سرديته تلك يسجل ماضياً عبر دولة عربية (لبنان ) بحرفية روائي متمكن، لدرجة أن يصل إحساسك بيقين تلمسك لشخصيات عشت معها وتجعلك تشم عبق المكان وتزاحم الأحداث والحياة الاجتماعية التي صنعت واقعاً ثقافياً عربياً كان له أثره على بقية بلدان العالم العربي..

انهمار الذاكرة هذا كان بالإمكان أن يواصل تدفقه من خلال الجزء الثاني لسيرة الأديب المشهور بمتعة مواصلة جراءة البوح والدخول إلى المناطق المحرمة في السير العربية، إلا أن وقوف (العيب) كان الشمع الأحمر الذي أخرجته الأسرة لتسد به ثقب الصنبور المفتوح قبل أن تخرج كل الأوحال!

منذ يومين

الفنون.. نقضاً واستحساناً

كثير من القضايا الإنسانية ذات طابع جدلي، فما تؤمن به يأتي آخر على نقض ذلك الإيمان.


ولأنها قابلة للاستحسان والإعراض تكون أي قضية ذات أبعاد تتطابق مع أناس وتتعارض مع أناس آخرين.


ولأن للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب الاستحواذ على كل شيء، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في زمن السلام، تتقدم بعض الأصوات التي ترى أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة، وفي هذا الرأي قدر من المبالغة، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة فليفرح بعض المنادين بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية وبين الدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة. وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء من هذه الخارطة الجغرافية أو جزء منها، وتسهم بعض السياسات والمواقف الدولية الراهنة في زيادة حدة التوترات التي قد تدفع إلى مزيد من التصعيد.


وليس من الفطنة الدخول إلى فرنٍ عالي الحرارة؛ كي نؤكد أن الحرب تنتج فنّاً عظيماً.


وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركّز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية، كما أننا لسنا في حاجة إلى لوحة تشكيلية تمتدح القرارات السياسية، أو ترفضها، ولسنا في حاجة لمشاهدة مسرحية فجّة. نعم الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب عربة خشبية، كما أننا لن نُخدع بروايات توصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله بعض الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا).


فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار- حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوّناتها الرئيسة دم متلبد.


وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) بأن الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأتِ منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسّس لومه؟، لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.


كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزيّن مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.


وكلما بعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عمّا كتب عن كوارث الحروب.


الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة، التي يمكن لها أن تصبح شاملة، إلا أن ما ستنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمّسهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.


نعم، ستخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سيحمل منتجوها أوصافاً وألقاباً إبداعية، وسترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني- في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيّرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليس هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.


الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة، فالأحداث الجارية- في حينها- غير إنسانية البتة.


ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون نتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟


هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتبلد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم بذكر أفلام أو روايات جسّدت تلك الكارثة الإنسانية، فسيأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني. وتستطيع دفع السؤال بتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة، فهي دفانة لها، مثلها مثل الكبد يكون مقبرة ومفرخة في نفس الوقت.


فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟


فالسؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان، فعمرها مديد ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض، الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت) كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:00 | 5-06-2026

البحث عن نبل الكتابة

مهما كتبنا ووصفنا شخصيات مرت بنا أو مررنا بها لن تكون الكتابة طبق أصل الواقع، فبين الواقع والتجسيد، فروقات مهولة لا يمكن تجسيدها، مع أن الحالة الشعورية التي كُتبت بها تلك السيرة يمكن لها أن توصلنا إلى حالة الكاتب أو مزاجه.

لنقف هنا من المبتدأ.

كتبت هذا التجسيد:

الجراح تحمل سجلاً تاريخياً يفسر صعودنا أو هبوطنا هكذا انسكبت خواطر مخيلتها وهي ترمق أخاها مقبلاً على ازدراد الطعام غير مكترث بوقفتها على رأسه:

- لم يكن إبراهيم بشعاً إلا بعد أن استقر هذا الجرح في وجهه.

الجرح الممتد من أسفل عينه اليمنى إلى ذقنه عكر ملامح وجه الجميلة.

