أكاد أشبّه ما يحدث في نهاية هذا اليوم الأحد الموافق 6 سبتمبر 2026، ومع دقة الساعة الثانية عشرة مساءً، حين تنتهي في الثانية الأخيرة فترة التسجيل الأولى للأندية، بـ«ليلة العيد»بكل تفاصيلها؛ زحمة، ومقاضٍ لم تكتمل، وأناس ينتظرون، وآخرون يركضون للحاق بما تبقى من الوقت!
-فالشارع الرياضي يعيش منذ أيام حالة انتظار وترقّب لمعرفة أسماء اللاعبين الذين تمكنت الأندية من التعاقد معهم، والذين أصبح بإمكانها تسجيلهم وفق الأنظمة واللوائح. وفي العادة تبدأ الحكاية باختيار نخبة من اللاعبين يفترض أن يكونوا مميزين، أصحاب قيمة فنية عالية، وفق ما يملكه النادي من وفرة مالية وفكر إداري واعٍ.
-وهنا تشتعل حالة الفرح والبهجة عند جماهير الأندية التي تمكنت إداراتها من إنهاء «مقاضي العيد» مبكراً وبجودة عالية، بينما يحدث العكس تماماً عند أندية تقف على خط «الفقر»؛ فتخرج جماهيرها خائبة الظن، بسبب ما تعانيه من شح مالي وضعف إداري، وهي تتحسس الفارق بينها وبين معشر الأندية «الغنية»، ولسان حالها يقول:
«يَلّي أعطاكم.. يعطينا»!
-حال الأندية، مثل الدنيا وناسها «ناس فوق وناس تحت»، وعندما تبحث عن حجم هذه الفروقات وتضعها على أرض الواقع، تجد أن الأندية أيضاً ليست على مستوى واحد؛ هناك أندية «فوق» وأخرى «تحت» وبين هذه وتلك درجات ومستويات، فالطبقة «الفوق» نفسها موزعة إلى قسمين: قسم من النوع الفاخر، وقسم آخر من نوع «تقليد الفاخر»
-أما طبقة «تحت» فهي كذلك نوعان: نوع «نص ونص» ونوع آخر يطبق المثل الشعبي الشهير «افرش لحافك على قد رجولك» وهذا الوضع ليس جديداً علينا، بل هو أمر متعارف عليه في عالم كرة القدم، سواء عندنا أو في مختلف دول العالم. تعايشنا معه منذ زمن الهواية، ثم عصر الاحتراف، لكنه بدأ يتغير مع عصر الشركات والخصخصة؛ إذ أصبحت الأندية محكومة بأنظمة ولوائح، وهياكل إدارية مؤسسية، وأطر مالية وتجارية.
-ومع ذلك، فإن تجربتنا لا تزال في بدايتها، وتعيش حالة مخاض؛ منها ما ينتهي بولادة طبيعية، ومنها ما يتعسر، لأسباب قد نجهلها، أو لأن رؤيتنا لا تزال تسير في اتجاه واحد، لم نستطع الخروج منه حتى الآن، فمهما تغير الزمن، واختلفت معايير الأندية التي كانت تخضع لنظام الأفراد وأصبحت اليوم تحت مظلة الشركات، ما زالت معادلة «أندية فوق وأندية تحت» حاضرة بقوة. ليلة العيد.. والثواني الأخيرة!
-ولعل حالة معظم أنديتنا تؤكد ذلك؛ فما زلنا نلاحظ أندية تنتظر حتى ليلة العيد، ولا تنهي تعاقداتها إلا في الثواني الأخيرة، وحظها في تلك اللحظات:
«تلحق.. ولا ما تلحق؟!» وحتى إذا لحقت، لا تعرف هل جاءت مقاييس اختياراتها «مناسبة» أم أنها كانت مجرد نتيجة للزحمة! الخياط.. أقصد وكيل الأعمال، ربما أكلها «مقلب»! أو ربما ضاعت الصفقة في «سكة التائهين» فضاع معها موعد العيد، واضطر النادي إلى ارتداء ثوبه القديم، والاكتفاء بفرحة «تسلية» تمشي الحال!.
-ولو قسنا «عيد أندية روشن» في هذه الليلة، وعلى مستوى أندية الشركات، فبدون أدنى شك، فإن الهلال معيد من بدري، الهلال، في حسابات هذه الطبقات، يعيش وحده في الأعلى، ولا أحد قده! ومن يومه وهو في قصر فاخر وعالٍ، سواء بهويته القديمة أو الحديثة؛ ففي كل مراحل مسيرته، المفصل والتفصيل واحد، وإن اختلفت الأسماء وتنوعت الهويات.
