عندما تضع مؤسسة بحجم غولدمان سكس المملكة العربية السعودية ضمن أكبر عشرين اقتصاداً في العالم بحلول عام 2075، فهذا لا يأتي من فراغ، بل من قراءة واقعية للتحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة منذ إطلاق رؤية 2030. لكن الأهم من هذا التوقع هو أن يكون نقطة انطلاق لطموح أكبر، فالسعودية تمتلك الإمكانات البشرية والمالية والاستراتيجية التي تؤهلها ليس فقط للوصول إلى المركز الثامن عشر، بل لمنافسة أكبر عشر اقتصاديات في العالم خلال العقود القادمة. لقد أثبتت رؤية 2030، خلال سنوات قليلة، قدرتها على تحقيق تحولات غير مسبوقة في الاقتصاد السعودي. فالمملكة نجحت في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، ورفع كفاءة الإنفاق، واستقطاب الاستثمارات العالمية، إضافة إلى القفزات الكبيرة في قطاعات السياحة والتقنية والترفيه والصناعة والخدمات اللوجستية والتغيرات في آليات الضرائب. كما أصبحت السعودية اليوم مركزاً عالمياً للأحداث والاستثمارات والمشاريع المستقبلية، وهو ما عزز الثقة الدولية في الاقتصاد السعودي وقدرته على النمو المستدام. لكن الحفاظ على هذا الزخم لعقود قادمة يتطلب عملاً مؤسسياً طويل المدى يتجاوز الوزارات التقليدية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز فكري اقتصادي مستقل (Think Tank) يكون مرجعيته وارتباطه المباشر بسمو رئيس مجلس الوزراء، وتكون وزارة الاقتصاد أحد أطرافه الرئيسية، بمشاركة المفكرين الاقتصاديين، وأساتذة الجامعات، والخبراء في مختلف المجالات، إضافةً إلى مراكز الفكر الاقتصادية المحلية والعالمية. هذا المركز يجب أن يعمل على بناء خارطة طريق اقتصادية تمتد حتى عام 2075، مع تحديث شامل كل ثلاث سنوات لقياس الأداء ومراجعة المؤشرات والتأكد من استمرار المملكة على المسار الصحيح نحو أهدافها الكبرى. الاقتصادات العظمى لا تُبنى بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل بالتخطيط العميق والاستشراف المبكر للتغيرات العالمية. ومن أهم عناصر بناء اقتصاد قوي ومستدام دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والعائلية والمتخصصة. فجزء كبير من قوة الاقتصاد الأمريكي والياباني والألماني لا يعتمد فقط على الشركات العملاقة، بل على وجود عشرات الآلاف من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تخلق الوظائف، وتبني الطبقة الوسطى، وتدعم الابتكار والتنافسية. أما تمركز معظم القطاعات الاقتصادية في عدد محدود من الشركات الكبرى، فهو لا يصنع اقتصاداً مرناً ولا يبني مجتمعاً اقتصادياً متوازناً على المدى الطويل. الاقتصاد القوي هو الذي يمنح الفرصة لرواد الأعمال والشركات الناشئة والمتخصصة للنمو والتوسع والمنافسة. الرهان الحقيقي خلال الخمسين سنة القادمة سيكون على الإنسان السعودي... على التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والصناعة، والتقنية. وإذا كانت رؤية 2030 قد نجحت في إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وفتح آفاق جديدة للعالم، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة ترسيخ هذا النجاح وتحويله إلى مشروع وطني طويل المدى يقود المملكة إلى موقع اقتصادي عالمي يليق بطموحاتها وإمكاناتها.