أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1898.jpg?v=1778328290&w=220&q=100&f=webp

سلمان الجشي

تكلفة العامل بين التوطين وجذب الاستثمار.. هل حان وقت إعادة معايرة الأدوات ؟

في سباق جذب الاستثمار، لا تتنافس الدول اليوم على الإعفاءات الضريبية أو الحوافز المالية فحسب، بل على تكلفة ممارسة الأعمال بكامل عناصرها. ويظل عنصر تكلفة العامل أحد أكثر العوامل تأثيراً في قرارات المستثمرين، ليس من زاوية الأجر وحده، بل من زاوية ما يتحمله صاحب العمل من رسوم والتزامات نظامية لا ترتبط مباشرة بالإنتاجية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لهيكل تكلفة العامل في المملكة، تقودها وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الاستثمار بالشراكة مع الجهات المعنية، ليس بهدف تخفيض الإيرادات الحكومية، وإنما لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي في مواجهة مراكز صناعية إقليمية. لقد حققت المملكة خلال السنوات الماضية إنجازات استثنائية في بناء البنية التحتية، تطوير البيئة التشريعية وتحسين الخدمات اللوجستية، حتى أصبحت تمتلك واحدة من أكثر البيئات الاستثمارية استقراراً في المنطقة. كما أن نعمة الأمن والأمان، في وقت يشهد الخليج والعالم اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة، والموقع الجغرافي الذي يربط بين الشرق والغرب، يمثلان ميزتين إستراتيجيتين يصعب على كثير من الدول منافستهما. غير أن المستثمر الصناعي لا ينظر إلى هذه العوامل بمعزل عن تكلفة التشغيل طويلة الأجل، وفي مقدمتها تكلفة العامل. فالاستثمار الصناعي يختلف جذرياً عن الاستثمار في قطاع الخدمات. فالمصنع يبدأ باستثمار ضخم في الأراضي والمباني والآلات وخطوط الإنتاج، ويُبنى على أفق يمتد لعقود، وليس لسنوات قليلة. لذلك فإن أي زيادة دائمة في تكلفة التشغيل تصبح جزءاً من معادلة العائد على الاستثمار طوال عمر المشروع. أما قطاع الخدمات، فرأس ماله أقل، وقدرته على تعديل نموذج أعماله أو الانتقال بين الأسواق أعلى، وهو ما يجعل المقارنة بين القطاعين عند تصميم السياسات التنظيمية أمراً يحتاج إلى قدر أكبر من التخصيص. وفي معظم الاقتصادات المنافسة، تُحتسب التكاليف غير الأجرية كنسبة من الراتب، بحيث ترتفع وتنخفض مع مستوى الدخل. أما في السعودية، فقد بُني جزء من الرسوم تاريخياً على مبالغ ثابتة لكل عامل، بغض النظر عن أجره. والنتيجة، أن العامل منخفض الأجر يتحمل... اقتصادياً.. تكلفة نسبية أعلى بكثير من العامل مرتفع الأجر. وهذا يخلق أثراً تنازلياً على القطاعات كثيفة العمالة، وفي مقدمتها الصناعة، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهي القطاعات التي تُعد تاريخياً أكبر مولد للوظائف الجديدة وأكثرها استدامة. ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي مشروع.. ماذا لو كانت هذه الرسوم مرتبطة بنسبة من الأجر بدلاً من كونها مبالغ مقطوعة؟ عندها ستصبح تكلفة التوظيف أكثر اتساقاً مع قدرة المنشأة على الدفع، وأكثر عدالة بين الوظائف المختلفة، كما ستخف الضغوط على الوظائف التي لا يقبل عليها المواطن أصلاً، دون أن تتراجع أهداف التوطين. ولا يقتصر الأمر على تكلفة العامل، بل يمتد إلى مراجعة أدوات سوق العمل نفسها، وفي مقدمتها نظام نطاقات. فقد طُوِّر هذا النظام قبل أكثر من عشر سنوات، في مرحلة كانت فيها بنية الاقتصاد وأولوياته مختلفة عما هي عليه اليوم. واليوم، وبعد إطلاق رؤية 2030، وظهور قطاعات اقتصادية جديدة، وتغير طبيعة الاستثمار العالمي، تبدو الحاجة قائمة لمراجعة الفكرة وآليات القياس، وليس الهدف الإستراتيجي للتوطين. فقد يكون من المناسب الانتقال تدريجياً من قياس يعتمد بصورة رئيسية على نسب التوطين الموحدة، إلى نموذج يأخذ في الاعتبار حجم الاستثمار، القيمة المضافة، الإنتاجية وعدد الوظائف المستدامة التي يخلقها المشروع. فالمصنع الذي يستثمر الملايين في أصول إنتاجية ويخلق وظائف مستقرة لعقود، لا يمكن تقييمه بالمعايير نفسها التي تُطبق على منشأة خدمية صغيرة تختلف تماماً في نموذج أعمالها. كما أن من المفيد دراسة أثر بعض الالتزامات الإضافية على تنافسية القطاع الصناعي، ومنها تكلفة التأمين الصحي، وإمكانية إعادة تصميم العلاقة بينها وبين الاشتراك في التأمينات الاجتماعيّة للعامل غير السعودي، بما يحافظ على جودة التغطية الصحية ويخفف في الوقت ذاته من تكلفة الإنتاج كمثل. فهذه المراجعات ليست تنازلاً عن حقوق العامل، بل جزء من تحسين كفاءة بيئة الأعمال. ومن الإنصاف الإشارة إلى القرار الحكيم بإلغاء المقابل المالي السنوي على رخص العمل للقطاع الصناعي، وهو قرار يعكس إدراكاً لأهمية هذا القطاع في تحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي. إلا أن هذه الخطوة يمكن أن تكون بداية لمراجعة أوسع لبقية عناصر تكلفة العامل، بما يحقق التوازن بين أهداف التوطين وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية. كما يجدر النظر إلى التجارب الإقليمية. المستثمر يقارن بين التكلفة الكلية للتشغيل عند اتخاذ قراره الاستثماري. وفي النهاية، فإن نجاح سياسات التوطين لا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي تُخلق اليوم، بل أيضاً بعدد المصانع التي تُبنى اليوم وتستمر في التوسع بعد عشرين وثلاثين عاماً. فالاستثمار الصناعي هو استثمار في وظائف دائمة، في نقل التقنية، بناء سلاسل إمداد وطنية وفي رفع المحتوى المحلي. إن مراجعة تكلفة العامل، تحديث أدوات التوطين وإعادة تقييم نظام نطاقات بعد أكثر من عقد على إطلاقه، لا تمثل تراجعاً عن الأهداف الوطنية، بل تعكس نضجاً في صناعة السياسات الاقتصادية. فالسياسات الناجحة هي تلك التي تتطور مع تغير الواقع، وتحافظ على غاياتها مع تحديث وسائلها. وإذا كانت المملكة قد نجحت في بناء بيئة آمنة، مستقرة ومتصلة بالعالم... فإن الخطوة التالية هي ضمان أن تكون أيضاً الأكثر تنافسية في تكلفة الإنتاج، لأن الاستثمار الذي يأتي اليوم هو الذي يصنع وظائف الغد ويؤسس لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

