أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1238.jpg&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الجديع

القرن الأفريقي.. التفاعلات الاستراتيجية وصراع النفوذ الدولي

لم يعد القرن الأفريقي مجرد إقليم جغرافي يقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر، بل أصبح أحد أكثر الأقاليم تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي؛ نظراً إلى موقعه المشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية. ومن هنا، فإنّ أي اضطراب سياسي أو أمني في هذه المنطقة لا يقتصر أثره على دولها، بل يمتد إلى أمن الطاقة العالمي، وحركة التجارة الدولية، واستقرار الشرق الأوسط.


تُعدّ منطقة القرن الأفريقي من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، لما تمثله من أهمية اقتصادية وسياسية وعسكرية. وقد شهدت خلال القرن العشرين أزمات متلاحقة، وحروباً أهلية، وتحوّلات جذرية ألقت بظلالها على الأمن والاستقرار في الإقليم، وأفرزت تحديات كبيرة أمام التنمية والاستثمار، كما أعادت رسم مسارات العلاقات الإقليمية والدولية.


وتزداد أهمية المنطقة لكونها تشرف مباشرة على الضفة الغربية لمضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس. ولذلك، فإنّ أي اختناق جيوسياسي في هذا المضيق ينعكس مباشرة على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج العربي، وعلى حركة التجارة العالمية، بما يؤكد مكانة القرن الأفريقي بوصفه إحدى أهم العقد الجيوسياسية في العالم.


وتواجه دول الإقليم تحديات معقدة، أبرزها الصراعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، والتنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والمنافذ البحرية. وقد أدى ذلك إلى فتح المجال أمام قوى خارجية لتعزيز حضورها السياسي والأمني والعسكري في المنطقة.


وتبرز إسرائيل بوصفها أحد الفاعلين الساعين إلى توسيع نفوذها الأمني والاستخباراتي عبر بناء علاقات مع بعض دول الإقليم، واستثمار الانقسامات الداخلية. كما تسعى إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، ولا سيما عبر ميناء بربرة، في حين تعمل تركيا، إلى جانب قوى إقليمية ودولية أخرى، على توسيع حضورها من خلال الاستثمارات، والاتفاقيات الأمنية. كما أثار السعي إلى الاعتراف بما يسمى «أرض الصومال» اعتراضاً حاداً من جمهورية الصومال الفيدرالية، التي عدّت ذلك انتهاكاً لوحدة أراضيها، ومحاولة لتكريس واقع سياسي جديد يخدم مصالح قوى خارجية.


وفي هذا السياق، تبرز التهديدات الصادرة عن جماعة الحوثي بوصفها عاملاً إضافياً يضاعف المخاطر. فعلى الرغم من أنّ نشاط الجماعة ينطلق من الضفة الآسيوية للبحر الأحمر، فإنّ تأثيره يمتد مباشرة إلى الضفة الأفريقية؛ لأنّ باب المندب يمثل وحدة جغرافية وأمنية واحدة. وكلما تصاعدت الهجمات على السفن أو تعطلت حرية الملاحة، انعكس ذلك على موانئ القرن الأفريقي، وعلى حركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات الدولية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين البحري وأجور الشحن، واضطرار بعض السفن إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، بما يرفع كلفة النقل ويثقل الاقتصاد العالمي.


ومن ثمّ، فإنّ أي تدهور في البيئة الأمنية للقرن الأفريقي ستكون له انعكاسات مباشرة على دول الخليج العربي، وعلى مصر، بما تمثله من ثقل سياسي ودور محوري في حماية أمن البحر الأحمر. ولذلك، فإنّ زعزعة استقرار هذه المنطقة تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، ولا سيما في ظل تصاعد الاعتداءات التي تستهدف الملاحة والمنشآت الحيوية.


وتحكُم حرية الملاحة في المضايق الدولية، سواء في باب المندب أو مضيق هرمز، قواعد القانون الدولي والاتفاقيات البحرية، التي تكفل حق المرور الآمن للسفن، بعيداً عن النزاعات السياسية والعسكرية. وفي ضوء ذلك، لا يجوز تحويل هذه الممرات إلى أدوات للضغط السياسي، أو فرض رسوم، أو ممارسة الابتزاز، أو احتكار حق التحكم بحركة الملاحة؛ لأنّ هذه المضائق تمثل شرياناً حيوياً للمجتمع الدولي بأسره.


لقد تجاوزت قضية القرن الأفريقي حدودها الجغرافية، لتصبح جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي العربي ومن عناصر الاستقرار في الشرق الأوسط. فالتنافس على الموانئ، وعسكرة الممرات البحرية، وتصاعد دور القوى غير العربية، واتساع التدخلات الخارجية، كلها مؤشرات تؤكد أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى.


ومن هنا، فإنّ حماية البحر الأحمر وباب المندب ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن القومي العربي؛ لأنّ أمن هذه الممرات يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.


ولعلّ تفعيل تجمع دول البحر الأحمر وخليج عدن، الذي أُعلن عنه في ديسمبر عام 2018، يمثل إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التنسيق الأمني والسياسي بين الدول الأعضاء، والحد من تمدد القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض نفوذها في المنطقة. كما يظلّ للجامعة العربية دور محوري في بلورة موقف عربي موحد، والدفاع عن حرية الملاحة، وصون أمن المضايق، وفقاً لأحكام القانون الدولي.


وفي ظل التوترات العاصفة التي تهب على المنطقة، وتقضّ مضجع الإقليم، يتعيّن الإقرار بأنّ القرن الأفريقي لم يعد قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح اختباراً لقدرة النظام العربي على حماية مصالحه الاستراتيجية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وإذا لم تُترجم المخاوف العربية إلى رؤية جماعية وآليات عمل مشتركة، فإنّ المنطقة ستظل ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، وسيبقى أمن البحر الأحمر وباب المندب عرضة للتجاذبات الدولية والإقليمية، بما يحمله ذلك من تداعيات مؤرقة على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

00:04 | 13-08-2026

الخليج ودبلوماسية احتواء الأزمات

الأحداث المتسارعة، التي تشهدها منطقة الخليج العربي، والتطورات الخطيرة، وتداعياتها التي مست مباشرة أمن دول المنطقة وسيادتها، ألقت بظلالها على استقرار هذه المنطقة الحيوية، وما تمثله من أهمية أساسية للاقتصاد العالمي.

هذه التوترات العاصفة والأزمات المتلاحقة تكشف عن محاولات ممنهجة تستهدف بنية النظام الإقليمي القائم، عبر توسيع دائرة الفوضى من خلال الهجمات المستمرة وحروب الوكالة التي تشنّها المليشيات المدعومة من إيران، والتي طالت منشآت حيوية ومدنية ونفطية في عدد من دول المجلس. كما أنّ استمرار طهران في توظيف أذرعها الإقليمية لاستهداف مقدّرات دول المنطقة ومكتسباتها التنموية يشكّل تهديداً مباشراً للتعايش السلمي والأمن الإقليمي والتجارة الدولية.

ورغم هذه المحاولات الجسيمة، أثبتت دول مجلس التعاون جاهزية عالية من خلال منظومات دفاعية متطورة قادرة على التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة وإحباطها مراراً. وقد تجلى ذلك بشكل واضح لا لبس فيه في الرد السعودي الحاسم والمشروع على الاعتداءات التي تعرّضت لها المملكة إعمالاً لحق الدفاع عن النفس، وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ومع اشتداد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أدارت دول الخليج الأزمة بعقلانية واتزان وحكمة، من خلال تبني موقف واضح يرفض الانخراط في الصراع، أو السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمليات عسكرية يمكن أن تؤدي لتوسيع دائرة الحرب.

ولم يقتصر هذا الموقف على تجنّب الانخراط في المواجهة، بل امتد إلى تحرك دبلوماسي نشط سعى لاحتواء التصعيد، وطرح المبادرات الرامية إلى نزع فتيل الأزمة، وتهيئة بيئة إقليمية أكثر أمناً واستقراراً، وهو ما يعكس رؤية إستراتيجية مفادها بأنّ الأمن الجماعي لا يتحقق عبر الاصطفافات العسكرية، وإنما بالحوار، واحترام سيادة الدول، وتغليب المصالح المشتركة.

