تتجه دول العالم اليوم إلى إعادة رسم إستراتيجياتها الصناعية على أساس القيمة المضافة، وليس مجرد امتلاك خطوط الإنتاج النهائية. وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة سيارات مستدامة، لكن السؤال الأهم.. هل نصنع السيارات؟ أم من أين نبدأ؟ التجارب الصناعية الكبرى تؤكد، أن النجاح لا يبدأ من مصانع التجميع، وإنما من بناء قاعدة صناعية عميقة للمكونات والأجزاء. فالسيارة التقليدية تتكون، بالوزن، من نحو 50 إلى 65% من الفولاذ والحديد، و10 إلى 15% من البلاستيك والبوليمرات، و8 إلى 12% من الألمنيوم، إضافة إلى المطاط والزجاج والنحاس والمواد الكيميائية. وهذه المواد تمثل في الواقع نقاط قوة تمتلك المملكة فيها ميزات نسبية واضحة، سواء في الألمنيوم، أو الصناعات البتروكيماوية، أو التعدين والطاقة. بدلاً من استثمار مليارات الريالات في إنشاء مصانع لتجميع سيارات تستهدف سوقاً محلية لا يتجاوز حجمها نحو 600 ألف سيارة سنوياً، قد يكون من الأكثر جدوى توجيه الاستثمار نحو إنشاء مئات المصانع المغذية لصناعة السيارات. مصانع تنتج الأجزاء المعدنية، والمكونات البلاستيكية، والأنظمة المطاطية، والأسلاك، والدهانات الصناعية، اللواصق، والأجزاء الكهربائية، لتصبح مورداً معتمداً لكبرى شركات السيارات العالمية. الحصول على الاعتماد الرسمي من المصنعين العالميين هو التحدي الحقيقي، لكنه أيضاً الأصل الصناعي الأكثر قيمة. فعندما تصبح المنتجات السعودية جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية، فإنها لا تخدم السوق المحلية فقط، بل تدخل إلى ملايين السيارات التي تُنتج سنوياً حول العالم، وتخلق قطاعاً صناعياً واسعاً يوفر آلاف الوظائف ذات القيمة المضافة، ويولد طلباً مستداماً على الصناعات الوطنية. التحدي كبير، ولذلك فإن التمكين المالي، والحوافز الاستثمارية، وبرامج نقل التقنية، يجب أن تكون في صميم الإستراتيجية الصناعية المقبلة. فبناء منظومة مورّدين عالميين يحتاج إلى تمويل طويل الأجل، ومراكز للاختبارات والاعتماد، وشراكات مع الشركات الدولية، إضافة إلى تطوير الكفاءات البشرية والهندسية. كما أن مراجعة مستهدفات صناعة السيارات الكهربائية تبدو خطوة منطقية. فالتحول إلى المركبات الكهربائية يمثل المرحلة التالية، وليس نقطة البداية. الصين، التي أصبحت اليوم أكبر منتج للسيارات في العالم بإنتاج يقارب 34 مليون سيارة سنوياً، وسوق تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وأكثر من 100 شركة لتجميع السيارات، لم تصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها. فقد بدأت نهضتها الصناعية الحديثة عام 1978، بينما انطلقت إستراتيجيتها المركزة في السيارات الكهربائية بعد عام 2015، بعد أن امتلكت قاعدة صناعية هائلة في الصناعات التقليدية وسلاسل الإمداد. في المقابل، يبلغ عدد سكان المملكة نحو 35 مليون نسمة، وهي سوق مهمة لكنها لا تكفي وحدها لبناء صناعة تجميع ضخمة قادرة على المنافسة العالمية. كما أن تجربة أستراليا تقدم درساً مختلفاً، فعلى الرغم من وجود مصانع تجميع، فإنها أوقفت صناعة السيارات لعدم قدرتها على تحقيق الجدوى الاقتصادية أمام المنافسة الدولية.. لذلك، قد يكون الطريق الأقصر والأكثر استدامة هو الاستفادة من الخبرات العالمية التي خاضت تجارب ناجحة، والاستعانة بقيادات صناعية بارزة مثل كارلوس غصن وغيره، لوضع خارطة طريق واقعية تبدأ من الصناعات المغذية، ثم بناء شبكة مورّدين سعوديين معتمدين، مع تشجيع استخدام المكونات المحلية في السيارات المستوردة كلما أمكن ضمن الأطر النظامية والاتفاقيات التجارية. وعندما تنضج هذه المنظومة الصناعية، وتثبت قدرتها على المنافسة عالمياً، يصبح الانتقال إلى تجميع السيارات خطوة طبيعية، وليس مغامرة مكلفة. فالصناعة لا تُقاس بعدد السيارات التي تحمل شعار «صنع في السعودية»، بل بعدد المصانع التي تعمل خلف كل سيارة تُصنع في العالم. وهذه هي الصناعة التي تستحق أن تكون في قلب الإستراتيجية الصناعية السعودية المقبلة.