منذ يوم

من الرؤية إلى التنفيذ.. هل حان الوقت لتطوير نموذج الإنجاز؟

منذ إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير المقدام محمد بن سلمان، انتقلت المملكة من مرحلة التخطيط الطموح إلى مرحلة التنفيذ واسع النطاق. ولم تعد الرؤية مجرد إطار إستراتيجي، بل مشروعاً وطنياً أعاد صياغة أولويات التنمية، ورفع سقف الطموح، وأطلق حراكاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق. واليوم، وبعد أن أصبحت العديد من مستهدفاتها واقعاً ملموساً، تبدو المرحلة المقبلة أكثر ارتباطاً بجودة التنفيذ واستدامته من ارتباطها بصياغة الأهداف. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الرؤى الكبرى لا تحقق نجاحها بالتخطيط وحده، بل بامتلاك آليات تنفيذ تتطور باستمرار. فكلما تقدم المشروع الوطني، أصبحت الحاجة أكبر إلى أدوات أكثر مرونة، وأسرع في نقل المعرفة، وأكثر قدرة على التعامل مع التحديات اليومية التي لا تظهر في التقارير، بل في مواقع العمل. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المناسب التفكير في تطوير نموذج التنفيذ، عبر الانتقال التدريجي من الاعتماد التقليدي على المكاتب الاستشارية إلى فرق إدارة مشاريع مشتركة، تضم ممثلين عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب خبرات دولية سبق لها تنفيذ مشروعات مماثلة في القطاعات نفسها، سواء في القطاع العام أو الخاص. فالقيمة المضافة هنا لا تكمن في تقديم توصيات جديدة، وإنما في مشاركة خبرات عملية تراكمت من خلال مواجهة تحديات حقيقية وإيجاد حلول قابلة للتطبيق. وتقدم التجربة السنغافورية مثالاً جديراً بالتأمل. فقد بُني نجاحها الاقتصادي على مؤسسات تنفيذية عالية الكفاءة، عملت وفق رؤية موحدة تربط الاستثمار بالتعليم، والابتكار، والبنية التحتية، وتنمية رأس المال البشري. كما تبنت نهجاً يقوم على استهداف قطاعات اقتصادية محددة، وتخصيص فرق حكومية ترافق المستثمر منذ مرحلة التخطيط وحتى بدء التشغيل، بما يضمن سرعة الإنجاز، وتقليل التعقيدات، وتحقيق قيمة اقتصادية طويلة الأجل. وقد أسهم هذا النموذج في جعل سنغافورة واحدة من الدول الأعلى عالمياً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مع قدرة لافتة على الحفاظ على استمرارية السياسات الاقتصادية عبر تعاقب القيادات وبدون بهرجة إعلاميّة. ولا يعني ذلك استنساخ تجربة بعينها، فلكل دولة خصوصيتها وإمكاناتها وأولوياتها. إلا أن الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية أصبحت جزءاً من تنافسية الدول، خصوصاً عندما تُكيف بما يتناسب مع البيئة المحلية، وتتكامل مع الخبرات الوطنية التي تمتلك المعرفة الأعمق باحتياجات المملكة. لقد أرست رؤية 2030 الأساس لتحول تاريخي، ورسخت ثقافة الإنجاز والطموح. وربما تمثل المرحلة المقبلة فرصة لتطوير آليات التنفيذ ذاتها، بحيث يصبح نقل الخبرة العالمية جزءاً من بناء القدرات الوطنية، وتتحول فرق المشاريع إلى منصات لتبادل المعرفة وصناعة الحلول، لا مجرد جهات للإشراف والمتابعة. إن نجاح الرؤى لا يُقاس فقط بما تحققه من مشاريع، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تتعلم، وتطور أدواتها، وتبتكر أساليب تنفيذ تواكب حجم الطموح. وهذه، في تقديري، هي المرحلة الطبيعية التالية لمسيرة تقودها رؤية واضحة، وتدعمها قيادة جعلت من الطموح معياراً للإنجاز، ومن المستقبل مشروعاً يُبنى بخطوات عملية ومدروسة.

00:00 | 2-08-2026

تطوير الإستراتيجية الصناعية السعودية يبدأ بمكونات السيارات..