ويجسّد هذا النهج الحكيم إدراكاً عميقاً لمخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، كما يعكس نضجاً سياسياً في إدارة الأزمات، ويؤكد أنّ دول الخليج اختارت أن تكون جزءاً من جهود الاستقرار، لا طرفاً في إشعال النزاعات، أو توسيع نطاقها.

إنّ استمرار السياسات الإيرانية القائمة على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتوظيف الجماعات المسلحة كأدوات للضغط السياسي والعسكري، يعري النوايا المضمرة لزعزعة الاستقرار، وهو نهج يعمق التوتر، ولا يخدم بناء الثقة.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أنّ مصدر التهديد لأمن المنطقة ينبعث من داخل الإقليم، لا من خارجه، مما يجعل مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة دولها على تعزيز التعاون والتنسيق، وصياغة رؤية أمنية مشتركة، وتبني مسارات واتجاهات أكثر حكمة ومسؤولية، للتعاطي مع الأزمة القائمة والأحداث الحالية ومستجداتها، بعيداً عن السياسات العدوانية، والتذاكي المفرط، ومحاولة الاستئثار والهيمنة، إذ إنّ هذه الممارسات تعمق أسباب عدم الاستقرار، وتغذي التوتر في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، يبقى احترام سيادة كل دولة وحقها في اتخاذ قراراتها الوطنية مبدأً راسخاً لا خلاف عليه، شريطة ألا تتحوّل الترتيبات الثنائية أو الجانبية إلى عبء على أمن دول المنطقة.

وفي ضوء هذه الوقائع، فإنّ أي مساعٍ لبناء الثقة مع إيران ستظل محدودة الأثر ما لم تقترن بتغيير حقيقي في السلوك السياسي، والتخلي عن سياسات حروب الوكالة، واحترام قواعد حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي المبادئ التي تمثل الأساس لأي نظام إقليمي مستقر وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

ينبغي على إيران، فضلاً عن ذلك، الخروج من هذه السياسات العبثية، والتوقف عن دعم الميليشيات، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، والابتعاد عن سياسة اللعب بالنار وإثارة العواصف السياسية الدولية، وعدم اتخاذ أي ممارسات طائشة تهدد الملاحة الدولية، وتسعى إلى بسط النفوذ على الممرات الإستراتيجية البحرية.

إنّ موضوع الملاحة الدولية في مضيق هرمز تحكمه الاتفاقات الدولية، ويمس في الصميم أمن المنطقة واستقراها، وبالتالي على إيران أن تكون دولة طبيعية، أسوة ببقية الدول الأعضاء في الأسرة الدولية، وعليها أيضاً الامتثال لمقتضيات الأعراف الدبلوماسية والدولية التي تحكم العلاقات الدولية.

متابعة التفاعلات الدولية للأزمة القائمة تشير إلى أنّ مصدر القرارات في طهران تقوم به حفنة من المتشدّدين، هؤلاء هم رهائن لتصوراتهم وقناعاتهم وأهوائهم الشخصية ومعتقداتهم التي تؤثر على توجهاتهم وقراءاتهم للأحداث وتقييماتهم السياسية والإستراتيجية الخاطئة دائماً، وهو ما يعرّض المنطقة إلى ما لا تحمد عقباه.

السلام الحقيقي لا يُبنى على الخطابات أو المناورات الدبلوماسية، بل على سياسات عملية تعزز الثقة المتبادلة، وتحترم سيادة الدول، وتنبذ استخدام القوة أو التهديد بها. فإذا اختارت إيران هذا المسار والالتزام بالمعايير الدولية، فإنّ دول الخليج ترحب بذلك، لأنها تبنت سياسة واضحة من حيث إبعاد المنطقة عن أي صراعات إقليمية أو دولية، وأبدت استعدادها لبناء علاقات قائمة على مبادئ حسن الجوار، والاحترام المتبادل، وحفظ المصالح المشتركة، وهي أسس تسهم في خلق بيئة توفر الثقة، وترعى النيات الصادقة، وتفتح صفحة جديدة في العلاقات، وترسّخ استتباب الأمن والاستقرار، والتوجه نحو التنمية المستدامة في المنطقة.

أما إذا استمرت إيران في نهج التصعيد والتهديد وتغذية الصراعات، وتقوية نفوذها عبر افتعال الأزمات، وتفريخ المليشيات، وتوظيف التوترات في دول المنطقة، فستجد نفسها أكثر عزلة، وأبعد عن لعب أي دور إيجابي في صناعة أمن المنطقة واستقرارها.

00:00 | 4-08-2026

الدبلوماسية السعودية.. من حكمة التأسيس إلى ريادة التأثير

لم يشهد الشرق الأوسط، منذ عقود، هذا القدر من التداخل بين الأزمات والتوترات الإقليمية، كما يشهده اليوم.


ولقد أثبت التاريخ أنَّ الأزمات الدولية ليست استثناءً في العلاقات بين الدول، بل هي جزء من طبيعة النظام الدولي، الذي يقوم على تداخل المصالح وتنافس القوى واختلاف الرؤى. ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية بوصفها الأداة الأكثر فاعلية في احتواء النزاعات، وخفض التصعيد، وبناء الثقة، وتحويل الصراع من ساحة المواجهة إلى طاولة التفاوض. فكلما تعقدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى دبلوماسية تمتلك الحكمة والقدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ، والمرونة في إدارة الخلافات. ولذلك، أصبحت الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول، ولا تقل أثراً عن القوة العسكرية أو الاقتصادية في صياغة موازين النفوذ.


وتُعد منطقة الشرق الأوسط النموذج الأوضح لهذه الحقيقة، فهي من أكثر مناطق العالم تعرضاً للصراعات والتدخلات الخارجية، ما جعلها مسرحاً لتنافس الإرادات الإقليمية والدولية، وألقى بظلاله على أمن شعوبها واستقرارها ومساراتها التنموية.


وفي خضم هذه البيئة المعقدة، استطاعت المملكة العربية السعودية أن ترسخ مدرسة دبلوماسية خاصة بها، تقوم على الاعتدال، واستقلال القرار، والواقعية السياسية، واحترام سيادة الدول، والإيمان بأنّ الحوار هو الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة لمعالجة الأزمات، بما يعزز مكانتها بوصفها قوة إقليمية قادرة على تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة من دون الانزلاق إلى الاستقطاب.


ولم يكن هذا النهج وليد اللحظة، بل امتداداً لسياسة راسخة منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي نجح في بناء دولة حديثة وسط تحولات دولية كبرى، وحرص على تجنيبها الانخراط في صراعات القوى الكبرى؛ محافظاً على استقلال قرارها السياسي في مرحلة شهدت حربين عالميتين وانهيار إمبراطوريات أعادت رسم خريطة العالم.


شكّل موقف المملكة خلال حرب أكتوبر عام 1973 محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية، عندما استخدمت النفط وسيلة للضغط السياسي دعماً للحقوق العربية، في خطوة أثبتت أنّ التأثير في موازين القوى لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يمتد إلى حُسن توظيف عناصر القوة الوطنية في خدمة الأهداف السياسية، ليؤكد أنّ الدبلوماسية لا تنفصل عن أدوات القوة الاقتصادية. وقد مثَّل ذلك نموذجاً مبكراً لتوظيف أدوات القوة الوطنية الشاملة في خدمة السياسة الخارجية، وهو المفهوم الذي أصبح لاحقاً أحد المرتكزات الرئيسة في الدراسات الإستراتيجية الحديثة.


كما جسدت المملكة التزامها بمبادئ الشرعية الدولية خلال أزمة احتلال الكويت عام 1990، عندما وقفت إلى جانب الحق في مواجهة العدوان، وسخّرت إمكاناتها السياسية والعسكرية ضمن إطار دولي لاستعادة سيادة الكويت. وفي المقابل، أعلنت موقفها الرافض لاحتلال العراق عام 2003، انطلاقاً من قناعتها بأنّ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها يمثلان أساساً للاستقرار الإقليمي.