لم يكن جرحاً عابراً بل كان أخدوداً فاضت زوائده على مجرى الشفرة التي شطرت وجنته فتقبقب خده الأيمن ولم يكن التئامه منشرحاً فعبس على كتل لحمية تدلت على ضفاف الجرح، أحدث العبوس نفسه في حياته، إذ بدأ بخسارة وسامته التي كانت مضماراً لتسابق عيون صبايا الحي بالتفرس فيها واشتهائها وانتهى بصعلوك يعشق الدوران بدراجته النارية بين أزقة الحي بحثاً عن شجار ينتصر فيه لمن يستعين به.

ملامح اشتركت عروق عديدة لإنضاجها، عروق إيطالية وإسبانية وتركية سافرت في سلالته وأناخت بحمولتها على وجهين: وجهه، ووجه أخته أميمة.

لم يكن يدر بخلد أحد من أهل الحي أن تنتهي وجاهة تلك العائلة بتثبيت مشهد بائس لأخوين يعيشان في فاقة مدقعة بعد أن أودع أبوهما السجن العام.

كبار السن يتحدثون أن جده أول رجل من رجالات الحارة يركب طائرة، ويسافر إلى بلدان بعيدة، كانوا يخطئون في نطق أسمائها نطقاً سليماً، فيقولون: بلدان بعيدة تصل إليها الشمس في اليوم التالي، ومع كل رحلة يعود محملاً بصفائح الذهب، ويجزم الكثير منهم أن قطع الذهب التي يعثر عليها البعض في مواسم الأمطار هي من تلك الصفائح المدفونة داخل الدار الكبير.

كان دارا كبيرا تهاوى بأسرع من المتوقع.

هذا اقتطاف جزء من رواية الصهريج، ليكون السؤال حاضراً:

- أين تذهب سيرة الرجال؟

عشرات الشخصيات كانوا هنا، وتلحفوا بالتراب، ولم يعد لهم من وجود سوى الحكايات.

فهل تكون تلك الحكايات أمينة على سيرهم، وإن كانت أمينة على الأحداث، فلن تستطيع أن تكون أمينة على مشاعرهم.. الكتابة اقتراب من الحدث وليست الحدث نفسه.

وكل شخصية تُكتب نكون قد سلبناها حقيقة مشاعرها.

ندعي أننا نستبطن تلك الشخصيات إلا أن ذلك الاستبطان قادم من نفس أخرى، وإذا آمنا بأن لكل نفس بصمة خاصة فلن تكون النفس البديلة هي الأصل.

وكمثال واضح، نحن نعيش الآن مع شخصيات فذة، وحين تلتحف بالتراب لن تستطيع أي كتابة أو دراما تجسيد تلك الشخصية، فهل نقول من ارتحل بكيفه أنه كان موجوداً، ويكفيه ذلك الوجود من غير محاولة استعادة وجوده.

هي مسألة حساسة فنياً، ولا ترتهن لما نقول أو نفكر حين نستعيدها فنياً.

فقط لتكن الاستعادة أكثر صدقاً وأكثر نبلاً مع من تواجد بذاته، وليس تواجداً فنياً.

00:16 | 1-06-2026

ذكريات مضيئة في ذهنية الحاج

بدءاً، الحمد لله على نجاح حج هذا العام، وهو نجاح تراكمي تحقّقه المملكة عاماً بعد عام، كيف لا وهي مصدّرة الامتياز في كل حين.

تالياً، ومنذ عقود، ظلّ الحج مشروعاً سنوياً تُعيد فيه المملكة تعريف التنظيم، وترسم في كل موسم معادلةً صعبة: كيف تخدم ملايين ضيوف الرحمن، وتبقى قريبة من كل حاجّ، وكأنك تخاطبه وحده؟

وحين يتكرّر هذا السؤال، لا تأتي الإجابة فقط من التنظيم، بل من تلك المشاريع التي تعمل في صمت، وتتقدّم بهدوء، لتترك أثرها في صميم التجربة.

