ليس كل من ينظر يرى. هناك من يرى بعينيه، من يرى بقلبه، ومن يرى بعقله وتجربته. وهناك، للأسف، من يمتلك البصر كاملاً لكنه يفتقد البصيرة. وربما يكون النوع الآخر هو الأكثر خطورة في عالم الإدارة.. لأنه لا يعرف أنه لا يرى. في مجالس إدارات الشركات، كما في الحياة، لا تكمن المشكلة عادة في نقص الآراء، بل في قدرتنا على احتمال الرأي الذي لا يعجبنا. فالإنسان بطبيعته يحب من يؤكد له أنه كان على حق. والرئيس التنفيذي ليس استثناءً ولا رئيس مجلس الإدارة ولا المساهم ولا حتى المستشار الذي يفترض فيه الاستقلال. جميعنا، بدرجات متفاوتة، أسرى لما يسمى في علم السلوك بـ «انحياز التأكيد».. نبحث عما يؤيد قناعاتنا ونجد ألف سبب للتشكيك في ما يناقضها. ولهذا فإن أخطر مجلس إدارة ليس بالضرورة ذلك الذي تكثر فيه الخلافات، بل ربما ذلك الذي يتفق أعضاؤه دائماً. الإجماع السريع مريح. لكنه قد يكون مكلفاً. من المبادئ التي أحاول أن أتمسك بها في عملي وفي الأمور الشخصية، أن الرأي الآخر ضرورة، حتى عندما أكون مقتنعاً بأنني لن آخذ به. فأنا لا أستمع إليه بالضرورة لكي يغير قراري، بل لكي يختبره. والفرق كبير. قد يقول لك شخص شيئاً ترفض 90% منه، لكن الـ10% الباقية قد تكشف مخاطرة لم ترها أو افتراضاً لم تختبره أو سؤالاً كان ينبغي أن تسأله منذ البداية. هنا تأتي أهمية المراجعة. وتجربة ماليزيا في مراجعة إستراتيجياتها تستحق التأمل من هذه الزاوية. فالدول، مثل الشركات، تحتاج من وقت إلى آخر إلى الشجاعة كي تسأل.. هل ما زالت الإستراتيجية التي أوصلتنا إلى هنا قادرة على إيصالنا إلى هناك؟ هذا السؤال يبدو بسيطاً. لكنه في الحقيقة شديد الصعوبة. لأن مراجعة الإستراتيجية تتطلب شيئاً أصعب من إعدادها.. أن نعترف بأن العالم تغير وربما علينا أن نتغير معه. المراجعة ليست اعترافاً بالفشل. وتغيير الرأي ليس ضعفاً. والعودة عن قرار لم تعد افتراضاته صحيحة ليست هزيمة إدارية. الهزيمة الحقيقية هي أن نعرف أن الطريق تغير ثم نستمر فيه فقط لأننا اخترناه بالأمس. لذلك أدعو نفسي قبل الآخرين إلى ممارسة أمر يبدو سهلاً في الكلام وصعباً في الواقع.. أن أتقبل من يخالفني وأن أستمع إليه حتى النهاية بل وأن أشكره. أشكره ليس لأنني سأتبنى رأيه بالضرورة وإنما لأنه منحني شيئاً لا يستطيع الموافقون دائماً أن يمنحوني إياه.. زاوية أخرى للرؤية. في النهاية.. القرارات الكبرى نادراً ما تفشل لأن أصحابها لم تكن لديهم معلومات كافية فقط. أحياناً تفشل لأن الجميع كانوا ينظرون إلى المشهد من النافذة نفسها. نحن لا نحتاج دائماً إلى من يرى ما نراه. نحتاج أحياناً وبشكل أكثر إلحاحاً إلى من يرى ما لا نراه.