تتجه دول العالم اليوم إلى إعادة رسم إستراتيجياتها الصناعية على أساس القيمة المضافة، وليس مجرد امتلاك خطوط الإنتاج النهائية. وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة سيارات مستدامة، لكن السؤال الأهم.. هل نصنع السيارات؟ أم من أين نبدأ؟ التجارب الصناعية الكبرى تؤكد، أن النجاح لا يبدأ من مصانع التجميع، وإنما من بناء قاعدة صناعية عميقة للمكونات والأجزاء. فالسيارة التقليدية تتكون، بالوزن، من نحو 50 إلى 65% من الفولاذ والحديد، و10 إلى 15% من البلاستيك والبوليمرات، و8 إلى 12% من الألمنيوم، إضافة إلى المطاط والزجاج والنحاس والمواد الكيميائية. وهذه المواد تمثل في الواقع نقاط قوة تمتلك المملكة فيها ميزات نسبية واضحة، سواء في الألمنيوم، أو الصناعات البتروكيماوية، أو التعدين والطاقة. بدلاً من استثمار مليارات الريالات في إنشاء مصانع لتجميع سيارات تستهدف سوقاً محلية لا يتجاوز حجمها نحو 600 ألف سيارة سنوياً، قد يكون من الأكثر جدوى توجيه الاستثمار نحو إنشاء مئات المصانع المغذية لصناعة السيارات. مصانع تنتج الأجزاء المعدنية، والمكونات البلاستيكية، والأنظمة المطاطية، والأسلاك، والدهانات الصناعية، اللواصق، والأجزاء الكهربائية، لتصبح مورداً معتمداً لكبرى شركات السيارات العالمية. الحصول على الاعتماد الرسمي من المصنعين العالميين هو التحدي الحقيقي، لكنه أيضاً الأصل الصناعي الأكثر قيمة. فعندما تصبح المنتجات السعودية جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية، فإنها لا تخدم السوق المحلية فقط، بل تدخل إلى ملايين السيارات التي تُنتج سنوياً حول العالم، وتخلق قطاعاً صناعياً واسعاً يوفر آلاف الوظائف ذات القيمة المضافة، ويولد طلباً مستداماً على الصناعات الوطنية. التحدي كبير، ولذلك فإن التمكين المالي، والحوافز الاستثمارية، وبرامج نقل التقنية، يجب أن تكون في صميم الإستراتيجية الصناعية المقبلة. فبناء منظومة مورّدين عالميين يحتاج إلى تمويل طويل الأجل، ومراكز للاختبارات والاعتماد، وشراكات مع الشركات الدولية، إضافة إلى تطوير الكفاءات البشرية والهندسية. كما أن مراجعة مستهدفات صناعة السيارات الكهربائية تبدو خطوة منطقية. فالتحول إلى المركبات الكهربائية يمثل المرحلة التالية، وليس نقطة البداية. الصين، التي أصبحت اليوم أكبر منتج للسيارات في العالم بإنتاج يقارب 34 مليون سيارة سنوياً، وسوق تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وأكثر من 100 شركة لتجميع السيارات، لم تصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها. فقد بدأت نهضتها الصناعية الحديثة عام 1978، بينما انطلقت إستراتيجيتها المركزة في السيارات الكهربائية بعد عام 2015، بعد أن امتلكت قاعدة صناعية هائلة في الصناعات التقليدية وسلاسل الإمداد. في المقابل، يبلغ عدد سكان المملكة نحو 35 مليون نسمة، وهي سوق مهمة لكنها لا تكفي وحدها لبناء صناعة تجميع ضخمة قادرة على المنافسة العالمية. كما أن تجربة أستراليا تقدم درساً مختلفاً، فعلى الرغم من وجود مصانع تجميع، فإنها أوقفت صناعة السيارات لعدم قدرتها على تحقيق الجدوى الاقتصادية أمام المنافسة الدولية.. لذلك، قد يكون الطريق الأقصر والأكثر استدامة هو الاستفادة من الخبرات العالمية التي خاضت تجارب ناجحة، والاستعانة بقيادات صناعية بارزة مثل كارلوس غصن وغيره، لوضع خارطة طريق واقعية تبدأ من الصناعات المغذية، ثم بناء شبكة مورّدين سعوديين معتمدين، مع تشجيع استخدام المكونات المحلية في السيارات المستوردة كلما أمكن ضمن الأطر النظامية والاتفاقيات التجارية. وعندما تنضج هذه المنظومة الصناعية، وتثبت قدرتها على المنافسة عالمياً، يصبح الانتقال إلى تجميع السيارات خطوة طبيعية، وليس مغامرة مكلفة. فالصناعة لا تُقاس بعدد السيارات التي تحمل شعار «صنع في السعودية»، بل بعدد المصانع التي تعمل خلف كل سيارة تُصنع في العالم. وهذه هي الصناعة التي تستحق أن تكون في قلب الإستراتيجية الصناعية السعودية المقبلة.

00:02 | 26-07-2026

الصناعة السعودية أمام لحظة الحقيقة

يمثل قرار إسناد وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى الأمير عبدالعزيز بن سلمان، إلى جانب وزارة الطاقة، أكثر من مجرد تعديل وزاري. إنه إعلان بأن المملكة تنظر إلى الصناعة بوصفها المرحلة التالية في قصة التحول الاقتصادي، وأن الطاقة لم تعد غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة. لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد المبادرات الجديدة، بل بقدرتها على مراجعة السياسات القائمة بشجاعة. فالصناعة السعودية لا تعاني اليوم من نقص في الإستراتيجيات أو الخطط، وإنما من فجوة بين الطموح والتنفيذ. أقول ذلك وأنا أستحضر موقفاً شخصياً لا يزال عالقاً في ذاكرتي. قبل خمسة عشر عاماً، عندما كنت رئيس اللجنة الصناعية بغرفة الشرقية، تلقيت اتصالاً من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وكان آنذاك مسؤولاً في وزارة البترول. سألني بكل تواضع: كيف تنظمون ملتقى صناعياً دون إشراك الوزارة أو حتى دعوتها؟ اعتذرت له معترفاً بالتقصير، لكن ما بقي في ذهني لم يكن السؤال، بل أسلوبه. قائد يختار الحوار قبل اللوم، والاستماع قبل إصدار الأحكام. لذلك أجد من واجبي أن أطرح أمامه ما أعتقد أنه يمثل أولويات المرحلة المقبلة.