ولم تقتصر الدبلوماسية السعودية على إدارة الأزمات عند وقوعها، بل سعت إلى معالجة أسبابها من خلال المبادرات السياسية. وتبقى مبادرة السلام العربية التي أطلقها المملكة، عام 2002، واحدة من أكثر المبادرات شمولاً وواقعية لمعالجة القضية الفلسطينية، إذ قدمت رؤية متكاملة لتحقيق سلام عادل يقوم على إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة مقابل سلام شامل في المنطقة. وما تزال هذه المبادرة، رغم تعثر تنفيذها، تمثل المرجعية العربية الأكثر وضوحاً للتسوية السياسية.


ومع التحولات المتسارعة في البيئة الدولية، باتت قدرة الدول على بناء الشراكات وإدارة التوازنات معياراً رئيساً لقياس تأثيرها في النظامين الإقليمي والدولي. واليوم، تبدو الدبلوماسية السعودية أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى. فقد تبنت المملكة سياسة تقوم على خفض التوترات، وتوسيع مساحات الحوار، والانفتاح على مختلف الأطراف، انطلاقاً من قناعة بأنّ الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر الاستقطاب، وإنما عبر بناء التفاهمات وإدارة الاختلافات.


وقد انعكس هذا النهج في الجهود السعودية الرامية إلى تعزيز الحوار مع القوى الإقليمية، ودعم مسارات الحل السياسي في عدد من الأزمات العربية، والمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى وقف التصعيد في المنطقة، إلى جانب دورها في حماية أمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، وإسهامها في دعم أمن الملاحة الدولية، وهي ملفات لم تعد ذات طابع إقليمي فحسب، بل أصبحت تمس الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة. ويعكس ذلك اتساع مفهوم الأمن الوطني ليشمل أمن الطاقة، وسلامة سلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصاد العالمي، بوصفها مكونات مترابطة في منظومة الأمن الدولي المعاصر.


كما عززت المملكة مكانتها بوصفها منصة للحوار الدولي، تستضيف اللقاءات والمشاورات بين أطراف متباينة، وتعمل على تقريب وجهات النظر في عدد من القضايا الدولية، مستفيدة من رصيد كبير من الثقة الدولية، ومن سياسة خارجية تتسم بالاتزان، والوضوح، والقدرة على التواصل مع مختلف القوى من دون الانخراط في سياسة المحاور. وبذلك لم تعد المملكة طرفاً في إدارة أزمات المنطقة فحسب، بل أصبحت وسيطاً موثوقاً في عدد من القضايا ذات الامتداد الدولي.


إنّ ما يميز الدبلوماسية السعودية اليوم ليس فقط حجم تأثيرها، وإنَّما طبيعة هذا التأثير. فهي دبلوماسية لا تقوم على التصعيد، بل على صناعة التوازن، ولا تبحث عن إدارة الخلافات فحسب، بل عن تحويلها إلى فرص للتفاهم. وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية، وتتصاعد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية، أصبحت الحاجة أكبر إلى قوى إقليمية تمتلك القدرة على بناء الجسور لا المتاريس، وعلى إنتاج الحلول لا تعميق الأزمات.


ولذلك، فإنّ الدور السعودي في المرحلة الراهنة يتجاوز حدود حماية المصالح الوطنية، ليصبح مساهمة فاعلة في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي. فالمملكة، بما تحوزه من ثقل سياسي واقتصادي، ومكانة عربية وإسلامية، وبقيادة شابة، استطاعت أن ترسخ حضورها على الساحة الدولية، فأصبحت شريكاً موثوقاً في صياغة التفاهمات الإقليمية والدولية، وأحد أبرز صُنّاع التوازن في الشرق الأوسط، بما يعكس تنامي قدرتها على التأثير في القضايا الإستراتيجية ذات الامتداد العالمي. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بوتيرة متسارعة، تبقى الدبلوماسية الحكيمة الاستثمارَ الأكثر استدامة. ولعلّ التجربة السعودية تقدم نموذجاً يؤكد أنّ النفوذ الحقيقي لا يُقاس بامتلاك أدوات القوة وحدها، بل بحُسن توظيفها، وبالقدرة على بناء الثقة، وصناعة التوازنات، وتحويل الحوار إلى سياسة، والسياسة إلى استقرار، والاستقرار إلى مستقبل أكثر أمناً وسلاماً. لقد استطاعت الجمع بين المصداقية والفاعلية في إدارة الأزمات، وهي معادلة رسخت حضور المملكة بوصفها شريكاً مؤثراً في الاستقرار الإقليمي والدولي.

00:00 | 24-07-2026

الغربة وصناعة المعنى في تجربة المثقف العربي..

منذ القدم ارتبطت المعرفة بالرحلة، وارتبط اكتشاف الذات بمغادرة المألوف. فالإنسان لا يعيد النظر في أفكاره وهويته إلا عندما يجد نفسه في مواجهة عالم مختلف يضع يقينياته موضع اختبار. ولعل هذا ما يفسر، إلى حد بعيد، ذلك الحضور اللافت للمبدعين العرب الذين ازدهرت تجاربهم الفكرية والأدبية في المهجر. فهل كانت الغربة مجرد انتقال في المكان، أم أنها كانت، في جوهرها، انتقالاً في الوعي والرؤية إلى العالم؟

يثور السؤال دوماً عن سر الغربة الذي يجعل قرائح بعض الأدباء والمفكرين والشعراء العرب تتفتق، ويفتح لهم الاغتراب نوافذ عطاء فكري وأدبي وشعري لا ينضب. فلماذا يبدع الكاتب مفكراً وأديباً في مغارس الغربة؟ ولماذا تتميّز كتابات المغتربين بتلك الروح الجديدة والمذاق الخاص، فضلاً عن جنوحها الواضح نحو النزعة الإنسانية؟

لا ريب في أنّ أولئك الروّاد الأوائل، من أمثال: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، ورفاقهم في «الرابطة القلمية» بنيويورك، وكذلك شفيق المعلوف وفوزي المعلوف ورفاقهما الذين أسّسوا «العصبة الأندلسية» في مدينة ساو باولو بالبرازيل، على سبيل المثال قد مهّدوا طريقاً فريداً.

وينضم إلى هاتين الكوكبتين شعراء وأدباء ومفكرون آخرون كان لهم باع كبير وتأثير راسخ في مسيرة الفكر والأدب، مثل: محمود درويش، وحليم بركات، وهشام شرابي، وإدوارد سعيد، وصادق جلال العظم، والطيب صالح، وأدونيس، ونزار قباني، وأمين معلوف والطاهر بن جلون، وغيرهم. كل هؤلاء صقلت الغربة مواهبهم الإبداعية، وشكّلت لهم مساحة فكرية وأدبية مشرقة.

يبدو أنّ تجربة الاغتراب وخوض معترك «العالم الجديد» كان لها صوت الحسم، مع التسليم بأنّ لكل أديب منهم بواعثه وأسبابه الخاصة التي حملته على الهجرة، قد مثّلت شكلاً من أشكال الرحلة نحو الاستكشاف، وتحقيق الذات، وممارسة الإبداع. لقد منحتهم الغربة هامشاً رحباً في إثراء المخيلة في الكتابة والتعبير، مما مكّنهم من ملامسة حقيقة الأشياء وكنهها، والاشتباك الإنساني الخلاق معها.

والمتتبع لسيرة هؤلاء الشعراء والأدباء يلحظ أنهم تصالحوا مع غربتهم، رغم إكراهات مفهوم الهوية، فمهما يكن من أمر، تظل مسألتا الهوية واللغة في الغربة من القضايا العصية على التجاهل، فالمثقف العربي، مهما تحسّنت أحواله ونعِم برغد العيش في مغتربه، يظل مسكوناً بحنين جارف إلى ذكريات الصبا، والبيوت العتيقة، وتلك الينابيع الأولى التي رَوى منها ظمأه في بواكير حياته.

بيْد أنّ المثقف المغترب، اليوم، يواجه، فضلاً عما سبق، صعوبات حياتية بالغة، لا سيما في ظل ما يشهده العالم المعاصر من ظواهر مقلقة، كالممارسات العنصرية، وموجات التطرف القومي التي اجتاحت بعض الدول الغربية. وتتضاعف هذه المخاوف مع بروز الأحزاب اليمينية المتطرفة في العقدين الأخيرين، وما يتبع ذلك من سلوكيات مناهضة لوجود الأجانب والتضييق عليهم وتهميشهم.

