في عام 1975، اتخذت السعودية قراراً غيّر مسار اقتصادها الصناعي. لم يكن إنشاء مدينة الجبيل الصناعية، ثم تأسيس سابك، مجرد مشروعين كبيرين، بل كانا تعبيراً عن فكرة واضحة... إذا كانت المملكة تمتلك النفط والغاز، فلا ينبغي أن تكتفي بتصديرهما، بل عليها أن تبني فوقهما صناعة قادرة على المنافسة عالمياً. بعد نصف قرن، تبدو الحاجة إلى فكرة مماثلة أكثر إلحاحاً. حققت صناعة البتروكيماويات السعودية قصة نجاح استثنائية، وتوسعت سابك والشركات المماثلة حتى أصبحت المملكة لاعباً عالمياً. لكن الصناعة البتروكيماوية وصلت إلى حدٍ ما إلى مرحلة من الثبات. لم تعد إضافة وحدات التكسير الكبرى هي القصة الوحيدة التي ينبغي أن تشغلنا. السؤال الأهم اليوم هو.. ماذا نصنع من المواد التي تنتجها هذه المصانع ؟ قبل أكثر من عشرين عاماً، زرت مرات عديدة الأمير المخلص فيصل بن تركي، الذي كان مسؤولاً في وزارة البترول. كان شديد الإيمان بضرورة بناء صناعات متخصصة ومتقدمة تقوم على منتجات شركات البتروكيماويات السعودية. ولا أزال أتذكر خريطة معلقة في قاعة الاجتماعات، يغلب عليها اللون العنابي، ترسم تصوراً لسلاسل صناعية يمكن أن تنشأ فوق القاعدة البتروكيماوية القائمة. ربما كانت الفكرة سابقة لوقتها. واليوم أصبحت أكثر أهمية. تقدم سويسرا درساً يستحق التأمل. فقد نشرت «فايننشال تايمز»، هذا الأسبوع، تقريراً عن قدرة الصناعة السويسرية على البقاء رغم ارتفاع الأجور، قوة الفرنك وافتقار البلاد إلى الموارد الطبيعية. الإجابة لم تكن منافسة الصين في الإنتاج الرخيص والكثيف، بل التخصص.. منتجات أكثر تعقيداً، أعلى جودة وأغلى سعراً، موجهة إلى أسواق عالمية مستعدة لدفع علاوة مقابل التقنية والدقة. ولا تزال الصناعة تمثل نحو 19 في المائة من الاقتصاد السويسري، فيما تمتلك البلاد أعلى حصة من التصنيع عالي التقنية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. السعودية تمتلك نقطة انطلاق ربما تكون أقوى.. النفط والغاز، شركات بتروكيماويات عالمية، مدناً صناعية وبنية تحتية تراكمت على مدى خمسة عقود. المطلوب ليس منافسة الصين في كل شيء، وإنما اختيار الجزء الأغلى من الكعكة. يمكن أن تكون مواد سابك والشركات المماثلة أساساً لمكونات متقدمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، السيارات الكهربائية، الطيران، الأجهزة الطبية، المواد المركبة والإلكترونيات الدقيقة. الهدف ليس زيادة الأطنان المنتجة، بل زيادة القيمة التي يحققها كل طن قبل مغادرته المملكة. التغييرات الأخيرة، مع تولي سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان مسؤولية وزارة الصناعة والثروة المعدنية، تفتح نافذة مهمة. ورغم إيماني بأهمية بقاء وزارة الصناعة والتعدين في وزارة مستقلة مؤسسياً، فإن القدرات الإدارية للأمير عبدالعزيز تمنح أملاً في بناء تصور صناعي متكامل يتجاوز الأشخاص ودورات المسؤولين. لكن الصناعة المتقدمة لا تُبنى بالمصانع وحدها. إنها تحتاج إلى تعليم استثنائي، بحث وتطوير، تدريب مهني متقدم، بيئة صحية واجتماعية تستطيع جذب أفضل العقول والاحتفاظ بها. التجربة السويسرية نفسها تقوم على منظومة تعليم وتدريب مهني عميقة.. نحو ثلثي الشباب يسلكون مسار التعليم والتدريب المهني. رؤية 2030 ستصبح أكثر حضوراً في حياة المواطن عندما تتحول ميزتنا في باطن الأرض إلى معرفة، مهارة ومنتجات عالمية فوق الأرض وإلى وظائف عالية الدخل. بدأت رحلة الجبيل قبل نصف قرن بسؤال.. ماذا نفعل بنفطنا وغازنا؟ السؤال الذي يستحق أن يقود نصف القرن المقبل هو.. ماذا نصنع مما صنعناه منهما؟