أولى هذه الأولويات هي إعادة تعريف دور صندوق التنمية الصناعي. الصندوق الذي كان يوماً شريكاً في بناء الصناعة الوطنية أصبح، في نظر كثير من المستثمرين، أقرب إلى بنك تجاري شديد التحفظ. وإذا تحول الممول التنموي إلى مؤسسة لا تختلف في فلسفتها عن البنوك، فمن سيقبل تمويل المخاطرة الصناعية التي تحتاجها المملكة؟ أما هيئة المحتوى المحلي، فرغم نجاحاتها الواضحة، فإن أثرها لا يزال يتركز على الحلقة الأخيرة من سلسلة القيمة، بينما الموردون المحليون الذين يغذون تلك المصانع لا يحصلون على الحوافز ذاتها. والمحتوى المحلي الحقيقي لا يبدأ عند المصنع النهائي، بل عند أول قطعة تدخل في عملية الإنتاج. كما أن تضخم الاستعانة بالجهات الاستشارية الخارجية في بعض الجهات التابعة للوزارة خلق تكلفة إضافية يدفعها المستثمر، في وقت تتنافس فيه المملكة مع دول تسابق الزمن لتقليل الأعباء على الصناعة لا زيادتها. وهناك أيضاً ملفات تحتاج إلى مراجعة صريحة، من الرسوم الجمركية في ظل التزامات منظمة التجارة العالمية التي لم تعد تُطبِّقها كثيرٌ من الدول الأعضاء، إلى برامج هيئة تنمية الصادرات التي تبدو أكثر تعقيداً من أن تستفيد منها المنشآت الصناعية المتوسطة والصغيرة، مروراً بالإستراتيجية الوطنية للصناعة التي تستحق تقييماً شفافاً: ماذا تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وما الذي يجب أن يتغير؟ ثم تأتي المشاريع العملاقة لرؤية 2030، وهي ربما أكبر فرصة صناعية في تاريخ المملكة. السؤال لم يعد: كم سننفق؟ بل، كم منتجاً سعودياً ستولده هذه المشاريع؟ وكم مصنعاً وطنياً سينمو بفضلها؟ فإذا لم تتحول هذه المشروعات إلى محرك لبناء سلاسل إمداد وطنية، فإننا سنكون قد فوتنا فرصة قد لا تتكرر. قبل خمسين عاماً، كان مركز الأبحاث والتنمية الصناعية يرسل خبراء إلى المصانع، يعملون معها وجهاً لوجه لحل المشكلات ورفع الكفاءة. ربما نحتاج اليوم إلى استعادة تلك الفلسفة، ولكن بأدوات العصر.. فرق مستقلة تنزل إلى أرض المصنع، تستمع، وتقيس، وتقترح، بعيداً عن التقارير المكتبية. الصناعة السعودية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة للسياسات التي لم تعد تحقق أهدافها. وإذا كان هناك مسؤول قادر على قيادة هذه المراجعة دون حساسية فالأمير عبدالعزيز بن سلمان، بما عرف عنه من معرفة عميقة بالقطاع، وقدرة على الاستماع، وشجاعة في اتخاذ القرار، هو الأمل الذي نحلم به. فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة إدارة الصناعة، بل إعادة اكتشافها.