معاناة المثقف العربي المغترب لا تقتصر على الجانب المعيشي، بل تمتد إلى أبعاد ثقافية ونفسية ومعرفية معقدة، إذ يعيش المثقف بين فضاءين ثقافيين، فلا ينفصل تماماً عن ثقافته الأصلية، ولا يندمج كلياً في الثقافة الجديدة.

أضف إلى ذلك أنّ كثيراً من المثقفين العرب يكتبون بالعربية باستثناء بعض القلة، في بيئات لا تشكّل العربية فيها لغة تداول أو إنتاج معرفي واسع، ما يؤدي، أحياناً، إلى محدودية التواصل مع الجمهور المحلي.

وفي عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، لم يعد المثقف يحظى بالمكانة نفسها التي كان يتمتع بها في العقود السابقة. لذلك يجد صعوبة في إيصال صوته أو التأثير في المجال العام كما كان الحال لدى أجيال سابقة.

ولعل الصعوبة الأشد عمقاً هي أنّ المثقف المغترب يعيش في كثير من الأحيان حالة يمكن وصفها بـ «الانتماء المزدوج أو الاغتراب المزدوج»، فهو لا ينفصل كلياً عن وطنه الأول، وموائد الحنين التي تلازمه ولا يشعر أحياناً بانتماء كامل إلى وطنه الثاني. ومن هذا التوتر الوجودي بالذات تتولد، في كثير من الأحيان، أكثر الأعمال الفكرية والأدبية عمقاً وصدقاً.

مثل هذه الظواهر السلبية لم تكن بارزة أو فجة، على هذا النحو «العدائي»، إبّان عصر الروّاد الكبار في ثلاثينيات القرن الماضي، أو فيما بعد، حيث حظي المفكرون، آنذاك، بمساحات أوسع من الحركة والانطلاق في بيئاتهم الجديدة، بل أسهموا بفعالية في إبقاء الروح الأدبية حية وبثها في سردية الثقافة، فخلقوا أدباً يتسم بالإبداع، ولغة متجددة، وألفاظاً مبتكرة مفعمة بالنزعة الإنسانية؛ وسبب ذلك أنهم عاشوا في مجتمعات متعافية من الكراهية والتمييز العنصري والتطرف.

الغربة منحت بعض المبدعين أفقاً أوسعَ في التجديد، لكنها بالنسبة إلى آخرين كانت مصدراً للعزلة والانكسار وفقدان التوازن النفسي أو الثقافي. بعض المثقفين لم يتمكنوا من الاندماج في بيئتهم الجديدة، وبعضهم عانى من القطيعة اللغوية، أو من الشعور المزمن بالاقتلاع، الأمر الذي انعكس سلباً على عطائهم أو حدّ من حضوره.

ويمكن القول إنّ حقبة أولئك الروّاد قد أحدثت هزة عميقة في طرائق التعبير وطرح الأفكار داخل مسار الأدب العربي الحديث. بعيداً عن النمطية وبُحتريّة السّبك والنهج القديم، فالذهنية الجديدة التي اصطبغ بها أدب هؤلاء المفكرين والأدباء في المهجر حملت روحاً وثّابة تتطلع بشغف إلى مستقبل أكثر إشراقاً للأدب العربي، يحمل في طياته أنفاس الإبداع الخالص ورهانه الدائم على الإنسان.

لقد أسهم هؤلاء، بحق، فيما يمكن تسميته بـ«النهضة الأدبية الحديثة»، على الرغم من الثمن الباهظ والضريبة القاسية التي يدفعها المغترب من روحه ووجدانه بعيداً عن ثرى الوطن ومهوى الفؤاد. فالغربة، وإن كانت تفتح نوافذ واسعة للرؤية والإبداع، فإنها تترك في أعماق صاحبها ندبةً خفيةً لا تشفيها الكلمات، ولا يمحوها الزمن.

00:48 | 22-06-2026

ثقافة الترحال في تجربة ريم الفيصل

تعد الصورة الفوتوغرافية، في جوهرها، تأملاً فلسفياً في هشاشة الزمن؛ فهي الروح التي تحفظ أزمنة السلم، والصرخة التي تفضح قسوة الحروب، وهي ليست مجرد انعكاس بصري للحظة عابرة، بل محاولة عميقة لاحتجاز الزمن، وإنقاذ المعنى من التبدد. ولعل الحضارات القديمة لم تترك لنا سوى ما استطاعت العين أن تحفظه والروح أن تؤوّله؛ لذلك ظل التصوير الفوتوغرافي أحد أكثر الفنون التصاقاً بالذاكرة الإنسانية، وأشدّها قدرة على استنطاق التاريخ، وإعادة بثّ الحياة في صمت الأمكنة.


ومن بين أكثر التجارب التصاقاً بفكرة «ثقافة الترحال»، تبرز أعمال الرحالة والمستشرقين الذين حملوا عدساتهم كما يحمل الشعراء دفاترهم؛ يوثقون المدن، ويتأملون وجوه الناس، ويلتقطون نبض الحضارات وهي تعبر الزمن. فالصورة ليست مجرد مشهد، بل لغة كونية لا تحتاج إلى ترجمان، تختصر الحكايات والأزياء والطقوس وأحلام البشر، وتمنح اللحظة العابرة حياة أخرى لا يطالها الفناء. ولهذا اكتسبت الصورة مكانتها بوصفها وثيقة بصرية ذات مصداقية عالية، حتى قيل في الحكمة الصينية القديمة: «الصورة الواحدة خير من ألف كلمة»، لأنّ الضوء أحياناً يقول ما تعجز اللغة عن البوح به.


في هذا الأفق الرحب تتجلى تجربة الأميرة ريم محمد الفيصل، بوصفها أول سيدة سعودية رائدة في التصوير الفوتوغرافي الفني في المملكة العربية السعودية والخليج العربي، وتمتلك في مشوارها مع فن التصوير الفوتوغرافي أكثر من 30 عاماً من الدُربة الطويلة.


وبخصوص معرضها «أرض الحجيج والشعراء»، المقام حالياً في «مساحة وصل» الفنية بمدينة جدة منذ 30 أبريل، ويستمر حتى 25 مايو الحالي، قالت الأميرة في حديثها للصحافة إنها وعبر الحجيج القادمين إلى السعودية، تمكنت من التعرف على ثقافاتهم وتقاليدهم، وملامح وجوههم وألوانهم. وأضافت أنّ تجربتها بمثابة رحلة في الحضارة الإنسانية وتاريخ البشرية خلال موسم الحج، وأنّ اختيارها عنوان المعرض «أرض الحجيج والشعراء» يعود إلى الحضارة القديمة في الجزيرة العربية؛ فمن خلال اطلاعها وقراءاتها الشعرية لاحظت أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الإنسان والبيئة، وهناك نسق متناغم يربط الإنسان بالترحال والطبيعة والجبال، فما من موضع مميز ولا صحراء، أو وادٍ أو جبل، إلا وتم ذكره ووصفه في القصائد الشعرية، أو من خلال القصص التي ربطت الطبيعة والإنسان بالتركيبة المكانية، كما هو الحال في موسم الحج.


لم تكن الصورة مجرد توثيق لشعائر الحج، بل رحلة إلى الجوهر الإنساني، ومحاولة لاكتشاف المعنى الروحي الكامن خلف حركة تفاعل الجموع، وتلك اللحظة التي يذوب فيها الفرد في الكل، وتتماهى الهويات في بياض الإحرام وصفاء الروح.


استطاعت ريم الفيصل أن تمنح الحج بُعداً بصرياً يتجاوز الطقس الديني إلى أفق إنساني وشعري أكثر رحابة؛ فعدستها لا تلاحق المشهد فقط، بل تُنصت إليه، وتقرأ ما وراء الظلال والوجوه والخطوات. ولهذا بدت صورها وكأنها قصائد مكتوبة بالضوء؛ تتداخل فيها الروحانية بالشعر، والهوية العربية بالتأمل الوجودي العميق.


ويأتي توثيقها موسم الحج في مقدمة تجليات تجربتها الفنية؛ ففي صورها تتألق السكينة كأنها ابتهال بصري، ويغدو مشهد الحشود البشرية نوعاً من التناغم الكوني المهيب أمام مشهد الخيام في موسم الحج، فيتداعى في عدستها وكأنه لوحة تجريدية ضخمة، تنطق بالنظام والروحانية والرهبة الإنسانية العميقة.


