تعد الصورة الفوتوغرافية، في جوهرها، تأملاً فلسفياً في هشاشة الزمن؛ فهي الروح التي تحفظ أزمنة السلم، والصرخة التي تفضح قسوة الحروب، وهي ليست مجرد انعكاس بصري للحظة عابرة، بل محاولة عميقة لاحتجاز الزمن، وإنقاذ المعنى من التبدد. ولعل الحضارات القديمة لم تترك لنا سوى ما استطاعت العين أن تحفظه والروح أن تؤوّله؛ لذلك ظل التصوير الفوتوغرافي أحد أكثر الفنون التصاقاً بالذاكرة الإنسانية، وأشدّها قدرة على استنطاق التاريخ، وإعادة بثّ الحياة في صمت الأمكنة.
ومن بين أكثر التجارب التصاقاً بفكرة «ثقافة الترحال»، تبرز أعمال الرحالة والمستشرقين الذين حملوا عدساتهم كما يحمل الشعراء دفاترهم؛ يوثقون المدن، ويتأملون وجوه الناس، ويلتقطون نبض الحضارات وهي تعبر الزمن. فالصورة ليست مجرد مشهد، بل لغة كونية لا تحتاج إلى ترجمان، تختصر الحكايات والأزياء والطقوس وأحلام البشر، وتمنح اللحظة العابرة حياة أخرى لا يطالها الفناء. ولهذا اكتسبت الصورة مكانتها بوصفها وثيقة بصرية ذات مصداقية عالية، حتى قيل في الحكمة الصينية القديمة: «الصورة الواحدة خير من ألف كلمة»، لأنّ الضوء أحياناً يقول ما تعجز اللغة عن البوح به.
في هذا الأفق الرحب تتجلى تجربة الأميرة ريم محمد الفيصل، بوصفها أول سيدة سعودية رائدة في التصوير الفوتوغرافي الفني في المملكة العربية السعودية والخليج العربي، وتمتلك في مشوارها مع فن التصوير الفوتوغرافي أكثر من 30 عاماً من الدُربة الطويلة.
وبخصوص معرضها «أرض الحجيج والشعراء»، المقام حالياً في «مساحة وصل» الفنية بمدينة جدة منذ 30 أبريل، ويستمر حتى 25 مايو الحالي، قالت الأميرة في حديثها للصحافة إنها وعبر الحجيج القادمين إلى السعودية، تمكنت من التعرف على ثقافاتهم وتقاليدهم، وملامح وجوههم وألوانهم. وأضافت أنّ تجربتها بمثابة رحلة في الحضارة الإنسانية وتاريخ البشرية خلال موسم الحج، وأنّ اختيارها عنوان المعرض «أرض الحجيج والشعراء» يعود إلى الحضارة القديمة في الجزيرة العربية؛ فمن خلال اطلاعها وقراءاتها الشعرية لاحظت أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الإنسان والبيئة، وهناك نسق متناغم يربط الإنسان بالترحال والطبيعة والجبال، فما من موضع مميز ولا صحراء، أو وادٍ أو جبل، إلا وتم ذكره ووصفه في القصائد الشعرية، أو من خلال القصص التي ربطت الطبيعة والإنسان بالتركيبة المكانية، كما هو الحال في موسم الحج.
لم تكن الصورة مجرد توثيق لشعائر الحج، بل رحلة إلى الجوهر الإنساني، ومحاولة لاكتشاف المعنى الروحي الكامن خلف حركة تفاعل الجموع، وتلك اللحظة التي يذوب فيها الفرد في الكل، وتتماهى الهويات في بياض الإحرام وصفاء الروح.
استطاعت ريم الفيصل أن تمنح الحج بُعداً بصرياً يتجاوز الطقس الديني إلى أفق إنساني وشعري أكثر رحابة؛ فعدستها لا تلاحق المشهد فقط، بل تُنصت إليه، وتقرأ ما وراء الظلال والوجوه والخطوات. ولهذا بدت صورها وكأنها قصائد مكتوبة بالضوء؛ تتداخل فيها الروحانية بالشعر، والهوية العربية بالتأمل الوجودي العميق.