00:00 | 19-07-2026

6 سنوات بعد التحوّل الصناعي... هل حان وقت مراجعة الأثر؟

في عام 2020، لم يكن تغيير مسمى «البرنامج الوطني لتطوير التجمعات الصناعية» إلى «المركز الوطني للتنمية الصناعية» مجرد تعديل إداري، بل إعلان عن تحوّل في فلسفة السياسة الصناعية السعودية. انتقلت المهمة من دعم مبادرات متفرقة إلى قيادة التنمية الصناعية، مع استقلال مالي وإداري، وارتباط مباشر بمنظومة تحقيق مستهدفات رؤية 2030. بعد مرور ست سنوات، لم يعد السؤال... هل كان القرار صحيحاً؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية.. كيف نقيس نجاحه؟ في الاقتصادات المتقدمة، لا تُقاس المؤسسات بعدد المبادرات ولا بحجم الإنفاق، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. كم مصنعاً دخل مرحلة الإنتاج ؟ كم بلغت قيمة الاستثمارات الصناعية الجديدة ؟ كم ارتفعت الصادرات الصناعية ؟ ما نسبة المكوّنات المحلية ؟ وما العائد الاقتصادي لكل ريال أُنفق على التمكين ؟ الأهم من ذلك، هل توجد مراجعة مستقلة للأداء ؟ وهل تُنشر مؤشرات الإنجاز للرأي العام وللصناعيين ؟ فالشفافية ليست مجرد ممارسة إدارية، بل أداة لتصحيح المسار وبناء الثقة بين القطاعين العام والخاص. هناك سؤال آخر لا يقل أهمية.. هل نستمع فقط إلى الشركات التي نجحت، أم نستمع أيضاً إلى من لم ينجح ؟ المستثمر الذي ألغى مشروعه، أو نقل استثماره إلى دولة أخرى، أو اصطدم بعوائق تنظيمية، يملك من المعلومات ما قد يفوق أحياناً قصص النجاح نفسها. الاقتصادات الناجحة تعتبر الإخفاق مصدراً للتعلم، لا ملفاً يُغلق. وتقدم الصين مثالاً واضحاً على ذلك. فنجاحها الصناعي لم يكن نتيجة انخفاض الأجور كما يُعتقد غالباً، بل نتيجة مراجعات مستمرة للسياسات الصناعية على مدى أربعة عقود.. بنت الحكومة بنية تحتية ضخمة، وطورت سلاسل إمداد محلية، وشجعت التخصص الجغرافي، وسمحت باندماجات صناعية عزّزت الكفاءة، ثم انتقلت تدريجياً من العمالة منخفضة التكلفة إلى التصنيع المتقدم والروبوتات والذكاء الاصطناعي. كانت الخطة تتغيّر كلما تغيّر العالم. وهذا يقود إلى السؤال... هل القطاعات الخمسة التي حُددت قبل ست سنوات ما زالت تمثل الأولويات نفسها، أم أن التحوّلات العالمية تستدعي مراجعة جديدة ؟ في صناعة السيارات، تبدو الطموحات كبيرة، لكن النجاح في هذا القطاع لا يقاس بعدد مصانع التجميع، بل بوجود منظومة صناعية متكاملة من الموردين المحليين، ومراكز البحث والتطوير، وسلاسل الإمداد، والقدرة على المنافسة في التكلفة والجودة. الصين لم تصبح أكبر منتج للسيارات بقرار واحد، بل ببناء آلاف المصانع المغذية قبل أن تبني العلامات التجارية. وفي قطاع المعادن، يبرز سؤال القيمة المضافة. هل ما زلنا نصدّر المواد الخام، أم نجحنا في تصنيع منتجات نهائية ذات قيمة أعلى ؟ أما في الكيماويات، فهل ارتفع تنوع المنتجات، أم أن النمو لا يزال يعتمد على الصناعات التقليدية ؟ في المقابل، تبدو الطاقة وتحلية المياه نموذجاً مختلفاً، حيث تمتلك المملكة مزايا تنافسية واضحة، وخبرة متراكمة، وشركات وطنية أثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً. والسؤال هنا لم يعد عن النجاح، بل عن كيفية تعظيمه وتحويله إلى صناعات تصديرية جديدة. أما الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية، فقد استفادت بوضوح من سياسات المحتوى المحلي وأفضلية المنتج الوطني في المشتريات الحكومية، وهي خطوة أثبتت فعاليتها. لكن يبقى السؤال الأهم.. هل امتدت هذه الاستفادة إلى المصانع التي تزوّد القطاع بالمواد الخام والمكوّنات والخدمات الصناعية ؟ أم أن سلسلة القيمة ما زالت تعاني فجوات تحد من تعميق الصناعة المحلية ؟ وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو.. هل ينبغي الاكتفاء بمراجعة أداء القطاعات الحالية، أم أن الوقت قد حان لإضافة قطاعات جديدة، مثل أشباه الموصلات، والمواد المتقدمة، والتصنيع الرقمي، والروبوتات الصناعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تشكّل محور المنافسة الصناعية العالمية ؟ ولا يمكن فصل هذا النقاش عن دور وزارة الاستثمار. فما حدود مسؤوليتها في جذب المستثمر الصناعي ؟ وأين يبدأ دور المركز الوطني للتنمية الصناعية ؟ وهل توجد مؤشرات مشتركة تقيس رحلة المستثمر منذ اتخاذ قرار الاستثمار وحتى تشغيل المصنع ؟ فنجاح السياسة الصناعية لا يعتمد على كفاءة كل جهة منفردة، بل على تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية. ويبقى السؤال الأهم... كيف يستطيع الصناعي السعودي والدولي الاطلاع على الأرقام الحقيقية ؟ كم مشروعاً نجح ؟ وكم مشروعاً تعثر ؟ وما أسباب التعثر ؟ وما نسبة تحقيق المستهدفات مقارنة بما كان مخططاً له في عام 2020 ؟ فالأرقام ليست مجرد وسيلة للتقييم، بل هي اللغة التي تبني الثقة، وتجذب المستثمر، وتساعد صانع القرار على تصحيح المسار. بعد ست سنوات، قد يكون الإنجاز الحقيقي ليس في الدفاع عن السياسات، ولا في انتقادها، بل في إخضاعها لمراجعة مهنية مستقلة، تقيس النتائج، و تقارنها بالتجارب الدولية، وتعيد رسم الأولويات إذا استدعت الظروف ذلك. فالدول الصناعية الكبرى لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تمسكت بخططها، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتعديلها عندما تغيّر العالم.

00:02 | 12-07-2026

المملكة أمام فرصة لقيادة حوكمة الذكاء الاصطناعي عالمياً..

بينما يتسابق العالم لبناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، يتركز الاهتمام غالبًا على حجم الاستثمارات، وسعة مراكز البيانات، وقدرات المعالجات الإلكترونية. لكن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن القيمة الحقيقية لا تُصنع بالتقنية وحدها، بل بالمؤسسات التي تنظم استخدامها. فالأسواق لا تزدهر بالابتكار فقط، وإنما بالثقة التي تحيط به. ولهذا، فإن المنافسة العالمية المقبلة لن تكون بين من يمتلك أفضل خوارزمية، بل بين من ينجح في بناء الإطار القانوني والتنظيمي الأكثر قدرة على حماية الحقوق، وتشجيع الاستثمار، وفتح المجال أمام الابتكار في الوقت نفسه. إنها منافسة على الحوكمة قبل أن تكون منافسة على التقنية. من هذه الزاوية، تبدو رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أكثر من مجرد برنامج للتحول الرقمي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعًا تقنيًا منفصلًا، بل أصبح محركًا اقتصاديًا يرتبط بصورة مباشرة وغير مباشرة بما يقارب 66 هدفًا من مستهدفات الرؤية. والإستراتيجية الوطنية التي تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، تعكس هذا التحول من خلال الاستثمار في الكفاءات الوطنية، والبنية التحتية الرقمية، والبحث والابتكار، واستقطاب الاستثمارات، وبناء سياسات تعزز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة. غير أن نجاح هذا المشروع لن يُقاس بعدد النماذج الذكية التي تُطوَّر داخل المملكة، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأكثر تعقيدًا في الاقتصاد الرقمي... كيف يمكن حماية خصوصية الأفراد، وصيانة الحريات الشخصية، وضمان سيادة البيانات، من دون خنق الابتكار أو تقييد تدفق المعرفة؟

والسؤال نفسه ينسحب على القطاع الخاص. فالشركات السعودية تدخل مرحلة أصبحت فيها الأصول غير الملموسة أكثر قيمة من الأصول التقليدية. فالخوارزميات، وقواعد البيانات، والنماذج اللغوية، وأسرار الأعمال، أصبحت تمثل رأس المال الحقيقي في الاقتصاد الجديد. ومن هنا، فإن حماية الملكية الفكرية لم تعد قضية قانونية فحسب، بل أصبحت سياسة اقتصادية تؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار، والبحث والتطوير، وجاذبية السوق السعودية للمواهب والشركات العالمية.