ولم يكن غريباً أن تحظى هذه التجربة الثرية باعترافات دولية ومحلية، تُوّجت بحصولها على وسام فيلق الشرف الوطني الفرنسي «ليجيون دونور» عام 2009، في تكريم يتجاوز الإنجاز الفردي إلى الاعتراف بالدور الحضاري والثقافي الذي أصبحت المرأة السعودية تؤديه بثقة واقتدار، في ظل التحولات الكبرى التي صنعتها رؤية المملكة 2030، والتي أعادت تفعيل الحضور النسائي في المشهد الثقافي والفني.


لقد نجحت الأميرة ريم الفيصل في تحرير الصورة من جمود اللقطة التقليدية، وصاغت من أعمالها سردية حضارية نابضة بالروح والإنسان. فهي لا تلتقط المكان باعتباره جغرافيا صامتة، بل بوصفه كائناً حيّاً يختزن الذاكرة والتاريخ والانفعالات البشرية. ومن هنا يسطع البعد الإنساني في تجربتها، خصوصاً في اهتمامها بالقضايا العربية، حين أقامت معرضها الفني في مركز السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله؛ هناك حيث تتكئ الأرض على ذاكرة مثقلة بالألم والجمال والحضارة الإنسانية.


وفي أسفارها الفنية المتعددة، ظلّت ريم الفيصل تُوسع أفق الفن البصري السعودي، مانحة عدستها للعمارة الإسلامية التاريخية، ولتفاصيل الحياة اليومية في مجتمعات مختلفة، في تماهٍ عميق مع فكرة الترحال بوصفه اكتشافاً للذات قبل اكتشاف الآخر. لقد كانت تسافر لتلتقط الإنسان في لحظته الأكثر صدقاً، ولتؤكد أنّ الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود، بل ينتمي إلى المشترك الإنساني الأوسع.


ولعل أكثر ما يميّز أعمالها ذلك الولع بالأبيض والأسود؛ حيث التباين الذي يشبه الحياة نفسها، حين يتجاور النور والعتمة، والحضور والغياب، والفناء والخلود. فهي لا تستخدم اللون بقدر ما تستخدم الإحساس، ولذلك يشعر المتأمل في صورها أنه لا ينظر إلى مشهد خارجي، بل يعبر إلى داخله الشخصي، إلى ذاكرته وأسئلته وتأملاته الخاصة، وبالتالي ترفض ربط هذا الخيار الفني بالحنين أو النوستالجيا، مؤكدة أنّ علاقتها بالأبيض والأسود لم تكن محاولة لاستعادة الماضي، بل كانت بحثاً عن التحكم في الظل والنور.


إنّ الصورة عند ريم الفيصل محاولة لكتابة التاريخ بمداد الضوء. إنها لحظة التقاء العين الثاقبة بروح الخيال، حيث يتحول الزمن إلى أثر، ويتحول الإنسان إلى حكاية خالدة. ولذلك فإنّ تجربتها تتجاوز حدود التصوير الفوتوغرافي، لتغدو مشروعاً ثقافياً وإنسانياً يعلّمنا كيف يمكن للصورة أن تكون وطناً للذاكرة، ولغة للجمال، ومرآة للروح.

00:00 | 24-05-2026

مؤسسة خالد الفيصل: أفق ثقافي جديد..

في خضمّ الضجيج، ووسط صخب الغثاء الذي يعلو أحياناً على صوت الحقيقة الصادح، تشرق شمس المعرفة لتبدّد غيوم الزيف المثقلة بالجهل، معلنة أنّ ذاكرة الإنسانية لا تحفظ إلا ما كان أصيلاً ونافعاً ومحفّزاً على الإبداع والاجتهاد والتبصّر، وحارساً لهوية الأمة ووجدانها.

وفي ضوء الآمال المشعة، والرؤى المفعمة بوعد المستقبل، انطلقت «مؤسسة خالد الفيصل الثقافية» في مدينة جدة بتاريخ السادس من مايو 2026، لتجمع مبادرات سموه في إطار مؤسسي يضمن استدامتها، ويحفظ هذا النتاج الوطني الثري للأجيال المقبلة. وترتكز المؤسسة على رؤية شاملة تنبع من إيمان عميق بدور الثقافة في بناء المجتمعات وصناعة التحوّلات، وتسعى إلى تنمية الإبداع الثقافي، وإنجاز عمل نوعي يحمل هوية وطنية أصيلة.

ومع تجدّد الظمأ الإنساني للمعرفة على إيقاع تحولات كبرى لم تتوقف عند حدود السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى عمق البناء الثقافي والاجتماعي، تبرز هذه المؤسسة بوصفها مشروعاً ثقافياً يعيد الاعتبار للمعرفة الرصينة، ويقف سداً في وجه موجات التضليل وتآكل الهوية. وتتطلع، في غضون ذلك، إلى مواكبة زمن تُعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل الوعي وصناعة المحتوى، متجاوزة المفهوم التقليدي نحو فضاءات تفاعلية وسرديات مبتكرة.

ولا يمكن قراءة ميلاد هذه المؤسسة بمعزل عن صاحب الاسم؛ الأمير خالد الفيصل، هذه القامة الوطنية والثقافية الشامخة التي تبدو بصماتها واضحة في ميادين الفكر والإبداع والعمل العام. فسموّه ليس مجرد راعٍ للثقافة، بل مبدع يعيش في قلب التجربة الثقافية ذاتها؛ شاعرٌ طوّع الحرف، ومثقف استشرف آفاق الفكر العربي منذ عقود.

إننا، إذاً، أمام نهر متدفق من العطاء الأدبي والمعرفي، وموردٍ ثرّ للإبداع. وما إطلاقه لهذه المؤسسة إلا استجابة لمسؤولية تاريخية شعر بها سموه تجاه وطنه وأمته لتكون منارة ثقافية تحمل تراكمات عقود من العمل المؤسسي، ولعل تأسيسه السابق لـ«مؤسسة الفكر العربي» خير شاهد على اهتمامه العميق ببناء كيانات معرفية راسخة تخدم الحضارة العربية، وتبرز سماتها الأصيلة التي تجسّد القواسم المشتركة بين الشعوب كافة.

وانطلاقاً من حالة الوعي الثقافي المتنامي في المجتمع السعودي، فقد أكد الموقع الإلكتروني لمؤسسة خالد الفيصل، على رؤيتها الطموحة في «الوصول إلى حركة إبداع ثقافية أصيلة مبنية على قواعد راسخة من قيمنا الإسلامية»، فيما تؤكد رسالتها السعي إلى أن «تكون رافداً وطنياً يجسّد الثقافة من خلال تعزيز القيم الأصيلة وتشجيع الابتكار والإبداع للمساهمة في صناعة مستقبل مزدهر»، ودعم الثقافة والإبداع والابتكار والاستدامة.

المملكة تزخر بالحراك

الثقافي والمعرفي

وتأتي هذه المؤسسة الرائدة تماشياً مع حرص وتطلعات القيادة الشابة التي جعلت من الثقافة ركيزةً أساسية في «رؤية المملكة 2030»، من خلال حث الطاقات الإبداعية والفكرية على الإبداع والابتكار، وشحذ الهمم، وتحفيز الجهود والمبادرات الثقافية، وتدعيم اللغة العربية بوصفها وعاء الإبداع، والحفاظ على مقوماتها، وتنمية الشعر العربي والمحتوى الثقافي، في مسيرة لا تنفك تلهم الأجيال، وتشعل قناديل التنافسية في قلوبهم وعقولهم.

هذه المؤسسة معلم مضيء في سماء المملكة يرفد الفضاءات الثقافية والأعمال الإبداعية والفنية، لذا فإنّ همها الأساسي هو بناء جسور الحوار الحضاري، والاشتباك بين موروثنا العريق المنفتح على مستجدات المعرفة الحديثة، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي والمعرفي.