وهناك مشاريع تقدّم الإجابات الهادئة لما تحدثه المملكة من تغيّرات تستهدف إراحة الحجاج، وهي مشاريع عديدة، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في العدد، بل في المعنى الجديد الذي تمنحه هذه التفاصيل للتجارب المختلفة التي تراعي راحة الحاج، وتنصت لاحتياجاته، وتمنحه الخصوصية والأمان، فهذه ليست رفاهية، بل هي امتدادٌ لصوت الرؤية الطموحة.

وما فعلته تلك المشاريع أنها وضعت الحاج في قلب المعادلة، ليس بوصفه ضيفاً عابراً، بل ضيفاً عزيزاً تُبنى له المساحة التي تليق بحضوره، ويُحترم فيها جسده المتعب، وروحه المقبلة على الطمأنينة. وليس سرّاً أن المملكة، في رؤيتها، لم تعد تنظر إلى الحج على أنه فقط حدث موسمي، بل تجربة إيمانية يجب أن تكون محاطة بأقصى درجات العناية، من الأرض التي يطؤها الحاج، إلى السقف الذي ينام تحته.

الجميل في تلك المشاريع أنها لا تحمل ملامح «العاجل المؤقت»، بل ملامح التخطيط العميق الذي يرى المستقبل من نافذة احترام الحاضر، وأن تُبنى المشاريع بالسرعة والجودة تكون الفكرة قد اكتملت، مدللة على نضج في الرؤية، ووضوح في ما أرادته منظومة الحج من مشاريعها.

قد لا يعرف كثير من الحجاج أسماء الشركات المنفذة أو الجهات المتعاونة، ولا يحتاجون لذلك؛ ما يهمهم أنهم وجدوا مكاناً لا يشعرهم أنهم مجرد رقم في كشف، بل ضيوف في بيت يُحسن استضافتهم، وهذا هو جوهر المشاريع المقدّمة للحجاج، وما هذا القول ليس مستهدفاً للدفاع أو التطبيل، بل توصيفاً لمشاهد خُطط لها وتم تنفيذها واقعياً، لتكون إشارات ذكية مضيئة أن المملكة تمضي إلى الأمام، بخطى واثقة وثابتة.

وفي زمن أصبحت فيه الضيافة مؤشّراً حضارياً، وإذ تتقدّم المنظومة خطوة نحو الإنسان، فإنها لا تسعى لإراحته فحسب، بل تمنحه شيئاً يُشبه الذكرى... ذكرى يعود بها، ويحملها معه طويلاً.

00:17 | 31-05-2026

لا حج بلا تصريح.. عبادة صحيحة وتجربة آمنة

قبل أن تُحرم وتُلبّي، وقبل أن تخطو أولى خطواتك نحو البيت الحرام، هناك خطوةٌ واحدة تسبق كل شيء، هي التصريح، الذي يُفرِق بين حجٍّ صحيح مكتمل وبين رحلة تبدأ بالأمل وقد تنتهي بالأسف، فالحج عبادةٌ عظيمة تستحق أن تُؤدَّى على الوجه الأكمل، وهذا لا يتحقّق إلا بالتصريح الرسمي، الذي يجعل كل خطوة في المشاعر المقدسة خطوةً آمنة وصحيحة.

والتصريح بوابتك لحجٍّ آمن ومنظَّم، فمئات الآلاف القادمين من أصقاع الأرض يتّجهون في وقتٍ واحدٍ نحو بقعة واحدة، ومن دون منظومة تصاريح رسمية تُرتّب هذا الوجود الهائل وتُنظّمه يتحوّل الحلم إلى فوضى. والتصريح هو الخيط الذي يربطك بمنظومة خدمات متكاملة أُعدّت لك مسبقاً، مكانك في منى، ومسارك في الطواف، وموعدك في الرمي، وكل التفاصيل التي تجعل تجربتك الروحية هادئةً لا مضطربة، عميقةً لا مشتّتة.

والحج بتصريح يُجنّبك المخاطر، وكثيرون خاضوا تجربة الحج في السنوات السابقة دون تصريح ظنّاً أن الأمر مجرد إجراء شكلي يمكن تجاوزه، فاكتشفوا في قلب المشاعر أنهم محاصرون بين الزحام دون حماية ودون خدمات ودون خيارات، والنيّة الصادقة فريضة القلب، والتصريح فريضة الطريق، وإهمال أحدهما يُخلّ بالتجربة كاملةً ويُحوّلها لمعاناةٍ بدلاً من أن تكون ذكرى تسكن الروح إلى الأبد.