لكن الحماية، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام المنافسة. فالاقتصادات الأكثر تقدمًا هي التي توازن بين صيانة حقوق المبتكرين ومنع الاحتكار، وبين حماية البيانات وتمكين الابتكار، وبين التنظيم والمرونة. وهذا التوازن هو التحدي الحقيقي الذي ستواجهه جميع الدول خلال السنوات المقبلة.

ولعل المملكة تمتلك فرصة نادرة للانتقال من موقع المتلقي للتجارب العالمية إلى موقع صانعها. فبدلًا من انتظار تشكل السوابق القضائية الدولية، يمكنها أن تبادر إلى إنشاء محاكم أو دوائر قضائية متخصصة في قضايا الذكاء الاصطناعي والبيانات والملكية الفكرية الرقمية، تضم قضاة وخبراء تقنيين قادرين على التعامل مع نزاعات لم تعرفها الأنظمة القانونية التقليدية. مثل هذه الخطوة لن تختصر زمن التقاضي فحسب، بل ستؤسس لاجتهادات قانونية قد تصبح مرجعًا إقليميًا ودوليًا في المستقبل.

غير أن بناء هذه المنظومة لا يمكن أن يكون مسؤولية الحكومة وحدها. فالقطاع الخاص هو المنتج للابتكار، والجامعات هي مصنع المعرفة، والمشرعون هم الضامنون لاستدامة التوازن. ومن دون شراكة حقيقية بين هذه الأطراف، ستظل الحوكمة متأخرة عن سرعة التطور التقني. لقد أثبت التاريخ أن الثورات الاقتصادية لا يقودها دائمًا من يبتكر التكنولوجيا أولًا، بل من ينجح في ابتكار القواعد التي تمنحها الشرعية والثقة والاستدامة. وإذا استطاعت المملكة أن تبني نموذجًا متوازنًا يجمع بين حماية الحقوق الفردية، وصيانة الملكية الفكرية، وتعزيز المنافسة، وترسيخ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، فإنها لن تكون مجرد لاعب رئيسي في الاقتصاد الرقمي، بل ستكون من الدول التي تعيد رسم قواعده. ففي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم... من سيقود الذكاء الاصطناعي؟ بل... من سيقود حوكمته؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكون إحدى أهم الفرص الإستراتيجية أمام المملكة في العقد القادم.

00:03 | 5-07-2026

بعد رؤية 2030.. لماذا تحتاج السعودية إلى رؤية استثمارية حتى 2040 ؟

يبرز سؤال مهم في المملكة العربية السعودية: هل آن الأوان للانتقال من مرحلة بناء الاقتصاد إلى مرحلة بناء إستراتيجية استثمارية وطنية متخصصة تمتد للعقد المقبل؟ حققت رؤية السعودية 2030 إنجازات استثنائية خلال السنوات العشر الماضية. فقد تغيّرت البيئة الاستثمارية بصورة جذرية، تطورت الأنظمة، ارتفعت مساهمة القطاع الخاص وأصبحت المملكة وجهة رئيسية للاستثمار في المنطقة. كما لعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في خلق أسواق جديدة، فيما فتحت المشاريع العملاقة آفاقاً غير مسبوقة أمام المستثمرين المحليين والدوليين. لكن نجاح المرحلة الأولى يفرض سؤالاً مختلفاً: كيف نضاعف تدفقات الاستثمار خلال العقد القادم بطريقة تحقق نمواً متوازناً بين جميع مناطق المملكة؟ قد تكون الإجابة في إطلاق رؤية استثمارية وطنية تتبناها الدولة وتشرف عليها وزارة الاستثمار، بحيث تصبح المرجع الموحد لكل ما يتعلق بجذب الاستثمار المحلي والأجنبي، مع أهداف كمية واضحة لكل قطاع ولكل منطقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس حتى عام 2040. المملكة تمتلك ميزات نسبية متنوعة لا تقتصر على المدن الكبرى. فلكل منطقة مواردها الطبيعية، موقعها الجغرافي، قاعدتها البشرية وفرصها الاقتصادية. ومن هنا، فإن منح كل منطقة مجلساً استثمارياً بصلاحيات تحفيزية تتناسب مع طبيعتها الاقتصادية قد يكون خطوة نوعية نحو توزيع أكثر عدالة للاستثمارات. ولا يعني ذلك توحيد السياسات، بل تصميمها بما يتلاءم مع احتياجات كل منطقة. فقد تحتاج منطقة إلى حوافز ضريبية، بينما تستفيد أخرى من تسهيلات تمويلية أو بنية تحتية متخصصة أو إجراءات تنظيمية أكثر مرونة. ويجب أن ترتبط هذه الحوافز بمؤشرات واضحة، مثل معدلات البطالة، وعدد السكان، والميزة التنافسية، ومستوى مساهمة القطاع الخاص. مثل هذا النهج سيحقق هدفين في الوقت نفسه: رفع تنافسية المملكة عالمياً، وتحقيق تنمية أكثر توازناً داخلياً. فعندما تتقارب فرص العمل والاستثمار بين المناطق، ستتراجع الحاجة إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، وستنشأ مراكز نمو اقتصادية متعددة تدعم استدامة الاقتصاد الوطني. كما أن المستثمر العالمي لم يعد يبحث فقط عن الحوافز المالية، بل عن وضوح الرؤية واستقرار السياسات وقابلية التنبؤ. وعندما تكون للمملكة خريطة استثمارية تمتد حتى عام 2040، تتضمن أولويات قطاعية، وأهدافاً رقمية، وأدواراً واضحة للقطاعين العام والخاص، فإنها ترسل رسالة قوية للأسواق العالمية وقبلها المحلية بأن بيئة الأعمال فيها لا تُدار بردود الأفعال، بل وفق إستراتيجية طويلة الأمد. لقد أثبتت رؤية 2030، أن المملكة قادرة على تنفيذ التحولات الكبرى. أما المرحلة القادمة، فقد تكون فرصة للانتقال من نجاح الإصلاح الاقتصادي إلى قيادة إقليمية في التخطيط الاستثماري طويل الأجل. وإذا كانت رؤية 2030 قد أسست لاقتصاد أكثر تنوعاً، فإن رؤية استثمارية وطنية حتى عام 2040 يمكن أن تجعل المملكة واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية تنافسية واستقراراً في العالم.