بزوغ فجر «مؤسسة خالد الفيصل الثقافية» ليس مجرد حدثٍ عابر، بل هو احتفاءٌ بالروح السعودية المبدعة التي جُبلت على الطموح، والتي لا ترتضي بغير ذُرى المجد بديلاً. إنه التجسيد الحيّ لنهج قيادة آمنت بأنّ الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء الإنسان، وأنّ الثقافة ليست ترفاً هامشياً، بل هي الروح النابضة للتنمية المستدامة، والركيزة التي تقوم عليها نهضتنا المعاصرة، في سبيل بناء مجتمعٍ حيويّ يفيض بالعطاء.

نتطلع في رحاب هذه المؤسسة الثقافية أن يتوهّج الحرف نوراً، وتنبض الفكرة حياة، لتغدو مجرّة تشع بالمعرفة والجمال، ومرفأ يحتضن الحراك الفكري الناهض بكل ما فيه من عمقٍ ووعيٍ وإبداع.

هذه المؤسسة الفتية تنطلق من إرثها العريق، ومكانة مؤسِّسها الرفيعة، لتجسد مكانة المملكة كمصدر إشعاعٍ ثقافي، وحاضنة للحراك الفكري الأصيل الذي يقدم للعالم نموذجاً فريداً يمزج بين عراقة الموروث وبين «المذاق المتجدد» لروح الابتكار، لتبقى بلادنا دوماً وجهة المثقفين، وقبلة المبدعين، وحلم الباحثين عن صناعة المستقبل.

00:16 | 19-05-2026

أزمات الشرق الأوسط والتعايش السلمي

ما انفكت منطقة الشرق الأوسط بؤرةً للأزمات والصراعات المستمرة التي تلقي بظلالها الكثيفة على استقرارها وتنميتها، وتحول دون ازدهارها. وعبر التاريخ كانت هذه المنطقة مصابة بلعنة الحرب التي حكمت مصيرها وكبّلت مستقبل أجيالها لقرون. ورغم أنهار الدماء التي سالت إلا أن اللعنة ما زالت تفعل فعلها؛ فتضرب ذات اليمين وذات الشمال.

وفي خضم ذلك، وما أسفر عنه من آلام ومآسٍ وتحديات جسيمة، يبرز التعايش السلمي كضرورة قصوى لحل مستدام، وحتمية إستراتيجية للخروج من دوامة العنف والدمار. فقد أثبت التاريخ، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الحروب لا تجلب سوى الخراب المادي والبشري، وتدمير البنى التحتية، وتبديد الموارد، وتأجيج الكراهية والعداء بين الشعوب، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من المعاناة واليأس، نشهد فصولها كل يوم.

ومن المتعارف عليه في فقه العلاقات الدولية أنّ الجوار الجغرافي لا يعني بالضرورة الوفاق السياسي، بل كثيراً ما تسعى الدول إلى تعزيز مكانتها على حساب تراجع الآخر، لا سيما أنّ لكل دولة تاريخاً وثقافةً يغذيان رؤيتها لمكانتها، ويؤثران في سلوكها الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، برز مفهوم «التعايش السلمي(Peaceful Coexistence)» بشكل واضح في العلاقات الدولية في مطلع القرن الماضي، وقد اعتمد لينين هذا المفهوم كوسيلة لحماية الدولة السوفيتية الفتية وتطبيع العلاقات مع الدول الرأسمالية. واستمر العمل بهذا المفهوم في مراحل لاحقة، من بينها النزاع السوفيتي- الصيني في أوائل سبعينات القرن الماضي.

والجدير بالذكر أنّ الصين تبنت مبدأ التعايش السلمي كمسار في سياستها الخارجية، وشددت على المبادئ الخمسة وهي الاحترام المتبادل للسلامة الإقليمية والسيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا البعض، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. وقد حظيت هذه المبادئ باعتراف المجتمع الدولي في مؤتمر باندونغ عام 1955 في إندونيسيا، والذي شكل النواة لمنظمة عدم الانحياز التي تأسست عام 1961 في بلغراد.

هذا التوجه اعتمدته لاحقاً الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والعشرين، ضمن إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وقد شكل إطاراً يحكم العلاقات بين الدول منذ معاهدة وستفاليا لسيادة الدولة القومية. هذه المبادئ الخمسة للتعايش السلمي أصبحت نهجاً متبعاً للتفاهم بين الدول، لترسيخ السلام والأمن، وتحقيق الاستقرار والاحترام المتبادل.

وفي السياق ذاته، ظهر مصطلح «الوفاق(Détente)»، المشتق من اللغة الفرنسية، ويعني «تخفيف التوتر»، لوصف مرحلة من خفض التصعيد الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبّان الحرب الباردة، بدءاً من عام 1969. وقد تميزت تلك الفترة بجهود دبلوماسية كبيرة لم تنهِ الحرب الباردة تماماً، لكنها قللت من حدّتها، ومهدت الطريق لمعاهدات الحد من التسلح، وتقليص خطر المواجهة النووية.

وبالعودة إلى واقع الشرق الأوسط، فإنّ المشهد الجيوسياسي في المنطقة تحكمه أحداث دامية استقطبت أنظار العالم، وعلى رأسها مجازر الإبادة الوحشية في غزة، وحرب التجويع، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للقانون الدولي والمواثيق الأممية، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية وتجاهلها التام للرأي العام الدولي.

وقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، علناً بعدم استعداده للتخلي عن السيطرة الأمنية على الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن، ما يؤكد استمرار العربدة السياسية والعسكرية من دون رادع فعلي من المجتمع الدولي. وجاء تصويت الكنيست الإسرائيلي (الأربعاء 23 الجاري)، بالموافقة على مشروع القانون المتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، ليصبّ الوقود على نار التوتر، حيث يهدف المشروع، إلى بسط القانون الإسرائيلي على هذه المناطق وهيمنتها من خلال اتباع سياسات أحادية وتغليب القوة، وهو ما يلقى معارضة شديدة من المملكة والجامعة العربية والمجتمع الدولي الذي يعتبر الضفة الغربية أراضي محتلة ويدعو إلى حل الدولتين.

وفي ظل هذه الأوضاع المشتعلة، فإنّ تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب جهوداً حقيقية لتعزيز التعاون والحوار بين دول المنطقة. فالمفاوضات الإقليمية هي الأداة المحورية لتجاوز التوترات التاريخية والانقسامات الراهنة، وينبغي أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.

ويدرك المجتمع الدولي أنّ ازدهار أي دولة في المنطقة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن استقرار جيرانها وازدهار البيئة المحيطة، مما يفرض تبني مقاربة جماعية تضع المصلحة الإقليمية فوق الحسابات الضيقة، وشهوة السيطرة والتوسع، والتوترات الأيديولوجية المثقلة بالوهم والصراعات.

لقد آن الأوان لتوجيه مسار الجهود بعيداً عن الحروب، وتبني نهج جديد في صياغة نظام إقليمي جديد يُعلي من شأن المصالح العربية، ويستند إلى مقررات الشرعية الدولية بشأن السلام، مع وضع القضية الفلسطينية في قلب هذا النظام. ويجب أن يكون حل الدولتين أساساً لهذا التوجه، إلى جانب كبح التهور الإسرائيلي الذي يهدد استقرار سائر دول المنطقة.
20:34 | 28-07-2025

السعودية: حكمة الريادة في زمن التحولات

ما انفكّ الشرق الأوسط مرتعاً للصراعات والتوترات، حيث تشابكت التحالفات، وتصادمت المصالح، مخلفة وراءها إرثاً ثقيلاً من عدم الاستقرار وتحديات التنمية.

هنا على هذه الأرض المبتلاة بالعنف والتوتر والدماء، حيث لا تنطفئ نار حتى تشتعل أخرى، لا بد من أن يعلو صوت حكيم فوق هذا الهدير المدمر. وهنا، وفي خضم هذه الديناميكية المعقدة، تبرز المملكة لاعباً محورياً يسعى، بخطى واثقة، نحو صياغة مستقبل جديد للمنطقة، وفق رؤية واضحة المعالم تقودها قيادة تعلم علمَ اليقين أنّ الدم يستسقي الدم، وأنّ الآلام تولد الأحقاد، وأنه لا خيار إلا في السلام والاعتراف بالحقوق القانونية التي شرّعتها الاتفاقات الدولية على أساس التعايش، والاحترام المتبادل بين الدول والشعوب.