والتصريح ضمانٌ لسلامتك وراحتك، ومَن يحمل تصريحاً رسميّاً يجد أمامه رعايةً صحية ميسَّرة، ونقلاً منظَّماً، وإرشاداً مستمراً في كل منسك. والمملكة العربية السعودية تُسخَّر طاقات استثنائية لتقديم هذه الخدمات لضيوف الرحمن، وما الحملة الوطنية الإعلامية لتوعية ضيوف الرحمن هذا الموسم بشعارها «الحج عبادة وسلوك حضاري» إلا تجسيدٌ حيٌّ لهذا الحرص وتأكيدٌ أن التصريح بوابةٌ لا تُفتح إلا لمن أخذ بالأسباب الصحيحة.

وتصريح الحج مسؤوليةٌ دينية ووطنية في آنٍ واحد. الحاجّ الملتزم بالتصريح يُسهم في نجاح هذاالتجمّع الإنساني الفريد، ويُريح نفسه ويُريح مَن حوله، ويُؤكد أن الانضباط قيمةٌ دينية قبل أن تكون قيمةً إدارية.

وأقول بقناعة راسخة، إن التصريح ليس عائقاً بين الحاجّ والفريضة، بل هو الجسر الذي يُوصله إلى أكمل صورة لهذه العبادة العظيمة وأهنأها وأسلمها، فمَن أراد حجّاً صحيحاً وتجربةً آمنة، فليبدأ من التصريح.

00:26 | 25-05-2026

عالي السكوت

كان للملاحق الثقافية دور رئيس في تصويب اعوجاج الحركة الأدبية، والتصويب يأتي من خلال مناقشة أي انحراف واستضافة المعنيين لإبداء آرائهم فيما يحدث ، وربما تدنى مستوى تلك الملاحق ، وأصبحت أقرب للمجاملات أو أنها تتطرق للمواضيع التي ليس بها حصحصة للحق ، وإنما أقرب للمهادنة، أو اليقين أن ليس هناك من يقرأ ، وفي كل الحالات عليها ألا تتخلى عن دورها الرئيس في تقويم أي اعوجاج ، وسبق وأن كتبت مقالة بعنوان: أين هي الملاحق الثقافية من هذا؟


كنوع من التنبيه لما يحدث من تسيب، والتهاون مع الإبداع ، فهل بالإمكان إخراج مبدع من خلال التجارب المختبرية التي تُجرى عليه لتحسن موهبته الناقصة ، أو المعدومة ؟ أنا ميال إلى التصديق ، وصدق المثل الشعبي الشهير: (الديك الفصيح من البيضة يصيح) ، أي أنه ليس بحاجة إلى تعليمه الصياح.


إزاء هذه التغريدة ، تداخل بعض المعنين بالشأن الأدبي ، بين مؤيد، ومعارض لفحواها ، وإن اجتمع الكل على أهمية وجود الموهبة في الأساس ، ومن هناك تبدأ مسؤولية المبدع في صقل موهبته ، وتثبيت أقدامه في الساحة الثقافية كمبدع حقيقي .. أحد الأصدقاء (من أدباء البلد) بعث إليّ برأيه، طالبا عدم ذكر اسمه، ومعللا أن الساحة لم تصل إلى مرحلة تقبل النقد، وإن حاججته ، بأن عمر الساحة ليس صغيرا أو مراهقا، فكانت إجابته على طرف لسانه، بل هي في حالة مراهقة كون جل الشباب يكتبون ولم يصلوا إلى ماوصلنا إليه من حصانة ضد النقد، ولم يصلوا إلى اقتناع بان لكل إنسان رأي خاص به لا يعمم ، ورأيه ليس لاغيا لأحد .. وكانت رسالة هذا الصديق الأديب جديرة بالوقوف عليها، وتحويلها إلى قضية أدبية في الملاحق الثقافية .