20:49 | 27-06-2026

من مكة والمدينة إلى العالم.. بناء صناعة سعودية حول ذاكرة الرحلة

تسابق الدول السياحية الكبرى لتحويل كل زائر إلى سفير اقتصادي وثقافي يحمل معه جزءًا من هوية المكان عند عودته إلى بلده. ففي باريس ولندن وطوكيو وإسطنبول لا تقتصر تجربة السائح على زيارة المعالم، بل تمتد إلى شراء منتجات تذكارية تعكس روح المدينة وتاريخها وثقافتها. وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه المنتجات الصغيرة إلى صناعة متكاملة تدر مليارات الدولارات وتوفر آلاف الوظائف للمصممين والحرفيين والمصنعين وتجار التجزئة. السعودية اليوم تمتلك فرصة استثنائية ربما لا تتوافر لأي دولة أخرى. فالمملكة تستقبل عشرات الملايين من الزوار سنويًا بين حجاج ومعتمرين وسياح، وتستهدف أعدادًا أكبر خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك، ما زالت صناعة الهدايا التذكارية المحلية أقل بكثير من حجم هذه الفرصة. ولا يزال جزء كبير مما يُباع للزوار يعتمد على منتجات نمطية أو مستوردة لا تعكس عمق الهوية السعودية ولا القيمة الاقتصادية الممكنة. السؤال ليس لماذا نحتاج إلى صناعة للهدايا التذكارية، بل لماذا تأخرنا في بنائها حتى الآن؟ يمكن للسعودية أن تطور منظومة متكاملة تبدأ من مكة المكرمة والمدينة المنورة، باعتبارهما أكبر نقاط الجذب الديني في العالم الإسلامي، ثم تمتد إلى الرياض وجدة والعلا وأبها والدرعية والخبر وغيرها. هذه المنظومة يجب أن تنتج مستويات مختلفة من المنتجات تناسب جميع الشرائح. فمن جهة، هناك منتجات اقتصادية منخفضة السعر مثل الميداليات والبطاقات البريدية والملصقات والمغناطيسات. ومن جهة أخرى، توجد منتجات متوسطة القيمة مثل الحقائب والأكواب والدفاتر والهدايا المكتبية. أما الشريحة الأعلى دخلاً فتستهدفها منتجات فاخرة محدودة الإصدار، وقطع فنية، ومجسمات، وتصاميم مستوحاة من العمارة الإسلامية والتراث السعودي بجودة عالمية. لكن نجاح هذه الصناعة يتطلب أكثر من مجرد أفكار تصميمية. المطلوب برنامج وطني للتمكين الصناعي يربط المصممين الشباب بالمصانع المحلية، ويوفر قوالب إنتاج جاهزة، ويدعم حقوق الملكية الفكرية، ويمنح الشركات الناشئة تمويلًا ميسرًا ورأس مال نمو لتوسيع أعمالها. كما يمكن لبنك التنمية الاجتماعية، وصندوق التنمية الصناعية السعودي أن يخصصا مسارات تمويلية لهذه الفئة من الصناعات الإبداعية ممكنة وليس بضمانات شخصية أو بناء على ما يملكون. الأهم من ذلك، أن تتبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية هذا الملف باعتباره قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا، من خلال تشكيل فريق عمل متخصص بقيادة مسؤول واحد يمتلك الصلاحيات اللازمة لتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية والمصانع والمصممين ومشغلي المطارات والمنافذ ومراكز البيع في مكة والمدينة. الميزة النسبية للسعودية واضحة... لا توجد دولة أخرى تستقبل هذا العدد من الزوار المرتبطين عاطفيًا وروحيًا بالمكان. وإذا نجحت المملكة في تحويل جزء بسيط من إنفاق الحجاج والمعتمرين والسياح إلى منتجات سعودية مصممة ومصنعة محليًا، فإنها لن تخلق سوقًا جديدة فحسب، بل ستبني صناعة وطنية مستدامة تصدر الهوية السعودية إلى العالم قطعةً تذكاريةً بعد أخرى.