تتجسد هذه الرؤية الخلاقة في جهود الزعيم الفذ الأمير محمد بن سلمان؛ الذي يقود مساراً دبلوماسياً نشطاً لإزالة مسببات التوترات والأزمات، وتقليص حجم النزاعات، دعماً للاستقرار وتركيزاً على مسار التنمية. هذه الخطوات تعكس بوضوح الأهمية الجيوسياسية للمملكة ومحوريتها، ما يجعلها مركز الثقل في حل القضايا الإقليمية الشائكة.

لقد أصبحت المملكة الوجهة الرئيسية التي ترنو إليها أنظار العالم بأسره. وليس أدلّ على ذلك من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجعل المملكة العربية السعودية أولى الدول التي يزورها في كلتا فترتيْ ولايته. هذا لا يعطي بعداً إضافياً للعلاقات الثنائية السعودية الأمريكية فحسب، بل يجسد في الوقت نفسه مكانة المملكة وأهميتها السياسية الدولية.

وفضلاً عن ذلك، فإنّ الأهمية المتزايدة لدور المملكة تتجلى في العديد من المؤشرات، بدءاً من إعلان رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا من الرياض، وهذه علامة فارقة على الزخم الكبير الذي يحظى به ولي العهد في الساحة الدولية، علاوة على موافقة الولايات المتحدة وروسيا على أن تكون الرياض محطة لمباحثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، ما يشكل دليلاً إضافياً يجعل من الرياض «عاصمة السلام».

كما أن رؤية السعودية 2030 ترسم مساراً واضحاً للمملكة للانتقال من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد المعرفة والابتكار، مع التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري والتقنيات المتقدمة.

وفي عالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، تسعى المملكة، من خلال هذه الرؤية، إلى لعب دور ريادي في تشكيل ملامح النظام العالمي الجديد، عبر دعم الحوار والتفاهم، وتعزيز الاستقرار والرخاء، والمساهمة في بناء عالم يسوده السلام والتعاون.

الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، ضاق ذرعاً بالوحشية والهمجية الإسرائيلية في قطاع غزة، وارتكاب المجازر والإبادة الجماعية، ما أثار حفيظة المجتمع الأوروبي والعواصم الأوروبية، مما دفع بدوله نحو ممارسة ضغوطات سياسية ودبلوماسية قابلة للتصعيد في حال إمعان إسرائيل في القتل والإبادة، وتجاهل الشرعية الدولية.

لقد أدت جهود المملكة وحراكها الدبلوماسي لدفع حل الدولتين إلى الواجهة مجدداً، مما أدى إلى زيادة عدد الدول الأوروبية التي اعترفت بمبدأ حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي ظل السردية الإسرائيلية التي تستهتر بالقانون الدولي والإنساني والقيم البشرية، وتبرير حربها بأنها موجهة ضد «الإرهاب»، تتضح عدم مصداقية هذه الدولة الظالمة والوحشية، بينما تتجه أمريكا نحو مسار المفاوضات مع إيران، بصرف النظر عن الرغبات والتمنيات والأهواء الإسرائيلية، وهي مفاوضات لو كُتب لها النجاح ستكون لها تداعيات إيجابية في تحجيم حقبة من الصراعات في المنطقة.

المملكة، سيراً على نهجها الثابت والرصين، تؤمن بأنّ بناء عالم أكثر استقراراً وازدهاراً يتطلب تعزيز الشراكات الاستراتيجية، ومد جسور التعاون مع مختلف الفاعلين الدوليين. لذا لم يقتصر دورها على حل النزاعات، وتخفيف حدة التوترات، بل امتد ليشمل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتبادل الخبرات في مجالات البحث العلمي والابتكار. وتتجلى هذه الجهود عبر القمم المتتالية واستضافتها العديد من المؤتمرات والمنتديات الدولية التي تجمع قادة الفكر وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التحديات المشتركة وصياغة الحلول المستدامة. هذا الانفتاح يعكس رغبة المملكة في أن تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة التعاون الدولي، وأن تساهم بفاعلية في بناء مستقبل أفضل للجميع.
00:06 | 10-06-2025

السعودية تتألق وتعانق الحداثة والتطور

لم يكن الفن في يوم من الأيام عدواً للإنسان. الفن ابن الحياة، ونتاج البحث المتتابع للفرح وصناعة البهجة. الفن رافعة للإخاء الكوني، بهذا المعنى يتعيّن أن نفهم ونراعي ما يجري في السعودية. إن المملكة تتغير وتتطور، وتحاول أن تسابق الزمن من أجل الدخول في فلك الحداثة الحقيقية. ويأتي الترفيه في إطار هذه العملية الصعبة والطويلة، لكنها الممتعة في نهاية المطاف.

المملكة تعيش فترة من التطور والازدهار اللذين يعكسان انفتاحاً غير مسبوق على العالم، ويعتبر هذا التحول دليلاً واضحاً على رؤية القيادة السعودية للمستقبل. فمنذ أن أطلقت الحكومة رؤية 2030 أصبح المجتمع السعودي يتجه نحو آفاق جديدة من التقدم والتحديث في مختلف المجالات، بما في ذلك الثقافة والفنون والأزياء.

وفي حدث تجلت وازدهت فيه معاني الفخامة والتميز، استضاف موسم الرياض مؤخراً واحداً من أكبر مصممي الأزياء في العالم، في حفل يمثل نقطة استثنائية بإشراف الهيئة العامة للترفيه، وبديناميكية فاعلة لجعل صناعة ومحتوى الترفيه في السعودية تضاهي المستوى العالمي.

من خلال هذه التظاهرة الثقافية والفنية، استطاعت الهيئة استقطاب أفضل المواهب المحلية والإقليمية والعالمية، مما يمكّن الجيل الجديد من استكشاف الإبداع والتفاعل البناء مع الكون.

استقطب الحفل لفيفاً من نجوم ونجمات الفن العربي والعالمي، من مطربين ومطربات وممثلين وعارضات أزياء. وقدّم المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب عروض أزياء من تصاميمه الراقية، بينما رافقت هذه الفعالية مطربات وفنانات بارزات مثل نانسي عجرم، وجينفر لوبيز، وكاميلا كابيلو.

وتُوّجت هذه الفعالية بحضور الفنانة الكندية القديرة سيلين ديون التي شاركت بعد مكابدة مع المرض، حيث تألقت ديون في هذه المناسبة الفخمة، وجذبت تفاعل الحضور الذين تعاطفوا معها لمكانتها الفنية وبسبب الظروف التي مرت بها، مما أضاف للحدث أبعاداً إنسانية عميقة. وهل الفن إلا دعوة مباشرة إلى التلاقي والتآخي؟

مساهمة أبرز الأسماء في هذا العرض تحمل دلالات عميقة على إمكانية تحقيق التغيير، وتحفيز الطموحات الإبداعية والفنية في المملكة؛ فهذه الفعاليات ليست مجرد عرض للأزياء أو حفلة موسيقية، بل هي مؤشر واضح لإصرار المملكة على السير قدماً في طريق التطور والتجدد، فضلاً عن تسليط الضوء على قدرة المجتمع السعودي على التكيّف مع العصر وتقبّل الأفكار الجديدة، مما يعزز قيم الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الأخرى.

علينا أن نقر بأنّ التغيير من سنن الكون، فالأجيال الجديدة تختلف في أولوياتها وطموحاتها عن التي سبقتها. لذا فإنّ هناك حاجة مستمرة للتكيّف مع المتغيرات، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي. إنّ المجتمعات التي ترفض التغيير وتتمسك بالجمود ستواجه الفشل، في حين أنّ المجتمعات التي تحتضن الابتكار والتجدد ستبقى متألقة نابضة بالحياة.

نتطلع بتفاؤل وأمل إلى هذا التغيير والانفتاح اللذين نشهدهما في السعودية اليوم، حيث يمكن أن تُعتبر السعودية رائدة التحديث والتغيير في الشرق الأوسط. القيادة السعودية برؤيتها الثاقبة ماضيةٌ في بناء مجتمع يسمح ويشجع التنوع الفكري والثقافي، من دون تناقض مع القيم التي تميز الهوية السعودية.

