هيئة الإحصاءات العامة أعلنت قبل فترة قريبة، أن معدل متوسط العمر المتوقع عند الولادة للمواطن السعودي قد وصلت إلى نسبة 79.9 سنة، وهي نسبة قريبة من المستهدف في مخرجات رؤية المملكة 2030، وهي عمر يصل إلى 80 عاماً للمواطن السعودي. هذا الارتفاع يأتي بعد العمل على برامج متعددة، تأتي في مقدمتها برامج جودة الحياة والخدمات الصحية والاجتماعية للمواطن السعودي. هذه القفزة في متوسط العمر لدينا تحتم الاستفادة من فترة التقاعد لدى المواطنين في مجالات عدة، وتأتي في مقدمتها الاستفادة من الأساتذة المتقاعدين في جامعاتنا، وهذا لا يعني التوظيف واستقطاب الكفاءات الشابة في الكوادر الجامعية أو الاستعانة بأساتذة من الخارج، كما هو معمول به في أغلب الجامعات بدول العالم.
الاستعانة بالأكاديميين ممن تقاعدوا خيار مهم من جوانب معرفية لخبراتهم الطويلة في التدريس والبحث الأكاديمي، إضافة إلى العامل الاقتصادي، فالتعاقد مع الأستاذ السعودي بعقد معقول سوف يوفر على الجامعات مبالغ طائلة في حال تعاقدت مع أساتذة عرب مثلاً، وقد يكون بعضهم قد تقاعد في بلده ويأتي عندنا بعقود رواتبها ليست بقليلة، هذه الحسبة الاقتصادية يجب أخذها بعين الاعتبار، فبعض الأكاديميين السعوديين يقبعون في منازلهم ولديهم الطاقة والرغبة في الاستمرار في العمل الأكاديمي، خاصة الإشراف العلمي على برامج الدراسات العليا، ولكن يتم الاستغناء عنهم ويستمر زملاؤهم من الدول العربية في عملهم الجامعي، وهذا فيه هدر للموارد المالية والبشرية.
التعاقد مع غير السعوديين للتدريس في الجامعات ما زال مستمراً، وتفضل الجامعات عند التعاقد خريجي الجامعات الأجنبية وإجادة اللغة الإنجليزية، إلا أن أغلب من يُتعاقد معهم خريجو جامعات عربية فكيف لا يستفاد من المتقاعدين الأساتذة السعوديين خريجي الجامعات الأجنبية التي ابتعثوا لها من قبل الجامعات نفسها من حيث جودة التعليم فيها وبرامجها الأكاديمية الدقيقة المتخصصة. مثل هذه القرارات تهدر وتؤثر على جودة التعليم الجامعي واستدامة الخبرات، وللأسف نجد بعض الدكاترة غير السعوديين يستمرون في عملهم الأكاديمي لعقود في مخالفة للنظام الذي يحدد فترة التعاقد بعشرة أعوام فقط.
وبنظرة للجامعات العربية حولنا لم أجد فيها تعاقداً أو تعييناً لدكاترة من أبنائنا خريجي أفضل الجامعات العالمية.
أتذكر في بعض الجامعات البريطانية تجد أساتذة كباراً في العمر يمارسون العمل الأكاديمي، بل يعتبرون كنوزاً معرفية، ولا يتركون عملهم إلا باختيارهم. وفي الغالب تجدهم يركزون على الأبحاث الأكاديمية والإشراف على طلبة الدراسات العليا. عندنا الأكاديمي المواطن بعد تسريحه من عمله بسبب أنظمة التقاعد يعيش حالة نفسية وهو قابع في منزله، والبعض يلجأ للتدريس في الجامعات الخاصة، وهذا خيار جيد ولكنه غير متاحٍ للكل.
قصد أحدهم كما قالها لي شخصياً إنه مالياً أوضاعه مرتبة وليس بحاجة ولكنه يعيش حالة من الفراغ ويحن ويعشق الأجواء الأكاديمية، وبعد فترة خاطب رئيس القسم الذي كان فيه، وهذا كان في يوم من الأيام أحد الطلبة الذين درسهم قبل سنوات، يطلب في خطابه التعاون بالتدريس بساعات قليلة في القسم. مرت الأسابيع والأشهر ولم يردوا عليه ولو من باب المجاملة وهو لم يعد يتصل عليهم لحفظ ماء وجهه، ويردد كيف تكون النهاية هكذا بينما زملاؤه العرب باقون في القسم وتجدد عقودهم وهو لا يُرد عليه أصلاً.