وهذا نص رسالة الصديق الأديب إذ بدأ بقوله: (وفق ذائقتي أعترف أن مستوى الإبداع الروائي المقدم حاليا متدنٍ للغاية.


وإن عمقت اعترافي سوف أجمع الأغنية، والشعر، واللحن في هذا التصنيف، وأرى أن المتسبب في هذا، حدوث فصل، أو قطيعة ما بين ما تم إنتاجه سابقا، ولاحقا..


وليس في هذا لوما، وإنما تقرير حالة ، والتأكيد إن لكل زمن إبداعه الخاص به، سواء أكان له خصوبة الاكتمال، أو شح أرض (تملحت).


وهنا انتهت رسالة صديقنا الأديب، ومطالبته بعدم ذكر اسمه هي حالة نكوص، وتجرد من المسؤولية الأدبية .


ومع ذلك لنضع سؤالاً كبيراً حملته الرسالة ، لماذا لا يتم مناقشة ضعف المنتج الإبداعي ، وهو سؤال مقيد بالذائقة، واختلافها ، ويصبح السؤال الأكثر تحرراً بان الذائقة تتغير بتغير الزمن وأدواته ، وللزمن أناسه الذين يعبرون عن حياتهم وتجاربهم بما يليق بهم وليس بما يليق برجال الزمن السابق، وهذه عقدة تنشأ من هذه الجدلية ، تؤكد أن الأدب الرفيع يظل رفيعا بالاستشهاد بأن الأدب الجاد الرفيع ظل عابرا للزمن ، خالدا لا يُنسى، وهذا الرأي في جدلية الحوار يسقط بالتذكير أن الأدب الخالد لم يكن في زمن أو فترة زمنية واحدة ، فكل فترة تنتج أدبها ، ومن يأتي لاحقا هو من يثبت الرفعة أو الانحطاط .. كل هذا الأسئلة وإجاباتها جديرة بحوارية بين الشباب أنفسهم.


وربما أقترح عودة التقويم من قبل من شهدت لهم الساحة الإبداعية بالإتقان بحيث يتم إجازة المواد الإبداعية من قبلهم كجواز عبور لمن أبدع في أي حقل من حقول الإبداع، ربما يكون اقتراحا غير مجد لكن ليس بيد من يفزع لنوعية الإبداع الساري سوى التمني.. ربما تستكين إلى أن لكل زمن ذائقة لا تتناسب مع الذائقة السابقة، ويصبح الأمر يستوجب السكوت .

00:00 | 24-05-2026

العقوبات حماية ونظام.. لحج آمن ومنظم

في الحج، لا تكفي النية الصادقة وحدها لصناعة موسم آمن؛ فالملايين من ضيوف الرحمن الذين يتجهون إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة يحتاجون إلى تنظيم دقيق، وعدالة واضحة، والتزام يحفظ حق كل حاج، وهنا تصبح العقوبات جزءاً من منظومة الحماية، فهي تصون الشعيرة، وتحمي الإنسان، وتمنع الفوضى قبل أن تبدأ، ومن يفهم معنى الحج، يدرك أن النظام في هذا الموسم عبادة سلوكية بقدر ما هو ضرورة تنظيمية.

وتحمي العقوبات حق الحاج، الذي سلك الطريق الصحيح، وحصل على التصريح، واحترم التعليمات، وهذا الحاج جاء ليؤدي نسكه في طمأنينة، ومن حقه أن يجد مساراً منظّماً وخدمات قادرة على استيعاب الأعداد المخطط لها، وحين يحاول آخرون دخول المشاعر دون تصريح، فإنهم يزاحمون النظاميين، ويضغطون على الحركة والخدمات، ويعرّضون أنفسهم وغيرهم لمخاطر كان يمكن تجنبها من البداية.

ومعرفة العقوبات مسؤولية قبل أن تكون خوفاً من الجزاء، فالغرامة المالية التي تصل إلى 20 ألف ريال بحق من يضبط مؤدياً أو محاولاً أداء الحج دون تصريح، وما يتبع ذلك من ترحيل المتسللين للحج من المقيمين والمتخلفين إلى بلادهم ومنعهم من دخول المملكة لمدة 10 سنوات، تحمل رسالة واضحة مفادها، طريق الحج يبدأ من التصريح والالتزام، أما من ينقل المخالفين إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، فقد تصل غرامته إلى 100 ألف ريال، لأن نقل المخالف لا يضر نفسه وحده، بل يفتح باباً واسعاً للإرباك والفوضى.

