وطن يعيش بأمن وأمان يعمل على تنوع دخله وتميز مناطقه، خلق سمو ولي العهد حالة تنافسية تنموية جاذبة بين مناطق الوطن. تحط بنا الرحال في الباحة منطقة الجمال والطبيعة، خلابة بين الضباب وطبيعة استثنائية تجمع الجبال، والغابات والمناخ المعتدل والقرى التراثية والمزارع والمنتجات المحلية، فتملك رصيدًا متنوعًا من الموارد الطبيعية والثقافية والزراعية. غير أن المورد في ذاته لا يصنع تنمية، إذ تبدأ قيمته حين يُكتشف، ويُحسن إدارته، ويُستثمر بصورة مستدامة، فيتحول من مورد طبيعي أو موروث محلي إلى منتج سياحي، وفرصة استثمارية، وقيمة اقتصادية، ثم أثر تنموي يعود على المجتمع والمنطقة.
ومن هنا تلتقي خصوصية الباحة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في استثمار الميز النسبية للمناطق، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز جودة الحياة. فتنوعت المنطقة بين موارد جبلية، وزراعية، وتراثية، ومعارف محلية، حرف ومنتجات وصناعات يدوية، والقيمة الحقيقية تكمن في جمعها ضمن منظومة تحول الموارد إلى تجارب ومنتجات وأسواق واستثمارات.
ولم يكن رهان سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز على الباحة نابعًا من فراغ، بل جاء من قراءة لمعطياتها وميزتها النسبية، وما يمكن أن تمثله من نموذج في تنويع الاقتصاد الوطني، وجذب السائح، واستثمار البيئة والتراث والزراعة والمعارف المحلية المتوارثة، وتحويلها إلى فرص اقتصادية وسياحية مستدامة.
وتكتسب هذه الرؤية قوتها من ثقة القيادة بالقيادة المحلية في الباحة، ممثلة في الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير المنطقة، فسموه مطلع على تفاصيلها، قريب من قضاياها، حاضر في الميدان، ومتابع للمشروعات والفرص والتحديات. والنزول إلى الميدان عنده ليس حضورًا بروتوكوليًا، بل وسيلة لفهم الواقع، واكتشاف الفرص، ورؤية المعوقات، وتحويلها إلى قرارات وحلول. وهنا تتوحد علاقة حسام بالباحة، فالباحة تقدم الموارد والمقومات، وحسام يدفع باتجاه تنظيمها واستثمارها، والغاية تحويل هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية وسياحية واجتماعية تعود على المنطقة وأبنائها. ليصبح الجذب السياحي استراتيجية تنموية لا فعالية موسمية. فالمكان الجميل قد يجذب الزائر مرة، أما الوجهة الناجحة فتصنع له سببًا للقدوم، وتجربة للبقاء، وما يدفعه إلى العودة. والباحة مؤهلة لذلك عبر السياحة الجبلية والبيئية والريفية والثقافية، حين تتكامل الطبيعة مع التراث والزراعة والمنتجات المحلية.
وتتسع دائرة المنتج السياحي لتشمل المعارف المحلية المتوارثة (Indigenous Knowledge)، التي ورثها المجتمع عبر أجيال في التعامل مع البيئة والزراعة، والغذاء والحرف والموارد. وهذه المعرفة ليست مجرد موروث، بل رصيد يمكن تحويله إلى قيمة اقتصادية وثقافية حين يوثق ويطور ويقدم للزائر في صورة تجربة أصيلة.
ومن هذه المعرفة تتولد منتجات تحمل هوية الباحة، الحرف ذات الجودة، والمنتجات اليدوية، وأنواع الأكلات من قرص البر، ومشغوثة، ومرضوخة، ودغابيس، والعريكة، إلى جانب العسل والفواكه والخضار وسائر المنتجات المحلية. وهذه ليست مجرد منتجات للاستهلاك، بل عناصر يمكن تطويرها وتسويقها وربطها بتجربة الزائر.
فحسام الباحة وفريق عمله جعل الزائر للباحة يتذوقها، ويقتنيها، ويفهم معارف أهلها. وعندها تتحول المعرفة المحلية إلى مورد يحفظ الهوية ويفتح فرصًا للحرفيين والأسر المنتجة والمزارعين والمنشآت الصغيرة.
وتدخل البيئة في قلب هذه المعادلة، فهي ليست ملفًا منفصلًا عن السياحة، بل رأس مالها الطبيعي. الغابة والجبل والمزرعة والقرية التراثية موارد تدار باقتدار وكفاءة، لأن استدامة السياحة مرتبطة باستدامة المكان. فالسياحة التي تستنزف البيئة تستهلك مصدر نجاحها، بينما السياحة المستدامة تجعل حماية البيئة شرطًا لاستمرار الاستثمار.
ويبقى التحدي في معقدات التنمية من تعدد الجهات، وتداخل الاختصاصات، وطول الإجراءات، وضعف التنسيق، أو عدم وضوح الفرص الاستثمارية، طوّعها وحلها حسام الباحة لتكون معززات تنمية من خلال إنشاء المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الباحة، وتحويل تلك التحديات لفرص أصيلة لصناعة الجذب السياحي، من خلال مسار واضح للمستثمر والسائح ليحصد المجتمع المحلي ثمرة ذلك النجاح. وهنا تتأكد قيمة المتابعة الميدانية للأمير حسام بن سعود، إنها معادلة واضحة: الباحة بمواردها، وحسام بمتابعته؛ الباحة ببيئتها، وحسام بحمايتها واستثمارها؛ الباحة بموروثها ومنتجاتها، وحسام بفتح الطريق أمام تحويلها إلى فرص. فالباحة اليوم لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة من وجهة أخرى، فميزتها في اختلافها، وجمالها بجبالها وغاباتها ومزارعها وقراها وتراثها ومناخها ومنتجاتها ومعارف مجتمعها.
وفي هذه المعادلة يلتقي طموح ولي العهد مع قيادة الأمير حسام: رؤية وطنية ترى الفرصة، وقيادة محلية تعرف المكان، ومؤسسات تتكامل، وقطاع خاص يستثمر، ومجتمع يشارك. فـحسام الباحة بيئة وسياحة ليست مجرد عنوان؛ إنها معادلة تنموية تتحول فيها الموارد إلى قيمة، والقيمة إلى استثمار، والاستثمار إلى فرص، والفرص إلى أثر مستدام يحفظ البيئة ويصون الهوية ويعزز اقتصاد المجتمع.
وهنا لا تكون الباحة مجرد وجهة تستقبل السائح، بل نموذجًا وطنيًا يثبت أن حين تلتقي رؤية القيادة بخصوصية المكان، وتلتقي القيادة المحلية بالميدان، تتحول الموارد من ثروة كامنة إلى تنمية راسخة، ويصبح جمال الباحة قوة اقتصادية، وبيئتها أصلًا مستدامًا، وسياحتها صناعة، ومستقبلها ثمرةً لقيادة تعرف كيف تجعل من مقومات المكان قصة نجاح وطنية.