00:00 | 21-06-2026

السكك الحديدية.. شريان التنمية وأحد أعمدة الأمن الوطني

لا توجد دولة حققت تنمية اقتصادية مستدامة إلا وكان للنقل دور محوري في نهضتها، وتحديدًا النقل بالسكك الحديدية الذي أثبت عبر التاريخ أنه من أكثر وسائل النقل قدرة على تحفيز النمو الاقتصادي وربط مراكز الإنتاج بالاستهلاك وفتح آفاق التنمية بين المناطق المختلفة. وفي المملكة العربية السعودية يعود الاهتمام المبكر بالسكك الحديدية مع تولى الخبير الأمريكي مستر جولدي إدارة السكك الحديدية تحت إشراف شركة أرامكو. ومنذ ذلك الوقت تعاقبت الرؤى والطموحات لتوسيع شبكة القطارات وربط مناطق المملكة بعضها ببعض. وخلال فترة الدكتور غازي القصيبي في رئاسة المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، تمت الاستعانة باستشاريين أمريكيين لدراسة التوسع في شبكة السكك الحديدية، إلا أن النتائج آنذاك لم تكن مشجعة من الناحية الاقتصادية. ومع ذلك أثبتت التجارب العالمية، أن مشاريع السكك الحديدية لا تُقاس فقط بالعائد المالي المباشر، بل بما تخلقه من تنمية اقتصادية واجتماعية وعمرانية طويلة الأمد، وما توفره من فرص استثمارية ترفع من تنافسية الاقتصاد الوطني. وكانت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية تملك مساحات واسعة من الأراضي، التي لو تم استثمارها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية لأصبحت مصدر دخل مستدام يدعم التوسع والتطوير ويخفف الأعباء المالية عن الدولة. كما شهدت المملكة محاولات جادة لتنفيذ مشروع الربط بين الشرقية والغربية بنظام البناء والتشغيل ثم الإعادة للدولة (BOT)، وشاركت في دراسته جهات تمويلية دولية، إلا أن اختلاف وجهات النظر حول حجم الدعم المطلوب أدى إلى تأخير التنفيذ. ومع مرور الوقت ارتفعت التكاليف بشكل كبير، وهو ما يؤكد، أن التأخر في اتخاذ القرار التنموي غالبًا ما تكون تكلفته أعلى من تكلفة التنفيذ نفسها. وعندما تم التسويق لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، كان أحد أهم عناصر الجذب فيها فكرة الربط البري بين البحر الأحمر والخليج العربي عبر شبكة السكك الحديدية، بما يختصر زمن وصول البضائع القادمة من أوروبا إلى أسواق الخليج ويوفر للمملكة مزايا لوجستية تنافسية على مستوى العالم. ولعل أبرز مثال على أثر السكك الحديدية في التنمية هو مشروع قطار الشمال، الذي ربط المناجم بمدينة رأس الخير الصناعية، فبدونه لما نشأت المنظومة الصناعية المتكاملة التي أسهمت في نمو شركة معادن وتحولها إلى إحدى الشركات العالمية الرائدة في صناعة الألمنيوم ومنتجات التعدين ذات القيمة المضافة. واليوم تتجدد الطموحات بمشاريع الربط مع دول الخليج، سواء مع قطر أو الكويت أو ضمن مشروع القطار الخليجي الشامل. كما أن التحديات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وما ترتب عليها من اضطرابات في الممرات البحرية وارتفاع تكاليف النقل تؤكد أن شبكة السكك الحديدية لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت ضرورة أمنية وإستراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ قرار فوري بالشروع في استكمال شبكة السكك الحديدية الوطنية من خلال شراكات إستراتيجية مع القطاع الخاص وصناديق الاستثمار المحلية والدولية، وفق نماذج تمويل وتشغيل حديثة لا تُحمّل الدولة أعباء مالية مباشرة، بل تحقق عوائد اقتصادية مستدامة من رسوم النقل والخدمات اللوجستية وتطوير الأراضي والمراكز التجارية والصناعية المرتبطة بالشبكة. فمثل هذه المشاريع قادرة على تمويل جزء كبير من تكلفتها ذاتيًا إذا ما أُحسن التخطيط لها وإدارتها. إن ربط المملكة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب سيخلق ممرًا اقتصاديًا متكاملًا يربط الموانئ والمناطق الصناعية والتعدينية والزراعية والسياحية، ويؤسس لمراكز تنموية جديدة، ويحفز الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويوفر آلاف الفرص الوظيفية لأبناء الوطن، ويعزز التكامل بين المناطق. فالسكك الحديدية ليست مجرد قطارات تسير على قضبان، بل شرايين تنقل التنمية، وتدعم الاقتصاد، وتعزز الأمن الوطني، وترسم مستقبلًا أكثر ازدهارًا للوطن و المواطن.

00:14 | 14-06-2026

تكلفة أداء الأعمال.. مفتاح نجاح الصناعة السعودية في المنافسة العالمية

تواصل المملكة العربية السعودية، من خلال رؤية 2030، بناء اقتصاد متنوِّع ومستدام يرسخ مكانتها كقوة صناعية عالمية ومركز لوجستي يربط بين القارات الثلاث. وتعتمد هذه الرؤية على تعزيز التنوع الاقتصادي، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على النفط، عبر تمكين القطاع الصناعي ورفع مساهمته في الناتج المحلي. وقد جاء تأسيس وزارة الصناعة والثروة المعدنية ليعكس اهتمام القيادة بتطوير القطاع الصناعي باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي. كما ترتكز الاستراتيجية الوطنية للصناعة على تنمية القطاعات الواعدة. وفي الوقت ذاته، يساهم برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) في تحقيق التكامل بين قطاعات الصناعة والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية، بما يُعزِّز القيمة المضافة للموارد الوطنية ويرفع من تنافسية الاقتصاد السعودي. إلا أن القطاع الصناعي يختلف بشكل جذري عن قطاع الخدمات من حيث حجم الالتزامات والتكاليف. فالصناعة تعتمد على استثمارات ضخمة في المصانع والمعدات والبنية التحتية، إضافة إلى تكاليف التشغيل المرتفعة المتعلقة بالطاقة والمواد الخام والكوادر البشرية وسلاسل الإمداد. وعلى عكس قطاع الخدمات، فإن القطاع الصناعي أقل مرونة في نقل أعماله أو تقليص مصروفاته عند ارتفاع التكاليف التشغيلية. ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع الصناعة بمنظور اقتصادي تنافسي يأخذ في الاعتبار الدول المنافسة للمملكة في الأسواق العالمية. فاليوم تفرض العديد من الجهات متطلبات تنظيمية ورسوماً متعددة؛ بعضها ضروري ومهم لضمان الجودة والامتثال، إلا أن تراكم هذه المتطلبات وما يرتبط بها من تكاليف استشارية ورسوم تشغيلية ينعكس بشكل مباشر على تكلفة أداء الأعمال ويؤثر على قدرة المصانع الوطنية على المنافسة. لذلك، من المهم أن تتولى وزارة الصناعة والثروة المعدنية قيادة ملف قياس ومقارنة تكلفة أداء الأعمال في المملكة مع الدول الصناعية المنافسة، والعمل على وضع تشريعات ومحفزات تجعل بيئة الاستثمار الصناعي في المملكة أكثر تنافسية وجاذبية، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل عالمياً. وقد أثبت الأمير المقدام محمد بن سلمان -حفظه الله- دعمه المستمر للقطاع الصناعي عبر إنشاء وزارة مستقلة للصناعة، وإطلاق العديد من المبادرات والبرامج الداعمة. ولا شك أن هذا التوجه سيعزز من تحقيق مستهدفات رؤية 2030، ويجعل المملكة وجهة صناعية واستثمارية عالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وبنيتها التحتية المتطورة، وقدرتها على توفير بيئة أعمال تنافسية تدعم المستثمر وتمكن الصناعة الوطنية من النمو والازدهار.

00:02 | 7-06-2026