-أما النصر، فهو في الحقيقة «ولد نعمة» من طبقة «فوق» لكن مشكلته الأزلية أنه من كثرة ما يطالع «فوق» يتعب كثيراً! الغيرة الرياضية في حد ذاتها ليست عيباً، بل هي من طبيعة المنافسة، لكنها عندما تفقد الفريق توازنه، فإنها تقوده إلى حالة من التوهان والارتباك، وتدفعه أحياناً إلى السير مع رياح تشتت أهدافه وطموحات جماهيره، والنصر، بما يحظى به من مكانة عالمية، وقيمة مادية وفنية وجماهيرية، وبالذات بعد التعاقد مع الأسطورة كريستيانو رونالدو وعدد من النجوم العالميين، كان يفترض أن يعرف جيداً قيمة المكانة التي وصل إليها، ومع ذلك، ضاعت بعض خطاه إلا فيما ندر، وأحسب أن «العالمي» قضى مقاضي العيد كاملة، وإن حاول أن يوحي بغير ذلك!
-أما الأهلي، فهذا لوحده حكاية! كان ذات يوم في قمة طبقة «فوق» ثم دار عليه الزمن، وبعد سقوطه في هاوية دوري يلو، أصبح يعيش على حلم قديم عنوانه «عز ونفوذ» ولعله يعود، خصوصاً بعدما أصبح يتميز بلقب «النخبوي»، وهو لقب يبدو أن الأهلاويين حريصون على المحافظة عليه، بل وزيادة غلته وتعزيز المكانة التي يرون أن ناديهم يستحقها بكل الطرق والوسائل، وسلاح الأهلي الأكبر هو جماهيره؛ سلاح معروف على طريقة أهل أول في زمن الحارة «خذوهم بالصوت!» أصوات تسمعها تصرخ «جانا العيد.. ونحن ما عيدنا زي غيرنا!» وهنا تصبح «المظلومية» جزءاً من مكونات الخطاب الإعلامي الأهلاوي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمدرج الذي لا يتنازل بسهولة عن حقه في المقارنة والمطالبة.
-وبقي نادي الاتحاد، هذا النادي، الذي ارتبط في الذاكرة الرياضية بلقبي «نادي الوطن» و«نادي الشعب»، وبحكم أنه «كبير وعميد» الأندية السعودية، سيبقى بطبيعة الحال في طبقة «فوق» مهما ذاق من أصناف وألوان المعاناة، فالمعاناة جزء من تاريخه، والصبر جزء من شخصيته، ولهذا احتفظ بمكانته وقيمته بين الكبار، غير مبالٍ بمن يحاول كسره أو الانتقاص من قيمته وهيبته وشموخه، لكن الاتحاد، مثل من تعوّد أن يأتي يوم العيد وهو لا يزال ينتظر آخر قطعة من ثوبه، اعتاد أن يصل إلى اللحظات الأخيرة وهو يقول «لعل وعسى.. ألحق العيد»! ولو بثوب مرقع، قابل للتعايش مع تواضعه، ومع جماهيره التي كثيراً ما تردد «لك الله يا إتي!
-أما القادسية، الذي «باضت له بيضة ذهب في طشت» بعدما أصبح تحت ملكية شركة أرامكو، ومن المؤكد أن مقاضي العيد عنده ستكون على مستوى عالٍ جداً؛ ثياب "مفصلة" بالمقاس، واختيارات مدروسة، وطموح لا يتوقف عند مجرد المشاركة، والرغبة واضحة في أن يكون عيد القادسية هذا الموسم مختلفاً وحقيقياً، وربما تكون فرحته الكبرى في نهايته، ببطولة تغني عن كل البطولات! ليظل القادسية في مكانه بين أندية "يلّي فوق" وليثبت أن المال حين يلتقي بالإدارة الجيدة والطموح، يمكن أن يغيّر موقع النادي في سلم المنافسة.
-بينما الخلود، فأغلب ظني أنه يسير هو الآخر في خطوات تصاعدية، وقد يوصله مالكه الأمريكي، مع مرور الوقت، إلى مصاف أندية «فوق» إذا استمر المشروع وتوفرت له مقومات النجاح.
-همسة أخيرة
أما بقية الأندية الاثنا عشر، فكان الله في عونها هذه الليلة! هي تبحث عن وجودها بما تملك، وتطبق بحكمة المثل الشعبي "على قد لحافك.. مد رجولك" راضية مرضية بما لديها، وتحاول أن تصنع من إمكاناتها المحدودة فرحة عيد، ولو كانت متواضعة، لكن لا أحد يستطيع أن يمنعها من الحلم، فكم من نادٍ كان بالأمس في طبقة "تحت" ثم جاء يومه، وارتفع إلى طبقة "فوق"! فالعيد ليس دائماً لمن يملك أغلى ثوب.. وإنما لمن يعرف كيف يرتديه، ومتى يرتديه، وكيف يحافظ عليه!