ويأتي توثيقها موسم الحج في مقدمة تجليات تجربتها الفنية؛ ففي صورها تتألق السكينة كأنها ابتهال بصري، ويغدو مشهد الحشود البشرية نوعاً من التناغم الكوني المهيب أمام مشهد الخيام في موسم الحج، فيتداعى في عدستها وكأنه لوحة تجريدية ضخمة، تنطق بالنظام والروحانية والرهبة الإنسانية العميقة.
ولم يكن غريباً أن تحظى هذه التجربة الثرية باعترافات دولية ومحلية، تُوّجت بحصولها على وسام فيلق الشرف الوطني الفرنسي «ليجيون دونور» عام 2009، في تكريم يتجاوز الإنجاز الفردي إلى الاعتراف بالدور الحضاري والثقافي الذي أصبحت المرأة السعودية تؤديه بثقة واقتدار، في ظل التحولات الكبرى التي صنعتها رؤية المملكة 2030، والتي أعادت تفعيل الحضور النسائي في المشهد الثقافي والفني.
لقد نجحت الأميرة ريم الفيصل في تحرير الصورة من جمود اللقطة التقليدية، وصاغت من أعمالها سردية حضارية نابضة بالروح والإنسان. فهي لا تلتقط المكان باعتباره جغرافيا صامتة، بل بوصفه كائناً حيّاً يختزن الذاكرة والتاريخ والانفعالات البشرية. ومن هنا يسطع البعد الإنساني في تجربتها، خصوصاً في اهتمامها بالقضايا العربية، حين أقامت معرضها الفني في مركز السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله؛ هناك حيث تتكئ الأرض على ذاكرة مثقلة بالألم والجمال والحضارة الإنسانية.
وفي أسفارها الفنية المتعددة، ظلّت ريم الفيصل تُوسع أفق الفن البصري السعودي، مانحة عدستها للعمارة الإسلامية التاريخية، ولتفاصيل الحياة اليومية في مجتمعات مختلفة، في تماهٍ عميق مع فكرة الترحال بوصفه اكتشافاً للذات قبل اكتشاف الآخر. لقد كانت تسافر لتلتقط الإنسان في لحظته الأكثر صدقاً، ولتؤكد أنّ الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود، بل ينتمي إلى المشترك الإنساني الأوسع.
ولعل أكثر ما يميّز أعمالها ذلك الولع بالأبيض والأسود؛ حيث التباين الذي يشبه الحياة نفسها، حين يتجاور النور والعتمة، والحضور والغياب، والفناء والخلود. فهي لا تستخدم اللون بقدر ما تستخدم الإحساس، ولذلك يشعر المتأمل في صورها أنه لا ينظر إلى مشهد خارجي، بل يعبر إلى داخله الشخصي، إلى ذاكرته وأسئلته وتأملاته الخاصة، وبالتالي ترفض ربط هذا الخيار الفني بالحنين أو النوستالجيا، مؤكدة أنّ علاقتها بالأبيض والأسود لم تكن محاولة لاستعادة الماضي، بل كانت بحثاً عن التحكم في الظل والنور.
إنّ الصورة عند ريم الفيصل محاولة لكتابة التاريخ بمداد الضوء. إنها لحظة التقاء العين الثاقبة بروح الخيال، حيث يتحول الزمن إلى أثر، ويتحول الإنسان إلى حكاية خالدة. ولذلك فإنّ تجربتها تتجاوز حدود التصوير الفوتوغرافي، لتغدو مشروعاً ثقافياً وإنسانياً يعلّمنا كيف يمكن للصورة أن تكون وطناً للذاكرة، ولغة للجمال، ومرآة للروح.