والشفافية في إعلان العقوبات تعزّز ثقة الناس في منظومة الحج، وعندما يعرف المواطن والمقيم والزائر القاعدة قبل أن يتحرك، تصبح المسؤولية أوضح، ويصبح القرار أسهل، ومن هنا تكتسب الحملة الوطنية الإعلامية لتوعية ضيوف الرحمن أهميتها، لأنها تجعل الرسالة قريبة من الجميع: الحج عبادة وسلوك حضاري، والالتزام بالتعليمات طريق السلامة والسكينة.

كما أن العقوبات المتدرجة تعبّر عن عدالة واضحة، فهناك فرق بين من يحاول أداء الحج دون تصريح، ومن ينقل المخالفين ويساعدهم على تجاوز النظام، والتدرّج هنا يربط حجم العقوبة بحجم الضرر، ويغلق الباب أمام من يستخف بالمخالفة أو يتعامل معها كفرصة عابرة.

الوعي بالعقوبات يبدأ من الفرد، ثم ينتقل إلى الأسرة والمجتمع. كل شخص يستطيع أن يكون جزءاً من الحل بنشر المعلومة الصحيحة، وتجنّب المخالفة، والتنبيه على خطورتها. كما أن الإبلاغ عن المخالفات عمل مسؤول، يحمي الحجاج، ويسهم في تطبيق العدالة، ويحافظ على أمن المشاعر وقدسيتها.

00:53 | 22-05-2026

كفاية شكوى

في جلسات عديدة يتم تناول سيرة من سير الفنانين، ويتم إلقاء التهم، إن فلاناً عطّل مسيرة فنان متميّز، ولولا محاربته لكان من أفضل المطربين، وهذه التهمة ومثيلاتها لا يمكن تصديقها لمن آمن بأن الفنان الأصيل لا أحد يغطي موهبته، من يقضي على الموهبة الجيدة الفنان نفسه بإهماله لموهبته، ولا يناضل من أجل الظهور. الفنان إمّا أن يناضل لإظهار موهبته أو يتلكأ ويخلق الأعذار لعدم نجاحه، وقد سبق أن كتبت مقالاً في هذا الجانب بعنوان «مين عذبك بتخلص مني!» بادئاً بهذا السؤال:

- هل بالإمكان أن يعطل شخص ما موهبة فذة، ويمنعها من الظهور؟

وعلّقت ذلك السؤال على ردهات الفن الغنائي تحديداً.. فموروث الذاكرة الغنائية يحتفظ بقصص عديدة بأن فنانة أو فناناً عطّل مواهب عديدة عاصرته خشية من أن يتفوق عليه أحدهم.

وجلّ المتابعين للفن الغنائي يحملون حكايات وحكايات في هذا الجانب، ومع مرور الزمن تتكشّف الحقائق أن كل ما قيل ليس صحيحاً.

والمتابعون هم من يصيغون تلك الحكايات، ومع ترديدها تتحوّل إلى حقيقة في أذهان الناس، فمثلاً كثيرٌ من الناس ترسّخ في بالهم أن المطربة أسمهان كانت الحادثة المرورية التي أودت بحياتها، حادثة مدبّرة، وأن أم كلثوم هي من دبّرت تلك الحادثة، ومضت السنون وذلك الوهم ساكن في ذاكرة الناس.. وسمعنا، وقرأنا قصص العداء المبطّن ما بين عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وأن حليم وضع السلم بالعرض لكي يمنع فريد من الظهور، وأنه حاول اعتراض طريق هاني شاكر، وقرأنا العدائية بين الفنانات وأن كلاً منهن تتربص بالأخرى؛ لكي تمنعها من الظهور والنجاح، ولو بسطنا حكايات العداء المحكي بين: (فايزة أحمد، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وشادية)، فلن تنتهي الحكايات، هي حكايات ليس لها أي تأكيد في حقيقة الواقع، فمن ذكرتهن، ظهرن، وخلدن أعمالاً عظيمة، ولو أنهن استسلمن لشعورهن بالمظلومية لما غنت أي منهن، ولما قدّمن أعمالاً خالدة.