المملكة اليوم تُعزّز التفاؤل بمستقبل أفضل لسائر دول المنطقة، وتضرب مثالاً ناصعاً في التجديد والانتساب إلى الحياة والتطور. وفي الوقت نفسه، وبخطى واثقة ومتوازنة، تحافظ على القواعد الإيمانية الراسخة في نفوس البشر، حاملة بإباء مشعل النور لتواجه الظلام وفلوله، ليصبح الشرق الأوسط منارة للمستقبل، حسب رؤية ولي العهد الطموحة التي تنشد أن يعم السلام والتنمية المستدامة في الربوع كلها.

دعم الشعب السعودي لهذه المبادرات الخلاقة يعكس مدى الوعي والرغبة في التغيير الإيجابي. وعلى الرغم من الانتقادات التي قد تصدر من بعض الأفراد، تقدم السعودية نموذجاً يحتذى في الانفتاح والتغيير المستمر الذي يتسق ومتطلبات العصر الحالي فكراً وإبداعاً وأدباً وفناً وبطريقة إيجابية ومتوازنة.

أما ما يُثار هنا وهناك من بعض الأصوات، فنود أن نذكر بالمثل القائل «من كان بيته من زجاج لا يرمي على الناس حجراً». ثقافة رمي الحجارة لا تنفع. أما الحس النقدي البنّاء فأمر مطلوب ومحمود؛ لأنه يساعد المجتمع على التقدم، ويبني على المنجزات ويعظّمها.

السعودية تدرك أنّ الحداثة تعني خدمة البشر، وأن الانفتاح هو تكريس للمواطَنة الإنسانية، وإعمار للأرض وتأثيثها بالأمل والمحبة، وبذلك وحده نرصف الطريق أمام المستقبل المشرق.
00:01 | 1-12-2024

«زهرة» تزرع الأمل وتهزم اليأس

يشهد العمل التطوعي في المملكة العربية السعودية نمواً ملحوظاً، بدعم من القيادة الرشيدة، وشراكة فاعلة من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. وتسعى المملكة من خلال هذه الجهود إلى تعزيز منظومة الصحة الاجتماعية الشاملة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وصولاً إلى تحقيق التنمية المستدامة، فضلاً عن أنّ تزايد الاهتمام بالعمل التطوعي يجسّد في الوقت نفسه مدى وعي المواطن السعودي، وإدراكه أهمية دعم المؤسسات الخيرية التي تسهم في نشر المعرفة والوعي الثقافي والأمن الصحي.

ويأتي في طليعة هذه المؤسسات الخيرية «جمعية زهرة لسرطان الثدي» التي تعمل، دون كلل أو ملل، لرفع مستوى الوعي الوقائي لدى السيدات في مختلف أرجاء المملكة. كما تقوم بتوفير الدعم الحيوي للمريضات والمتعافيات على حد سواء، بتوجيه ومتابعة حثيثة من قبل صاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء بنت فيصل بن عبدالعزيز، رئيسة مجلس إدارة جمعية زهرة الخيرية، التي تؤكد على مدى إيمان القيادة بأهمية تعزيز روح العطاء والمسؤولية المجتمعية، مما يساهم في بناء مجتمع حيوي ومتماسك ومعافى ومقبل على الحياة بأمل.

القطاع الخاص آمن بأهمية الدور الفاعل والمؤثر التي تقوم به جمعية زهرة، لذا راحت الكثير من مؤسسات القطاع الخاص تتجاوب مع رسالة الجمعية التوعوية، ومن بينها شركة أرامكو، وكذلك صندوق الاستثمارات العامة عبر الشركات التابعة له؛ حيث احتضنت مجموعة روشن والجولف السعودية الكثير من الفعاليات لمصلحة جمعية زهرة للتوعية والوقاية من هذا الداء العضال.

وفي إطار الدعم والإسناد، شهد نادي الرياض للجولف، في الثاني من نوفمبر الجاري، فعالية عامة تمثلت في «المسيرة الوردية» شارك فيها الكثير من الرجال والنساء في إطار بطولة أرامكو النسائية الدولية للجولف، والمقدّمة من صندوق الاستثمارات العامة.

وخلال «المسيرة الوردية» أعرب الرئيس التنفيذي للجولف السعودي نوح علي رضا، عن سعادته باستقبال صاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء، وأعضاء الجمعية، إذ رافقهم في المسيرة، مثمّناً هذه الفعاليات الوطنية، ودورها في نشر ثقافة العمل التطوعي في مجال الصحة العامة، وانعكاساتها الإيجابية على تعزيز التنمية وجودة الحياة. كما شهدت جامعة الملك سعود مسيرة زهرة للتوعية في شهر أكتوبر وهو شهر التوعية بهذا المرض دولياً.

«جمعية زهرة لسرطان الثدي» أثبتت ريادتها في مجال مكافحة هذا المرض، وذلك من خلال جهودها الحثيثة في التوعية الوقائية، وتقديم الدعم الشامل للمصابات والمتعافيات وذويهن. ومنذ تأسيسها، أخذت الجمعية على عاتقها مهمة مُلهمة تتمثل في تقليص تأثير سرطان الثدي، وتعزيز الوعي الصحي بين صفوف النساء، مما جعلها واحدة من أبرز المنظمات غير الربحية في هذا الحقل.

تقوم جمعية زهرة بتنظيم حملات توعية دورية، وورش عمل ومحاضرات في مختلف مناطق المملكة تستهدف جميع شرائح المجتمع. هذه الأنشطة لا ترمي فقط إلى نشر المعلومات حول ضرورة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، وإنما تسعى أيضاً لمحو الأفكار السلبية المترسبة في أذهان الكثيرات حول المرض؛ ما يساهم في تقليل حالات الاكتشاف المتأخر، وبالتالي تحسين فرص الشفاء، والنجاة من المرض.

جمعية زهرة، في إطار نشر عبقها، تقدم دعماً شاملاً للمصابات بالمرض، عبر الإسناد النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى توفير المشورة القانونية والطبية.

الإحساس بالوحدة والعزلة وتزعزع اليقين تعد من التحديات الكبرى التي تواجه النساء خلال رحلة العلاج، وهنا يأتي دور الجمعية كمصدر أمل وتحفيز، من خلال إنشاء مجموعات دعم وتأهيل، وتوفير بيئة آمنة للتواصل، إذ تُساهم الجمعية في تعزيز العلاقات بين المصابات وتبادل التجارب والنصائح، مما يساعد في تقليل القلق ومحاصرة التوتر.

برامج الجمعية لا تقتصر، وحسب، على الدعم خلال فترة العلاج، بل تتعدى ذلك لتشمل تأهيل النساء المتعافيات نفسياً واجتماعياً، وتمكينهن من العودة إلى حياتهن الطبيعية؛ من خلال ورش العمل التدريبية والدورات التأهيلية، حيث تُساعد الجمعية النساء على اكتساب مهارات جديدة تمكّنهن من دخول سوق العمل، وبالتالي تحسين جودة حياتهن ومساهمتهن في المجتمع. إنّ تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً هو جزء لا يتجزأ من رؤية المملكة نحو خلق بيئة صحية ومستدامة.

الرسالة الإنسانية لزهرة تزرع الأمل في قلوب الكثير من النساء، وتساهم بشكل فعّال في تحسين جودة حياتهن، وذلك بفضل التوجه الإيجابي والجهود المستمرة التي تبذلها الجمعية لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

إنّ زهرة ليست مجرد جمعية تقدم الدعم، بل هي رمز للعزيمة والإصرار على مكافحة سرطان الثدي، وتوفير حياة أفضل لجميع النساء، ضحايا هذا المرض، ليصبحن أكثر قوة، وأشد جَلَداً، وأعمق إيماناً بقدراتهن الخلاقة على هزيمة الألم والمعاناة.

جمعية زهرة لسرطان الثدي تستحق كل الدعم والتشجيع في مسيرتها النبيلة. وستظل جهودها الحثيثة في التوعية والدعم نبراساً يُضيء الطريق، وبارقة أمل للعديد من النساء، بما يعزز التلاحم المجتمعي في مواجهة هذا التحدي الكبير.

إن التكاتف مع الجمعية ودعم برامجها واجب إنساني ووطني لنصرة المصابات والمتعافيات، ولصنع تغيير إيجابي ومستدام يحيي طاقة التفاؤل، وينعش قوة الأمل.
00:08 | 8-11-2024