هذا الأيام ارتجت منصة (x) بأقاويل عن ثمة قوى حاربت أو عملت على تعطيل أسماء فنية عن مواصلة فنها!

وهي تهمة تبرر تقاعس من لم يواصل الجهد والتحدي في تقديم فنه، فالنجاح ليس أن تُعرف بل في مواصلة الجهد في أن تظل ناجحاً.

والشعور بالمظلومية لا يحقّق نجاحاً، فذاك الشعور يثبط عزيمة البحث عن طرق النجاح، ويجعل الطريق مغلقاً دائماً لمن لديه ذلك الشعور.

يقال إن النجاح هو المحافظة على القمة، ومن لديه أعذار في عدم مواصلة النجاح فليرح نفسه، وليرح الناس من شكواه.

00:05 | 21-05-2026

وصلت؟

«الإنسان ابن لغته»، هذا تعريف مبسّط عن كينونة وجوهر أي كائن بشري في هذه البسيطة.

في أحد حواراتي مع روائي أمريكي كان الحديث عن اللغة، وكيف نتعامل معها كأناس، وفي العمق كيف للغة الأم تأثيرها على الوجدان، وطرأت في بالي وأنا أتحدث معه، قلت له أن آليات التفكير بين الشعوب ترتكز أساساً على دلالات اللغة الأم في داخلك، ضارباً مثالاً بطريقة الكتابة، قلت له: أنت تكتب من الشمال بينما أنا اكتب من اليمين، وهذه الآلية تجعل تفكيري مؤسساً على طريقة معينة، وتفكيرك مؤسساً على طريقة مقابلة، وحين تتوحد لغتنا، تكون اللغة التي نتحدث بها سهلة لمن تكون لغة الحديث هي لغته الأم، فلو أخذنا مفردة بعينها من لغتي ولغتك، ستكون تلك المفردة عميقة في وجدانك إن كانت المفردة من لغتك، وتكون في وجداني ليست بالعمق الذي شعرت به أنت.

وانتقلت به إلى ميدان عالمية لغة ما (ولتكن الإنجليزية) التي يتحدث بها بطلاقة، وسألته: لو تم تفوق لغة أخرى على الإنجليزية، وأصبحنا نتحدث بها، ولتكن الصينية ذات المنتج العالمي، وترقت لغة ذلك المنتج لتكون لغة المنتج هي لغة عالمية، كيف تكون هذه اللغة مع وجدانك كروائي؟ هل تستطيع نقل مشاعرك كما هي بتلك اللغة؟

توقف قليلاً، ونفي مقدرة أي لغة أخرى على نقل وجدانه كما يشعر به في خاطرة.

وذكرت موقفنا وحوارنا مع بعضنا (وبيننا مترجم)، ذاكراً له أن حوارنا يصل بعضنا ببعض كتعريف بما نفكر به، وليست في نقل حميمة ما أشعر به، وكذلك أنت، أي أن لغته الإنجليزية العالمية لم توصل ما يشعر به تماماً مع رجل لا يجيد نفس اللغة، في حوارنا المطول اتفقنا على «أن الإنسان ابن لغته».

وكل الفنون الإبداعية تزدهر بلغتها، وإن أصبحت اللغة العالمية هي المسيطرة فلتكن في الجوانب الاقتصادية، أما أن تكون هي لغة بديلة للتعبير بما أشعر ويعترك في داخلي، ستكون تلك اللغة العالمية عاجزة عن إخراج ما أشعر به تماماً.

أتحدث عن مقدرة الإنسان بتعبير عن وجوده، ووجود أبناء جلدته، أما المحادثة هي حادثة حتى ولو بالإشارة.

اللغة العالمية لتبادل المصالح المادية وليست لإثبات وجودك والتعبير عمّا يدور في خلدك كمشاعر تنطق بها لغتك الأم.. وصلت؟

00:15 | 18-05-2026